وقفة تأمل.. متى نصر الله؟

المسجد النبوي الشريف (مواقع التواصل)

إن المتأمل للواقع الذي يعيشه المسلمون الآن، يجد نفسه أمام مشهد دولي يهيمن عليه الباطل، وتعمّ فيه سطوة الظلم على الأمم والشعوب، ومن ناحية أخرى مشهد إسلامي يهيمن عليه العجز والوهن والاستسلام، في مواجهة حرب صهيونية صليبية ضد الإسلام والمسلمين، لم تعد تتوارى كما كانت من قبل؛ بل أصبحت معلنة بلا تورية ولا استخفاء.

ومع هول ما ألمّ بالمسلمين في بقاع شتى من المعمورة، وما يتعرض له على وجه الخصوص المسلمون في غزة وفلسطين من محرقة وحرب إبادة وحشية وغير إنسانية، على يد تحالف صهيوني أمريكي غربي صليبي، ومع صمود ومقاومة باسلة لأهل غزة، سيظل التاريخ يحكيهما، يتساءل كثيرون: متى نصر الله؟ أليس نصر الله بقريب؟ أما آن لذلك الباطل أن يندحر، ولهذا الظلم أن ينتهي، ولتلك الظلمة أن تنقشع، وأن يبزغ فجر الحق، وتُشرق  شمس العدل على أرجاء المعمورة؟

إن الواقع المشهود من أحوال الأمة الإسلامية، أصاب بعض ضعاف الإيمان بهزة إيمانية؛ بسبب الأحداث التي فاقت كل تصور، رغم أنهم لا يعانون ما يعانيه غيرهم في مواجهة أعداء الأمة، إلا أنهم أصبحوا يشكّون في وعد الله بالنصر لعباده المؤمنين.

يضاف إلى ذلك أن كثيرين ممن يقولون: متى نصر الله؟ يُعَدّون بأفعالهم وأقوالهم وتقصيرهم عونا لأعداء هذه الأمة وللظالمين.

إن ما أصاب كثيرين من هزات إيمانية إنما مرجعه قصور في فهم السنن الكونية، والجهل بعقيدة الإسلام، ومكانة الدار الآخرة ومركزيتها في حياة المؤمن، وبأن الله ليس بغافل عما يعمل الظالمون.

لا يخلف الله وعده

إن نصر الله للحق لا شك فيه، فالله لا يخلف وعده، وحاشاه أن يتخلف عن نصره لعباده المؤمنين، فهو الذي نصر الأولين والآخرين، فالله ناصر من نصره وخاذل من خذله، ولكنه سبحانه أمر بالأخذ بالأسباب، وأعظم هذه الأسباب طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، التي يندرج تحتها الأخذ بكافة الأسباب المشروعة من العلم النافع والاستعداد بما يُستطاع، وأداء ما افترض الله، والوقوف عند حدوده، والكف عن محارمه، وأن يكون العمل خالصا لوجه الله، لأجل نصرة دين الله وإعلاء كلمة الله، وليس لأجل عصبية أو قومية أو غير ذلك من دعاوى؛ إذ يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}.

إن واقع المسلمين الآن يخبر بأن ما يفعله المسلمون بأنفسهم أخطر مما يفعله أعداؤهم بهم، وليس هناك من عذر بأن المحكومين مغلوبون على أمرهم، وأن السبب يكمن فيمن يتحكمون ويقودون، قال الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير}.

وإن للنصر أسبابا تؤخذ وموانع تُتجنب؛ فلا الأسباب أخذنا بها بحق ولا الموانع تجنباها بصدق، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.

إن تحريرا للمصطلحات وتصحيحا للفهم لابد من تحريهما عند النظر في حال الأمة الآن، حتى نفهم سبب تأخر النصر عن المسلمين، وإن ما يحدث في غزة وفلسطين يُعد مرآة عاكسة، فالحرب الدائرة في غزة هي حرب بين حق وباطل، بل هي صراع بين كفر وإيمان، وتصريحات الأعداء وأفعالهم تؤكد ذلك، وتستوجب من المسلمين نصرة بعضهم بعضا، ولا يصلح أن تنوب فيها غزة أو غيرها عن الأمة الإسلامية، وعندما تتعامل الأمة مع هذا المشهد بغير هذا الفهم فإنها لا يمكن أن تحقق النصر، ولن يجازيها الله به.

إن أعداء الأمة الإسلامية لا ينتصرون لأن المسلمين شرٌّ منهم حالا، ولكن يحقق أعداء الأمة النصر عندما يخالف المسلمون أمر الله ورسوله، والمثال الواضح في ذلك كان في معركة أحد، التي كانت بين جيش المسلمين الذي يقوده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويضم الصحابة الذين هم خيار هذه الأمة، فقد وقعت الهزيمة بالمسلمين للخلل في أسباب النصر؛ وذلك لما خالف بعض الصحابة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولقد غاب عن المسلمين في عصرنا  فهم أوامر الله التي يتحقق بها النصر، وغفلوا عن قوله عز وجل: {الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}، فنكصوا وتخلفوا عن تلك السنة الاجتماعية المتمثلة في التعاون ومؤازرة بعضهم بعضا؛ كي لا يتسلط عليهم الأعداء، ويفسدوا بينهم، ويفرقوا جمعهم.

إن الناظر في تاريخ الأمة قديما وحديثا، يجد شواهد التاريخ من سقوط الخلافة الأموية، والعباسية، والأندلسية، والعثمانية تخبرنا أن تخلف المسلمين عن الأخذ بسنة التعاون والمؤازرة وموالاة بعضهم بعضا، وتخاذلهم، وموالاة بعضهم لمن نهى الله عن ولايتهم أوقعت الأمة فيما حل بها، وواقعنا اليوم ليس عن ذلك ببعيد.

الدعاء لا يحقق النصر!

ومن عجب أن المسلمين تركوا العمل الذي يحقق نصرة بعضهم بعضا -تلك النصرة التي هي واجب شرعي- واستبدلوا بها الدعاء، بحجة أنه لا سبيل لهم سواه، فتحقق فيهم قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: “يدعو خياركم فلا يستجاب لهم”، وما ذلك إلا لأن المسلمين اعتبروا الدعاء بديلا للواجب الشرعي، مع أن الدعاء يجب أن يكون في سياق الواجب الشرعي لا بديلا عنه، فتركوا الصعب إلى المستسهل، وتخاذلوا عن الحمل على الحق، وعن منع الباطل ومقاومته، وقنعوا بأنهم قد أدوا ما عليهم، وما ذلك بصحيح!

لقد جعل الله للنصر سننا وقوانين، من أخذ بها حقق ما يأمله من نصر مؤزر ومبين.

إن قوانين النصر تخبرنا أن النصر من عند الله؛ فمن ينصره الله فلا غالب له، ولو اجتمعت الدنيا كلها لهزيمته، ومن خذله الله يستحيل أن يُنصر أبدا، مهما جمع من عدد وعُدة. وإن النصر للمؤمنين الذين نصروا الله بنصرة دينه، وإعلاء كلمته، وتحقيق مراده وتحكيم شرعه. وإن النصر لا يكون إلا بالمؤمنين؛ فهم غاية النصر وعدته، فالنصر لهم وبهم، ووجودهم شرط لتحقيق النصر المبين.

روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “إنكم تُنْصَرُونَ على عدوِكُم بطاعة الله، فإن استويتم أنتم وهم في المعصية غلبوكم بعُدَّتِهِم وَعَدَدِهِمْ”.

خاتمة

إن الله سبحانه وتعالى ناصر دينه، وناصر عباده المؤمنين، وإن تأخر النصر فلحكمة يريدها الله، وليتحقق النصر لا بد من الأخذ بأسبابه والتزام قوانينه.

إن بشارات لنصر الأمة القادم على أعدائها يرسلها صمود أهل غزة رغم ما حل بهم من بلاء، وأخذهم بالأسباب إلى أقصاها، وثباتهم في وجه تحالف قوى الشر الصهيونية، وتؤكد للأمة أن عدوها مهما بلغت عدته وعتاده فإنه يصبح أوهن من بيت العنكبوت عندما تواجهه الفئة المؤمنة التي تأخذ بالأسباب، وتنصر دين الله وتريد إعلاء كلمة الله.

قال الله تعالى وقوله الحق ووعده الصدق: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}.

المصدر : الجزيرة مباشر