مصر.. ماذا تعني القرارات الاقتصادية الأخيرة؟

البنك المركزي المصري (رويترز)

في خطوة طال انتظارها، أعلنت مصر اليوم أربعة إجراءات متوقعة، رفع أسعار الفائدة بشكل غير مسبوق، وتعويم الجنيه، وإصدار شهادات استثمار لمدة 3 سنوات بعائد 30%، والحصول على موافقة صندوق النقد الدولي على قرض جديد.

وخلال تعاملات اليوم، انخفض الجنيه المصري إلى مستوى غير مسبوق بعد أن أعلن البنك المركزي أنه سيسمح بأن يتحدد سعر الصرف وفقًا لآليات السوق (التعويم) ورفع أسعار الفائدة 600 نقطة أساس في اجتماع استثنائي، في خطوات جديدة تهدف إلى الاستقرار الاقتصادي بدعم تدفقات استثمارية خليجية وبرنامج صندوق النقد الدولي.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وانخفض الجنيه المصري بشكل حاد مقابل الدولار مع افتتاح الأسواق، ليتجاوز سعر الصرف خلال التعاملات خمسين جنيهًا للدولار، قبل أن ينزل عن هذا المستوى إلى نحو 49.50 جنيهًا للدولار، وذلك من مستوى 30.85 للدولار الذي حاولت مصر على مدى شهور الدفاع عنه، ليخسر حوالي ثلث قيمته أمام الدولار الأمريكي.

وتمثل خطوة تطبيق سعر صرف أكثر مرونة أحد المطالب الرئيسة لصندوق النقد الدولي، وهو بالفعل ما تم التوقيع عليه اليوم، فقد وافق صندوق النقد الدولي اليوم على قرض لمصر طال انتظاره بثمانية مليارات دولار، وذلك بزيادة عن 3 مليارات دولار، جرى الحديث عنه في السابق.

تلك القرارات كانت متوقعة قبل أكثر من عام، لكن تأجل الإعلان عنها بسبب بعض الظروف، من بينها الانتخابات الرئاسية، والأزمات التي يمر بها العالم كالحرب في أوكرانيا، وتداعيات ما يجري في قطاع غزة على المنطقة بشكل خاص.

آثار سلبية على المواطن

القرارات الثلاثة المتعلقة بتعويم الجنيه ورفع الفائدة وإصدار شهادات استثمار لمدة 3 سنوات بعوائد 30%، سيكون لها آثار سلبية فورية على المواطن، حيث سيؤدي ارتفاع سعر الدولار إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية، خاصة وأننا على أبواب شهر رمضان المبارك، حيث يزداد الإقبال على تلك السلع، وكانت هناك توقعات بأن الأسعار ستتراجع، لكن ذلك لم يحدث.

فهل تتحرك الحكومة المصرية لإيجاد بعض الحلول، مثل توفير السلع الغذائية بأسعار مدعومة، أو عبر صرف مضاعف للمقررات التموينية التي يحصل عليها ما يقرب من 65% من الشعب المصري.

كما سيترك رفع الفائدة، تأثيرًا سلبيًا على المستثمر المحلي، فتكاليف التمويل سترتفع بالنسبة للاستثمارات المحلية الحالية أو المستقبلية، فمثلًا تكلفة الاقتراض ستزيد، كما أن أسعار المواد المستوردة سترتفع، ما ينعكس على زيادة تكاليف الاستثمار، وانخفاض الأرباح لرجال الأعمال المصريين.

ورفع الفائدة 600 نقطة أساس أو 6% يعد ارتفاعًا كبيرًا جدًا مقارنة بالمرات السابقة، التي كانت تتراوح بين 1 و3%، بيد أن هذا القرار يستهدف امتصاص السيولة من السوق، والسيطرة على معدلات التضخم وجذب الأموال إلى البنوك، ومن المؤكد أن رفع الفائدة الكبير سيؤثر مستقبلًا في البورصة والصناعة، وبالتالي حدوث نوع من الركود في الأسواق.

