لو أن فلسطين انسحبت من جامعة الدول العربية!!

جامعة الدول العربية

قال لي صديقي الدبلوماسي الفلسطيني: السؤال الذي يطرح نفسه على المنتديات الفلسطينية في هذه المرحلة هو: ما هي أوجه استفادة الدولة الفلسطينية المحتلة من كونها عضوًا بجامعة الدول العربية، أو بمنظمة التعاون الإسلامي، أو أي تنظيمات وتجمعات عربية وإسلامية، ما الذي عاد على القضية الفلسطينية وعلى الشعب الفلسطيني -عربيًّا بشكل خاص- منذ الاحتلال البريطاني عام 1917، ثم بعد تقنين الاحتلال تحت مسمى الانتداب عام 1920، وذلك تمهيدًا للاحتلال الإسرائيلي عام 1948، ما الذي جنته القضية الفلسطينية من العرب على مدى سنوات الاحتلال الإسرائيلي الـ76، وما الذي يمكن أن تجنيه إذا ما استمرت ضمن تلك التحالفات العربية والإسلامية.

على الجانب الآخر، من بوليفيا وكولومبيا والإكوادور حتى البرازيل وفنزويلا وتشيلي، لم تبخل أي من هذه الدول الفاعلة داخل كتلة اتحاد دول أمريكا الجنوبية بموقف قوي لصالح القضية الفلسطينية بشكل عام، ولصالح أبناء قطاع غزة بشكل خاص، الذين يتعرضون لإبادة جماعية على أيدي كيان الاحتلال، وهي المواقف التي افتقدتها الساحة العربية، خلال العقود الأخيرة، على كل المستويات الرسمية والشعبية، على الرغم من أننا أمام قضية إسلامية عربية إقليمية، كان من المفترض أن يكون أبناء الإقليم والدين والعروبة هم الأولى بها، والأكثر حرصًا عليها.

إذن يطرح السؤال المنطقي نفسه، ماذا لو سحبت فلسطين عضويتها من التجمعات العربية، خصوصًا ما تعرف بجامعة الدول العربية، وذهبت إلى تجمعات أخرى أكثر إحساسًا بالمسؤولية، وأكثر إيمانًا بقضايا التحرر الوطني، على غرار اتحاد دول أمريكا الجنوبية، ولو بصفة مراقب، استثناء من عامل الجغرافيا، ذلك أن الرئيس البرازيلي سحب سفير بلاده من دولة الكيان وطرد سفيرها، وهو ما لم تفعله أي من دول التطبيع العربية، كما وصف الرئيس الكولومبي ما يجري في غزة بأنه هولوكوست، وهو الوصف الذي لم يرد على لسان أي قائد عربي، في الوقت الذي ذهبت فيه تشيلي بالقضية إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو ما لم تفعله جامعة الدول العربية نفسها، وكانت بوليفيا وفنزويلا والإكوادور منذ اللحظة الأولى أكثر حماسًا وتعاطفًا مع الشعب الفلسطيني عن دول الإقليم العربي.

ما حدث أمر جلل

يجب أن نضع في الاعتبار أيضا أن دولة مثل المكسيك، في أمريكا الشمالية، شاركت مع تشيلي في اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية، بشأن جرائم الإبادة الإسرائيلية، كما أن نيكاراغوا من دول أمريكا الوسطى، تقدمت بدعوى قضائية ضد ألمانيا بتهمة المشاركة في الإبادة، بسبب المساعدات العسكرية والمالية التي تقدمها لإسرائيل، وأيضا بسبب وقف الدعم الألماني لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، وهذا الإجراء من نيكاراغوا، على سبيل المثال، لم تلوح به -على أقل تقدير- أي من العواصم في المنطقة، ولو من خلال جامعة الدول العربية.

كل الشواهد والمعطيات تؤكد أن المنطقة العربية فيما بعد طوفان الأقصى لن تكون أبدًا كما كانت قبلها، ذلك أن ما حدث أمر جلل لا يمكن القفز عليه، أو عدم البناء عليه، المتغيرات سوف تكون كثيرة وكبيرة إلى الحد الذي يمكن أن يتغير معه وجه المنطقة تمامًا، أول هذه المتغيرات هو أن الشعب الفلسطيني أدرك بما لا يدع مجالًا للشك أنه وحده صاحب القضية، وأنها قضية فلسطينية أولًا وأخيرًا، ولم تعد قضية العرب إطلاقًا، ومن ثم يجب أن يبحث عن تحالفات جديدة، قد تكون أفريقية، من خلال جنوب إفريقيا، التي تصدرت المشهد في محكمة العدل الدولية، وقد تكون أمريكية جنوبية، من خلال البرازيل بالدرجة الأولى.

