رد بارد من أسعار النفط على تطورات عالمية مشتعلة

لبنان منصة للتنقيب عن النفط
منصة للتنقيب عن النفط في لبنان (رويترز)

يبدو أننا نشاهد اليوم طرح معادلات جديدة لتفاعل أسعار النفط العالمية مع معطيات السوق بشكل جذري، ففي الوقت الذي توافر فيه عدد من العوامل المحفزة التي من شأنها دفع أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة خلال الأشهر القليلة الماضية، شهدت الأسواق ثباتا في الأسعار حتى في أصعب ظروف السوق، كالحروب ونقص المعروض.

ومنذ مطلع العام الجاري، دعمت مخاوف من نقص الإمدادات مع استمرار المنتجين الرئيسيين في تخفيضات الإنتاج، استقرار أسعار النفط، عند مستوى لم يتعد حاجز 90 دولارا للبرميل، بعد أن أوصى اجتماع “أوبك +” الأخير بعدم تغيير سياسة الإنتاج، إلى جانب مؤشرات على نمو اقتصادي أقوى في الولايات المتحدة التي هي أكبر مستهلك للنفط في العالم.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

وبنظرة سريعة على أوضاع أسواق النفط العالمية، نجد أسعار النفط قد بلغت في الأسبوع الأول من إبريل أعلى مستوياتها منذ أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2023 مع قلق المستثمرين من عرقلة الإمدادات بسبب توتر المشهد الجيوسياسي، والمخاوف من احتمال تقلص إمدادات النفط بسبب هجمات أوكرانيا على مصافي التكرير الروسية واحتمال اتساع نطاق الصراع في الشرق الأوسط.

وعلى الرغم من خفض إنتاج تحالف “أوبك +” لم تتفاعل أسعار النفط كما يأمل التحالف، ويعود ذلك إلى اجتماع عوامل محفزة للأسعار وأخرى مثبطة في الوقت نفسه. ففي الوقت الحالي يبلغ متوسط الطلب العالمي على النفط الخام 103 ملايين برميل يوميا، مقارنة بـ102 مليون برميل يوميا في 2023، وسط توقعات ببلوغ الطلب مستوى 104 ملايين برميل يوميا في 2024.

على استحياء

ومع كل هذه الجهود لرفع الأسعار من قبل الدول المنتجة، وأيضا في ظل الأجواء المحفزة لارتفاع الأسعار، خاصة الاضطرابات والحروب، فإن الأسعار لم ترق إلى المستوى المنشود. فما السبب؟

من خلال المشهد العام لأحوال أسواق النفط العالمية، يمكن استنباط أبرز العوامل التي يفترض أن تحفز أسعار النفط، وأيضا عوامل أخرى تضغط على الأسعار باتجاه الهبوط.

العامل المحفز الرئيسي في الأسواق منذ فبراير/شباط 2022، هو الحرب الروسية في أوكرانيا، وما نتج بعد ذلك من عقوبات غربية على النفط الروسي، فبدءًا من الربع الثالث 2023 نفذت غالبية دول الاتحاد الأوروبي، ودول غربية أخرى، عقوبات على روسيا قضت بالتوقف عن استيراد النفط ومشتقاته منها بسبب الحرب على أوكرانيا. وحتى عشية الحرب الروسية الأوكرانية، بلغ متوسط الطلب العالمي على النفط الخام الروسي 5 ملايين برميل يوميا، وقرابة 4 ملايين برميل من المشتقات.

عامل آخر متمثل في خفض إنتاج النفط، ففي محاولة لتحفيز أسعار النفط، أعلن تحالف “أوبك +” خفضا بمقدار 3.6 ملايين برميل يوميا من إنتاج أعضائه، بدأ مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2022 وسيستمر حتى ديسمبر/كانون الأول 2024. ويعني القرار أن المعروض النفطي العالمي سيتراجع بمقدار كمية خفض الإنتاج المقرة، إلا أن الأسعار لم تبد الرد الذي طمح إليها التحالف.

وبدءًا من نوفمبر 2023، تعرضت سلاسل إمدادات السلع العابرة للبحر الأحمر لضربة حادة بإعلان جماعة الحوثي استهداف السفن المرتبطة بإسرائيل دعمًا للفلسطينيين، لكن أزمة البحر الأحمر لم تدفع نحو زيادة الأسعار إلا ببضعة سنتات، بحسب البيانات المعلنة من جهة القائمين على أسواق النفط.

ومن هنا يتضح أن كافة العوامل المحفزة للسوق لم تتمكن من رفع الأسعار على النحو المنشود، بل كانت هناك ارتفاعات متقطعة على استحياء.

أما العوامل التي تضغط على الأسواق، فيأتي في مقدمتها تجاوز روسيا للعقوبات الغربية، فقد أكدت موسكو في أكثر من مناسبة أن العقوبات الغربية بوقف استيراد نفطها، لم تؤثر في كميات الإنتاج أو الصادرات، وذلك لتوقيعها اتفاقيات توريد مع الصين والهند، المصنفتين ثاني وثالث أكبر مستورد للنفط عالميا.

وكذلك أدى ارتفاع إنتاج النفط في الولايات المتحدة خلال العام الماضي إلى مستوى تاريخي جديد، إلى زيادة الضغوط الهبوطية على أسعار الخام. ففي فبراير الماضي، قالت إدارة معلومات الطاقة في الولايات المتحدة، إن إنتاج النفط الخام الأمريكي سجل مستوى قياسيا جديدا عند 13.3 مليون برميل يوميًّا في ديسمبر الماضي.

استقرار الأسعار

من العرض السابق، نستنتج أن السوق لم يعد يستجيب للعديد من العوامل المحفزة أو الضاغطة. فقط تتحكم في السوق فعليا حاجة الدول من النفط وتكديس المخزونات، تحت سيطرة معادلة العرض والطلب، وهو ما لم يتوفر حتى الآن. ففي أحلك الظروف -كما في روسيا وفلسطين- ما زالت الأسعار عند نفس مستوياتها تقريبا، رغم أن هذه الظروف كان من شأنها أن تدفع سعر البرميل إلى ما فوق مستوى 100 دولار.

وبالنسبة لعام 2024، فمن المتوقع على نطاق واسع أن تظل أسعار النفط مستقرة نسبيًّا، إلا أن التحولات الجيوسياسية الجارية التي لا يمكن التنبؤ بها قد تؤدي إلى الإخلال بالتوازن الدقيق.

أضف إلى ذلك أن تصاعد التوتر الناتج عن الحرب الروسية في أوكرانيا، والمخاوف من أن يمتد الصراع ليشمل دولا أخرى مجاورة لأوكرانيا، قد يساعد أيضا على ارتفاع الأسعار مع تعثر تصدير الخام الروسي إلى الخارج.

كما سيبقى الأمل معلقا اتجاه تحديد الأسعار المتوقعة، بقدرة الدول على كبح جماح التضخم، ومع ظهور مؤشرات قوية على أن هناك بارقة أمل بأن تتراجع معدلات التضخم في النصف الثاني من العام الجاري، فإن محاولات “أوبك +” لخفض الإنتاج بهدف رفع الأسعار لن تفلح، وستتجه إلى مزيد من الانخفاض، مهما ضغطت المنظمة وحلفاؤها للعودة بالأسعار إلى مستوياتها الحالية.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان