ماذا لو تم القضاء على حماس.. هل ستموت فلسطين؟

الرئيس الأمريكي بايدن

 (1) وأنت تخوض حروبك.. فكر بغيرك

أثار حديث الرئيس الأمريكي “جو بايدن” عن وقف إطلاق النار في غزة، وهو يتناول “آيس كريم” استياء مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي.

فرئيس أقوى دولة في العالم، يتحدث عن كيفية التعامل مع كارثة إنسانية في قطاع غزة باستخفاف لا يليق بمكانة بلده أو هيبة منصبه، ويأتي هذا الحدث بعد إشعال الجندي الأمريكي الشاب “آرون بوشنل” النار في نفسه أمام سفارة إسرائيل بأمريكا احتجاجًا على دعم بلاده لحرب الإبادة في غزة، وكان يردد وجسده مشتعل: “فلسطين حرة”، وهي عبارة أصبحت تتردد كثيرًا حول العالم في تظاهرات شعبية تعلن رفضها لاستمرار حرب الإبادة في غزة.

قادة العالم ومسؤولو الأمم المتحدة يشاهدون حصار الفلسطينيين في غزة وتجويعهم وقتلهم وهدم منازلهم ومستشفياتهم ومدارسهم على مدار اليوم ثم يخلدون إلى نومهم في سلام، وفي الصباح يتذكر بعضهم هؤلاء الذين شاهدهم بالأمس فيقرر أن يدلي بتصريح يسكن ألم الضمير العالمي من وقع الإبادة الجماعية فيطالب بضرورة زيادة المساعدات لأهل غزة المنكوبين، مطالب القادة بزيادة المساعدات دون العمل على وقف دائم لإطلاق النار، دليل على موقف أخلاقي مشوه فكأن لسان هؤلاء: لا بأس بقتل الفلسطينيين لكن علينا أن نطعمهم أولًا رحمة بهم!!.

قيام الولايات المتحدة الأمريكية بأول عملية إنزال جوي للمساعدات على قطاع غزة، عقب مقتل مئة فلسطيني وإصابة العشرات برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي في حادثة الرشيد في مدينة غزة، لا يكفي لغسل يدها من الدم الفلسطيني الذي اختلط برغيف الخبز.

مدنيون تدافعوا للحصول على ما يسد رمقهم، لكن جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي أمطروهم بوابل من النيران دون مبرر يمكن لعاقل أن يقتنع به، غير أن الصلف الإسرائيلي وصل لحد القتل من أجل الاستمتاع بإذلال الطرف الآخر وإظهار القوة المفرطة تمامًا مثلما كان يفعل هتلر مع أجداد الإسرائيليين الحاليين حين كان يرميهم أحياء في المحرقة.. فماذا كان مصير القوي المتكبر؟!، حتى وأنت تخوض حروبك عليك أن تفكر بغيرك فما تزرعه اليوم ستحصده غدًا.

(2) هدنة وليس وقف إطلاق النار

المفاوضات الجارية بشأن غزة كلها تدور حول هدنة مؤقتة وليس وقف كامل ودائم لإطلاق النار، الهدف الأول من هذه المفاوضات هو تحرير المحتجزين لدى فصائل المقاومة في غزة مقابل الإفراج عن عدد أكبر من الفلسطينيين الموجودين في سجون إسرائيل بعد فشل الجيش الإسرائيلي في تحريرهم رغم مرور خمسة أشهر على بدء حرب الإبادة في غزة، ولم يفلح هذا الجيش المدعوم أمريكيًا إلا في تحرير شخصين فقط رغم كل ما أحدثه في غزة من دمار. أسر المحتجزين يمثلون ضغطًا على حكومة “نتنياهو”، ويطالبون رئيس الوزراء بالعمل من أجل سرعة تحرير هؤلاء المحتجزين، فكل يوم يمر دون تحريرهم خطر عليهم بسبب القصف الإسرائيلي العشوائي لغزة. أمراء الحرب في إسرائيل وعدوا شعبهم بتحرير المحتجزين مع بدء الحرب البرية على غزة، وتبين أن الأمر بعيد المنال، وأن إسرائيل لن تحصل في النهاية سوى على جثث مواطنيها قتلى مثل آلاف الفلسطينيين الذين سقطوا شهداء نتيجة القصف الإسرائيلي، وحتى الآن يقف العالم عاجزًا عن كبح جماح شهوة الانتقام عند اليمين الإسرائيلي المتطرف.