هذه هي الحقيقة التي بدت واضحة حتى في ممارسات الشعب الفلسطيني، سواءً في الضفة الغربية أو قطاع غزة، أو حتى في الداخل الإسرائيلي، لم نعد نسمع من أي منهم عبارة “وين العرب، أو وين القادة العرب” التي كانت شائعةً في الماضي، كما لم نعد نسمع من أي مسؤول عربي عبارة “الصراع العربي الإسرائيلي”، بما يشير إلى أن الجميع استوعب الحقيقة المؤلمة، حتى وإن جاءت متأخرة، وذلك في الوقت الذي بدأت فيه حركات المقاومة، من خلال بعض عناصرها، انتقاد الموقف العربي بشدة، من خلال تسجيلات صوتية، وهو ما لم يكن مألوفًا في السابق أيضا، حرصًا على ما بقي من شعرة معاوية، في العلاقات مع بعض العواصم.

وإذا كان البعض في عالمنا العربي يرى أن مجرد إرسال شاحنات محملة بالمواد الغذائية، يمثل دعمًا للقضية الفلسطينية، فإن أبلغ رد على ذلك هو أن الولايات المتحدة الأمريكية ترسل قوافل مساعدة بالطائرات والشاحنات، في الوقت الذي لم يتوقف دعمها بأقذر أنواع السلاح لكيان الاحتلال، ورغم ذلك فلا يمكن اعتبار أن الولايات المتحدة تدعم القضية الفلسطينية، وعلى هذا يمكن القياس مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وربما كل العالم الغربي، باستثناء مواقف ضئيلة على استحياء من خلال التصريحات، وهو الأمر الذي يضع العواصم العربية في قفص الاتهام تاريخيًّا، أمام الأجيال المقبلة.

رمز للتندر والسخرية

ما أود التأكيد عليه، هو أنه لا ينبغي الاستهانة أو الاستخفاف أبدًا بموقف فلسطيني مرتقب من هذا القبيل أو ذاك، فسوف تتبعه مواقف مشابهة من أطراف عربية عدة، لم تجن من عروبتها سوى العار والشنار، فضلًا عن الدمار الذي لحق بها، بأموال عربية خالصة، ومؤامرات معلنة، لم تنطبق عليها قوانين سرية المعلومات المتعلقة بعدم النشر إلا بعد مرور سنوات محددة، وهو الأمر الذي يمكن أن تتحول معه المنطقة إلى جزر وأشلاء كانت في غنى عنها لو تمت حماية الثوابت العربية من العبث، على أيدي مرتزقة من هنا أو عملاء من هناك.

على أية حال، أعتقد أنه أصبح من البديهي إعادة النظر في وجود الكثير من الكيانات المشار إليها، على غرار جامعة الدول العربية تحديدًا، التي أصبحت تمثل رمزًا للتندر والسخرية، حتى في أحلك اللحظات التي كان يجب أن يكون وجودها فيها طاغيًا، ولو من خلال أمينها العام، الذي لا يأتي ذكره حاليًا إلا إذا كان مقترنًا براتبه وبدلات أسفاره، في الوقت الذي يختفي فيه عن الساحة السياسية والإعلامية، ما دامت العواصم ذات المساهمات المالية الكبرى تريد ذلك، على خلاف أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، الذي مثّل صداعًا لكيان الاحتلال منذ بدء العدوان على القطاع.

وإذا وضعنا في الاعتبار أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يمكن أن تمثل ملاذًا في هذه المرحلة، لهذا البلد العربي أو ذاك، من الدول التي ضاقت ذرعًا بالعرب والعروبة، لإنشاء تكتلات من أي نوع، فإن طريقة تفكير وتعامل العواصم العربية الكبرى، أو الفاعلة، مع الأوضاع الراهنة سوف تتغير بالتأكيد، إلا أن ذلك سوف يكون بعد فوات الأوان.

المصدر : الجزيرة مباشر