ولمعرفة تأثير رفع الفائدة على أسعار السلع والخدمات، يجب تحديد أمرين مهمين، أولهما هل البنوك ستظل قادرة على تلبية كافة الاحتياجات الدولارية في مصر؟ فمصر لديها الآن بضائع متأخرة في الموانئ وفي عرض البحر تحتاج لعملة صعبة.

الأمر الثاني.. هل لدى مصر احتياجات استيراد تقدر بـ3 مليارات دولار شهريًا، بالإضافة إلى التزامات سداد الديون الخارجية؟

كل ذلك يحتاج إلى تغطية من قبل البنوك!

فإذا نجحت البنوك خلال فترة الأسابيع المقبلة في توفير السيولة الدولارية لرجال الأعمال، فإن ذلك سيؤدي إلى تقلص وربما انتهاء وتلاشي السوق السوداء، وهو أمر صعب المنال مقارنة بتجارب العديد من الدول التي اتخذت الخطوات نفسها تقريبًا.

وهناك أيضًا مخاوف من انخفاض عكسي بسعر الدولار الرسمي، فقبل نحو عام تم رفع السعر الرسمي من 28 جنيهًا للدولار إلى حوالي 34 جنيهًا، وفي اليوم التالي انخفض سعر الدولار إلى 29 جنيهًا قبل أن يستقر على سعر 31 جنيهًا مصريًا.

هل يتدخل البنك المركزي

وتأثيرات القرارات التي اتُخذت اليوم ستكون مرتبطة بالقرارات التي ستتخذ في الأيام المقبلة، فهل سيكون هناك تخفيض آخر في سعر الجنيه، لأن اليوم بدأ التخفيض بنحو 40 جنيهًا ووصل حتى الآن إلى 50 مقابل الدولار.

ويكبح نقص العملة الأجنبية النشاط التجاري بالبلاد ويتسبب في تراكم بضائع بالموانئ والتأخر في سداد ثمن السلع، وتباطأت تحويلات المصريين العاملين في الخارج، المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية في البلاد، بشكل حاد وسط التوقعات بتراجع الجنيه.

كما تعرّض الحرب في غزة وهجمات الحوثيين باليمن على السفن في البحر الأحمر إيرادات السياحة وحركة المرور في قناة السويس للخطر، وهما مصدران مهمان آخران للعملة الصعبة.

والسؤال هنا: هل يتدخل البنك المركزي لإعادة الأمور إلى نصابها والوصول إلى سعر توازني بحدود 45 جنيهًا مصريًا للدولار؟

وربما تراهن مصر هذه المرة على أن تدفقات العملة الصعبة من المشروعات الاستثمارية، ومن بينها صفقة بقيمة 35 مليار دولار تم توقيعها مع الإمارات أواخر فبراير، ستحول دون السقوط الحر للجنيه.

وقد خسر الجنيه حوالي نصف قيمته مقابل الدولار من أوائل 2022 عندما تفاقمت أزمة نقص العملات الأجنبية، وهو ما جاء في سلسلة من عمليات خفض متقطعة لقيمة العملة، ليصل في بعض التعاملات بالسوق الموازية إلى أكثر من 70 جنيهًا مقابل الدولار، إلا أن بعض الإجراءات الحكومية، التي حرمت تقريبًا ظهور الدولار سواء في الأسواق أو جيوب المواطنين، حدت من تداولات الدولار في السوق السوداء أو حتى في السوق الرسمية.

ومع إعلان صندوق “إيه.دي.كيو” الإماراتي ضخ 35 مليار دولار خلال شهرين في إطار صفقة استثمار لتطوير مدينة رأس الحكمة على الساحل الشمالي لمصر، وجد الجنيه متنفسًا في السوق الموازية قبل خطوة خفض سعر الصرف اليوم، إلا أن الآراء أجمعت على أن هذه الخطوة من مسكنات، وقد لا تحسن الحكومة التصرف في قيمة الصفقة وتوظيفها لإعادة مسار الاقتصاد إلى وضعه الصحيح.

الرقم الذي يتحدثون عنه في صفقة “رأس الحكمة”، قطرة في بحر الديون التي تثقل كاهل الشعب المصري، وسيذوب خلال فترة وجيزة في شرايين الدولة التي تعاني من جلطة حادة.