مؤخرًا كشف موقع “أكسيوس” الأمريكي، أن الرئيس الأمريكي جو بايدن أعطى إسرائيل مهلة حتى منتصف الشهر الجاري للتوقيع على اتفاق يوفر ضمانات تؤكد التزامها بالقانون الدولي أثناء استخدام الأسلحة الأميركية في غزة، كما يلزمها أيضًا بدخول المساعدات إلى غزة.

وأضاف الموقع أن الإدارة الأمريكية ستوقف عمليات نقل الأسلحة إلى إسرائيل إذا لم تقدم تل أبيب الضمانات بالموعد المحدد.

سبق لإدارة بايدن أن وضعت للحكومة الإسرائيلية مهلة زمنية لحربها على غزة مع نهاية عام 2023، ولكن الإدارة الأمريكية تراجعت أمام مطالب إسرائيل بإعطائها مزيدًا من الوقت للقضاء التام على حركة “حماس”. علمتنا تجارب الماضي أن العلاقة بين أمريكا وإسرائيل لا يحكمها القانون الدولي ولكن يحكمها جماعات الضغط الصهيونية التي تمارس نفوذها على الإدارات الأمريكية المتعاقبة وخاصة في عام الانتخابات.

فيجب أن لا ننتظر تغييرًا جوهريًا في الموقف الأمريكي تجاه حليفتها المدللة إسرائيل، رغم أن الولايات المتحدة الأمريكية تملك القدرة على إيقاف الحرب على غزة اليوم وليس غدًا، وإعادة المنطقة إلى حالة الاستقرار ولو مؤقتًا، مما يسمح بعودة الملاحة إلى طبيعتها في البحر الأحمر دون تهديد من الحوثيين، وكذلك عودة الأمور إلى طبيعتها في لبنان والعراق وسوريا فهذه الدول الثلاث أحوالها الداخلية مرتبطة بفصائل المقاومة المدعومة إيرانيًا، لكن فيما يبدو أن أمن إسرائيل بالنسبة لأمريكا أهم من أمن واستقرار المنطقة والعالم.

(3) غزة تتحول إلى “غوانتانامو”

في سورة قريش، يذكر الله نعمته على قريش ذاكرًا نعمتين لا بديل عنهما للإنسان ليعيش حياة طبيعية وهما “الطعام والأمن” الجوع والخوف إن سادا في مجتمع يتعرض المجتمع إلى الفناء على أقصى تقدير، لكن في الأحوال كلها يؤدي الجوع والخوف إن استمرا طويلًا إلى تغييرات جذرية في شخصية الإنسان ومنظومة قيمه وأولوياته ونظرته إلى نفسه والعالم مع شعوره بالعجز والقهر والمهانة. التجويع والتخويف هما أقوى الأسلحة التي تستخدم لكسر الإرادة والكرامة والإذلال وسلب الوعي عند الإنسان، وهذا ما يفعله جيش الاحتلال الإسرائيلي مع أهل غزة التي حولها إلى “غوانتانامو” آخر. إسرائيل لا تسعى فقط للقضاء على “حماس”، لكن القضاء على فكرة المقاومة عند الشعب الفلسطيني ليتقبل صاغرًا الاحتلال الإسرائيلي المفروض عليه ويستسلم للأمر الواقع، لكن الدرس الإسرائيلي الدامي لن يغير الواقع، الفلسطيني وإن أرهقته الحروب واستنزفته البلايا، فهو كطائر العنقاء الأسطوري يبعث من قلب الرماد قويًا شجاعًا رافضًا لاحتلال بلاده مهما طال الزمن.

 

المصدر : الجزيرة مباشر