ماذا بعد قرار مجلس الأمن.. ومتى تتوقف الحرب؟

الرئيس الأمريكي جو بايدن وسلفه دونالد ترمب (غيتي)

 

(1) قرار غير ملزم

أمتنعت الولايات المتحدة عن التصويت على قرار مجلس الأمن الذي طالب إسرائيل بالوقف الفوري لإطلاق النار في غزة، لكنها لم تستخدم حق “الفيتو” كما فعلت سابقًا ثلاث مرات، لكن هل هذا سيغير من الأمر شيئًا؟

أعتقد لا، وخاصة أن “ليندا توماس غرينفيلد” مندوبة أمريكا في الأمم المتحدة وصفت القرار بأنه غير ملزم، وكأنها بذلك تسكب الماء البارد على حالة الارتياح العام التي واكبت صدور القرار الذي طال انتظاره. بعد أيام من صدور القرار الأممي ما زالت إسرائيل تقصف غزة ويسقط العشرات من المدنيين ما بين قتيل وجريح بالإضافة إلى تدمير الممتلكات، ولم يحرك مجلس الأمن ساكنًا، ولم نسمع تصريحًا من أي من أعضائه بضرورة تكوين تحالف دولي عسكري لردع إسرائيل كما حدث في مناطق أخرى في العالم، وهناك تصريح لـ”كوفي عنان” حين كان أمينًا عامًا للأمم المتحدة عام 1999، قال فيه: “إن هناك حدودًا لسيادة الدول في حال وجود انتهاكات واضحة وعلى نطاق واسع لحقوق الإنسان فوق أراضيها”، والمؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان جميعها أقرت بأن جيش الاحتلال الإسرائيلي قام بالعديد من الانتهاكات في غزة، وكل الأراضي الفلسطينية المحتلة تعدها إسرائيل جزءًا من أراضيها.

المتوقع أن القرار سينضم لغيره من قرارات صادرة عن المنظمة الدولية في حق إسرائيل ومر عليها سنوات ولم تنفذ، إسرائيل تدرك أنها تحت الحماية الأمريكية وأن “الفيتو” الأمريكي جاهز دائمًا لإجهاض أي قرار دولي ضدها، ولقد استخدمت أمريكا حق “الفيتو” 46 مرة لدعم إسرائيل 34 منهم تخص الأراضي الفلسطينية، ولأن إسرائيل اعتادت على أن تشهر أمريكا هذا السلاح النافذ في كل مرة يكون فيها قرار أممي ضدها كان من الطبيعي أن تستقبل الحكومة الإسرائيلية المتطرفة الموقف الأمريكي الأخير بالغضب، وظهر ذلك جليًا في تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، ولقد ألغي نتنياهو زيارة كان من المقرر أن يقوم بها اثنان من كبار مستشاريه إلى واشنطن ردًا على عدم استخدام أمريكا لحق “الفيتو”!!.

 

(2) الحرب مستمرة بموافقة ودعم وتخطيط أمريكي

 

عدم استخدام أمريكا لحق “الفيتو” مؤخرًا لا يعد تغييرًا في موقف الإدارة الأمريكية من إسرائيل، لكنها أرادت ضرب عصفورين بحجر واحد كما يقال، أولًا ما فعلته يعد قرصة أذن خفيفة للحكومة الإسرائيلية التي أحرجت الإدارة الأمريكية أكثر من مرة، وخاصة في ملف المساعدات وفتح المعابر البرية.

وثانيًا محاولة لتجميل صورة أمريكا عالميًا بعد أن أصبح دعمها غير المحدود لما يفعله جيش الاحتلال في غزة مستهجنًا وقبيحًا، وفي الوقت نفسه أمريكا تدرك أن القرار مجرد محاولة لتضميد جرح الضمير العالمي المصدوم بما يشاهده من مذابح في غزة، فهو في النهاية موقف أخلاقي لا طائل منه في عالم لا يعترف إلا بالقوة المسلحة.

يوم 7 مارس الماضي في خطاب حالة الاتحاد أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن عن تكليفه للجيش بإنشاء ميناء على ساحل غزة بحجة إيصال كميات كبيرة من المساعدات الإنسانية للقطاع المنكوب، وفي تصريحات للمتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” أعلن أن الميناء سيبلغ طوله 500 متر ويستغرق بناؤه حوالي الشهرين، وأن بلاده تهدف في النهاية إلى توفير مليوني وجبة لسكان غزة يوميًا، وأضاف أن العملية قد تشمل ألف جندي أمريكي، لكن لن يتم نشر القوات على الشاطئ، حتى ولو بشكل مؤقت ولا يوجد تقدير لتكلفة المشروع بعد.

يبدو الأمر مثيرًا للتساؤل والريبة، فلماذا يتخذ الرئيس الأمريكي قرارًا ببناء ميناء في غزة يستغرق شهرين لإيصال المساعدات في حين أن المعابر البرية موجودة ومجهزة، ويمكن استخدامها في التو واللحظة دون انتظار؟ ولماذا لا يضغط على إسرائيل لفتحها وهي رئيس الدول الوحيدة القادرة على ذلك؟

يفسر البعض الأمر بأن إدارة بايدن تأثيرها محدود في حكومة الحرب الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، وأنها لا تستطيع أن تجبرها على فتح المعابر حتى يمكن للمساعدات الإنسانية أن تدفق بسهولة ويسر وسرعة لإنقاذ أهل غزة وخاصة الأطفال الذين يموتون من سوء التغذية ونقص الدعم الطبي والإسعافات الأولية، لكن هل يمكن قبول ذلك منطقيًا أم أن أمريكا لها مآرب أخرى من إنشاء هذا الميناء لا علاقة لها بالمساعدات الإنسانية، لكن لها صلة بترتيبات اليوم التالي لانتهاء الحرب والتعامل مع غزة خالية من “حماس” كما تردد إسرائيل؟ ويظل السؤال قائم: متى تنتهي هذه الحرب الدموية؟

وهل الدول العربية والإسلامية تمتلك أدوات فعالة للضغط على إسرائيل وأمريكا لدفعهما لإيقاف إطلاق النار تلبية لقرار مجلس الأمن؟ أم أن محور المقاومة المدعوم من إيران سيظل وحده الذي يتصدى للتوحش الإسرائيلي والغطرسة الأمريكية، رغم ما يتسبب فيه ذلك من عدم استقرار في المنطقة وتوسيع لدوائر العنف إلى جانب الخسائر الاقتصادية بسبب ارتباك الملاحة في البحر الأحمر.

(3) غزة جزء من صراع أكبر

العالم يعاني من فترة مخاض عصيبة تسبق ولادة نظام عالمي جديد، لن تنفرد فيه أمريكا بالقمة لكن سيشاركها فيها عدد من الدول الكبرى الذي أثبتت حضورها على الساحة الدولية بالقوة الاقتصادية والعسكرية، وخاصة بعد أن تبين أن أمريكا لم تكن أمينة في إدارتها للمنظومة العالمية التي وضعت بنودها، وحرب إسرائيل على غزة جزء من هذه المتغيرات ونتائجها مرهونة بنتائج المرحلة التي تموج بالمخاوف والتطلعات، ونجد إشارات لها في العديد من بؤر الصراع على النفوذ والهيمنة في أوروبا وشرق آسيا وإفريقيا. العالم على وشك التعرض لطوفان كبير، ولا أحد يعرف من الذي يبني سفينة نوح؟ ومن سيكون على متنها في أمان حين يغرق الآخرون؟

 

 

.

المصدر : الجزيرة مباشر