فالصفقة الجديدة مسكن فوري للاقتصاد المصري المتدهور، يمكنه أن يخفض حدة الألم، لكن لا ينهيه بصورة كاملة، فالأموال المتحصلة من الصفقة لا تعدو أن تكون إلا جزءًا من الأموال واجبة السداد العام الحالي، فمصر عليها سداد 42 مليار دولار أقساطًا وفوائد ديون خارجية في 2024، بالتالي فإن الحديث عن دخول 35 مليار دولار لمصر فهو مبلغ أقل من الواجب سداده.

إمكانية التحكم في سعر الصرف

من ناحية أخرى فإن مبلغ 11 مليار دولار هي بالأساس ودائع إماراتية بالبنك المركزي المصري تم تسلمها بفترات سابقة وجرى تحويلها من صورة ودائع لاستثمارات، وبهذا يصبح المبلغ الفعلي الذي ستتسلمه مصر 24 مليار دولار، وهو لا يكفي لسداد أقساط وفوائد ومتأخرات العام الحالي.

أما فيما يتعلق بإمكانية التحكم في سعر الصرف واسترداد الجنيه المصري جزء مما فقده من خلال تلك الصفقة، فهذا بعيدًا تمامًا عن حسابات الواقع، فمصر كما هو معروف تواجه تحديات اقتصادية جمّة، تتمثل بصورة أساسية في ندرة العملة الأجنبية، ما ضغط على الجنيه، واضطر البنك المركزي المصري إلى خفض قيمته تدريجيًا، ابتداء من شهر مارس 2022، وفقدت العملة المصرية أكثر من نصف قيمتها منذ ذلك التاريخ في السوق الرسمية، بينما كان الانهيار أكبر كثيرًا في السوق الموازية.

وهنا يتضح أن الصفقة ما هي إلا تمهيد لتعديل سعر صرف الجنيه، لإتمام الاتفاق مع صندوق النقد الدولي ببرنامج تمويل، وهو ما وضح تمامًا اليوم.

والحل ليس في تدشين مشروعات خدمية مثل رأس الحكمة، يستفيد منها علية القوم وباقي الشعب لا يجد ما يسد جوعه، وليس معنى تشغيل عمالة في بناء إنشاءات أو غيره يحل المشكلة لشعب يصل تعداده بالداخل 106 ملايين نسمة.. من المفترض أن تركز الحكومة على مشروعات لها دور كبير في تشغيل العمالة، وتكون إنتاجية، يحل إنتاجها محل الواردات لتحسن ميزان المدفوعات المصري، وتشجع الصادرات، وتقلل الفجوة بين الصادرات والواردات.

ولا تزال الشكوك قائمة بشأن التزام مصر بالإصلاحات الهيكلية التي كثيرًا ما أرجأت تنفيذها، ومن بينها تحرير سعر صرف العملة وتخلي الدولة والجيش عن هيمنتهما على النشاط الاقتصادي.

وإلى جانب المتأخرات المستحقة لشركات أجنبية، تواجه البلاد أيضًا جدولًا ثقيلًا لسداد الديون الخارجية، فقد بلغ صافي عجز الأصول الأجنبية في النظام المصرفي، بما في ذلك البنك المركزي، حتى 31 ديسمبر 841 مليار جنيه بما يعادل بسعر الصرف في ذلك الوقت 27.2 مليار دولار.

خلاصة القول، الأحداث المتواترة خلال الأيام الأخيرة، سواء رفع أسعار الفائدة، أو طرح سندات بعائد 30%، أو تعويم الجنيه، أو القرض، أو حتى صفقة رأس الحكمة، وغيرها من الصفقات المقبلة وفي مقدمتها “رأس جميلة”، ما هي إلا محاولات  لحل مشاكل الديون، التي لن تحل إلا من خلال تحقيق دخل للدولة، وتحقيق هذا الدخل لا بد له من مشروعات إنتاجية تدر عائدات سواء بالجنيه المصري أو العملات الأجنبية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان