عام من الحرب في السودان.. والحاجة إلى استراتيجية لمواجهة “الجنرالين”

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو أيام الود (غيتي)

“يجادل هذا المقال أنه بدون استراتيجية جديدة تتبناها القوى الحية لوقف الحرب والكفاح من أجل تسليم السلطة للمدنيين، بعيدا عن القوى العسكرية المتحاربة وامتداداتها الإقليمية والدولية، فإن السودان سيدخل في دوامة من الحروب والانقسامات القبلية، وأنه حتى في حال نجاح المفاوضات، التي تجرى برعاية خليجية وأمريكية لوقف إطلاق النار، فمن المرجح أن تخضع البلاد لقيادة مدنية تعمل كواجهة للحكم العسكري، وتدور في فلك القوى الاستعمارية وحليفتها إسرائيل”.

صراع الفيلة الدموي

يدخل “صراع الفيلة” هذه الأيام عامه الثاني، وما زال رفيقا السلاح الجنرالان عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني، ونائبه السابق وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو يتصارعان على السلطة، ويدمران في صراعهما السودان وأهله ومستقبله.

عام كامل من الحرب أدى إلى 14 ألف قتيل، وما لا يقل عن 6.6 ملايين نازح داخليا (1.3 مليون أسرة)، وهروب أكثر من مليونين آخرين عبر الحدود إلى دول الجوار. يضاف هؤلاء إلى نحو 10 ملايين شخص كانوا أساسا في عداد النازحين قبل اندلاع النزاع الحالي في إبريل/نيسان 2023.

وبات نحو 25 مليون شخص، أي أكثر من نصف سكان السودان، يحتاجون إلى المساعدة، وفق أرقام الأمم المتحدة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل استُخدمت أحط الوسائل وعلى رأسها اغتصاب النساء كأحد طرق الانتقام، وخصوصا من قبل قوات الدعم السريع في دارفور، كما كشف تحقيق أعدته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.

واستغل الجنرالان الحرب كذلك، لمصادرة العمل السياسي والثوري وإعلاء صوت السلاح، مع الاستهداف الممنهج للقوى الثورية، وذلك بعد أن فشلت كل محاولات العنف في المواكب، وفض الاعتصامات ومجزرة الاغتيالات السياسية والإخفاء القسري في إخماد جذوة الحراك الثوري.

الجيش والمدنيون وشبح الحرب الأهلية

الطريف أن البرهان أعلن، عندما قام بانقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021 بدعم من دقلو “أطحنا بحكومة حمدوك المدنية، حتى لا تسير البلاد نحو الحرب الاهلية، ونحن لسنا طالبي سلطة”!!

ولكن من يريد تفادي الحرب الأهلية، هو ذاته من رفض التوقيع على الاتفاق السياسي، مع قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية والحزب الاتحادي الديمقراطي والمؤتمر الشعبي، قبل أيام من اندلاع الصراع العسكري، في خطوة كان من المفترض أن تؤدي إلى تأسيس سلطة مدنية انتقالية تعمل على إنهاء أزمة البلاد.

وقبل أسبوع، استدعت النيابة 17 من قيادات تنسيقية القوى المدنية “تقدم” الداعية إلى وقف الحرب للتحقيق معهم، على خلفية اتهامات تتعلق بـ”التحريض ضد الدولة وتقويض النظام الدستوري”.

وبالمناسبة، فإن تنسيقية “تقدم” تضم القوى التي رفضت استكمال الثورة ودخلت “بسذاجة” في مفاوضات مع البرهان بعد الإطاحة بالرئيس السابق عمر البشير عام 2019، وتخيلت أن الجيش الذي يسيطر على نحو 80% من موازنة الدولة، سينفذ تعهداته بتسليم السلطة.

كانت هذه الأحزاب مجردة تماما من أي سلطة في الشراكة المفترضة بين المدنيين والعسكريين في المجلس الانتقالي، وارتضت بدورها واجهة للحكم العسكري، وأطلقت نداءاتها إلى الجماهير للتوقف عن المظاهرات والإضرابات، لكي تواصل تفاوضها مع العسكر دون إزعاج الضغوط من أسفل. كان دورها عمليا هو احتواء الثورة، والنتيجة: لا ديمقراطية ولا مطالب وطنية باستقلال السودان عن هيمنة رؤوس الأموال الأجنبية، بل إفساح المجال للجيش والدعم السريع لقمع الثورة، ثم الانقلاب ضد بعضهما في صراع دموي على السلطة.

غير أن هذه القوى التي لُدغت من البرهان مرتين، غيرت بوصلتها بعد اندلاع الصراع الدامي بين الجنرالين، لتتحالف هذه المرة مع نائب البرهان السابق دقلو، قائد قوات الدعم السريع.

بينما الإخوان المسلمون، شركاء البشير في الحكم، اللذان انتفض الشعب السوداني ضدهما عام 2019، وجدوا في التحالف مع البرهان والقتال الى جانبه فرصة للعودة إلى المشهد السياسي من جديد!

تدويل الصراع وسيناريوهات المستقبل

والأكثر وجعا أن القوى الإقليمية والدولية التي تصطف وراء هذا الطرف أو ذاك، هي بذاتها التي تقود المفاوضات بين الأطراف المتحاربة، وتتأهب بعد أيام لعقد جولة جديدة في جدة للبحث في سبل إنهاء الحرب، كما تعلن عن انعقاد مؤتمر إنساني في 15 إبريل الجاري بباريس “للمساعدة في حل الأزمة الإنسانية المأساوية، حتى لا تصبح أزمة منسية”.

وتكشف الحرب الدائرة عن احتدام الصراع على المستويين الإقليمي والدولي للسيطرة على الموارد في السودان، إذ يرتبط الدعم السريع بالمصالح الإماراتية والسعودية ومطامعهما بالسيطرة على منطقة القرن الإفريقي، واستنزاف الفوائض الاقتصادية لهذه المنطقة، عبر السيطرة على ثلاثة قطاعات مهمة هي: مناجم الذهب، والتجارة والموانئ، والأراضي الخصبة.

كما ترتبط الإمارات والسعودية بالتحالف الاستعماري العالمي بقيادة واشنطن، بل وعملت الإمارات على توفير الدعم العسكري المباشر لمليشيا “الدعم السريع”، كما أشار تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية.

وفي الجانب الآخر، يوجد التحالف التركي القطري الذي يعمل على التنسيق مع روسيا في صراع المصالح في القرن الإفريقي. أيضا تُعَد الصين وإيران من الدول التي لها وجود مهم في إفريقيا، وتنسقان معا ضد المصالح الأمريكية والخليجية على الترتيب، إضافة إلى ذلك، فإن مصر لها أيضا ارتباطات مؤثرة بالجيش السوداني.

ومؤخرا أفادت صحيفة “وول ستريت جورنال” بأن القوات الخاصة الأوكرانية تشارك في العمليات القتالية إلى جانب الجيش السوداني، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقويض العمليات العسكرية والاقتصادية الروسية في الخارج.

وحاليا، يعكف المجتمع الدولي، عبر الواجهات الإمبريالية والأمنية، على وضع التكتيكات المناسبة وتحديد السياسات لمرحلة ما بعد الحرب.

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، عُقد اجتماع سري بين مركز “تشاتام هاوس” البريطاني وممثلين من تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية “تقدم” في نيروبي لمناقشة ترتيبات ما بعد الحرب، وتكفل المركز بصياغة الأوراق ومقترحات خارطة الطريق، التي سوف تتبناها “تقدم” لقيادة مرحلة وقف الحرب وتأسيس مرحلة ما بعد الحرب، حسب وسائل إعلام سودانية.

وتضمنت رؤية “تشاتام هاوس” ضرورة استمرار السياسات الاقتصادية التي طبقتها الحكومة الانتقالية بنسختيها المدنية والعسكرية أو قبل وبعد انقلاب أكتوبر 2021، وتنفيذ “روشتة” صندوق النقد الدولي من تعويم سعر الصرف، ورفع الدعم إلى غير ذلك من السياسات النيوليبرالية.

وعبر النفوذ الإماراتي على مجلس منظمة “إيغاد” والاتحاد الإفريقي ودول الجوار، تعمل مراكز بحثية عدة على هندسة مرحلة ما بعد الحرب عبر التفاوض، للوصول إلى صيغة شراكة جديدة، تشرعن النفوذ السياسي للتحالف السياسي للمليشيا “الحرية والتغيير/تقدم”، وسيطرته على السلطة الانتقالية بشكل مباشر أو عبر تكتيك التكنوقراط المعاد.

وتدافع الصيغة الجديدة عن المصالح الإماراتية والخليجية في البلاد والمنطقة بأسرها عبر شرعنة الوجود المستقل للمليشيا كإمبراطورية عسكرية تحرس المصالح الاستخراجية للإمارات العربية في المنطقة بأسرها.

فشل النخبة السياسية.. والبديل الثالث

على مدار تاريخ الأحزاب السودانية، اقتصر مشروعها السياسي في المراحل الثورية على التوصل إلى أكبر قدر من الاستقرار في أسرع وقت، حتى وإن كان بصورة ملفقة لا تضمن أي درجة من الديمقراطية، وقد تشارك معهم الجيش والدعم السريع في الهدف نفسه قبل أن ينقلبا ضد بعضهما.

ويرى الباحث المتخصص في الشأن السوداني أشرف عمر، في دراسة غير منشورة له بعنوان “السودان: مسار بديل للخروج من مستنقع الحرب”، أن رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك كان آخر تجسيد لهذا المشروع في التاريخ السياسي للبرجوازية السودانية.

ويوضح “أخذ الخبير الاقتصادي البارز يمجد في الثورة فقط بالقدر الذي أتاحته لإطاحة البشير، لكن استمرارها أبعد من ذلك كان يعني تهديد قاعدة الاستقرار التي قام عليها مشروعه بأكمله. لذا، حين أطاحه العسكر في انقلاب 25 أكتوبر 2021، لم ينطق ببنت شفة لتحفيز الجماهير لمحاصرة سلطة الانقلاب، بل حتى دعا إلى التهدئة. وحين عاد إلى منصبه بفضل الضغط الهائل لهذه الجماهير على البرهان/دقلو، وجد نفسه في مأزق لا يُحسَد عليه، فالسبيل الوحيد لمواجهة العسكر آنذاك كان تصعيد الحركة من أسفل، لكن هذا بالذات ما يقوض مشروعه السياسي. وبعد “الرقص على السلم” بين العسكر في الأعلى والجماهير في الأسفل، استقال حمدوك في عجز ومهانة متخليا عن المعركة في أوجها”.

وبات ينطبق عليه القول الساخر “الليبرالي حين يُشتَم، يهتف حمدا لله أنهم لم يضربونني. وحين يُضرَب يشكر العناية الإلهية لأنه لم يُقتَل. وحين يُقتَل يشكر السماء لأنها حررت روحه من جسد زائل”.

ولكن المشهد السياسي شهد أيضا بزوغ قوى جديدة، فظهر “تجمع المهنيين” الذي لعب دورا رئيسيا في إسقاط البشير، ثم تسلمت منه “لجان المقاومة” راية المعارضة الجذرية منذ عام 2019، وقدّمت نموذجا باهرا في الصمود حتى في أثناء الصراع الهمجي بين شقي الثورة المضادة العسكرية، ذلك الصراع الذي أغرق الثورة في الدماء.

ونجحت اللجان في الانتشار على نطاق واسع، ونشأت حتى في مواقع لا تخطر على بال، في مشروعات نهر القاش الزراعية نواحي كسلا، وفي الزريبة في شمال كردفان، وفي نيرتتي في جبل مرة، حيث نظمت مناضلات اللجنة اعتصاما دام أسابيع في يوليو/تموز 2020 للمطالبة بحماية المزارع والماشية من عصابات النهب المسلحة.

ووفقا لمسح أجراه مركز كارتر الأمريكي، فبحلول مارس/آذار 2021، كان هناك 5289 لجنة مقاومة عبر أرجاء السودان، منها 814 في الخرطوم، و1173 في وسط السودان.

وأفرزت “لجان طوارئ” التي أظهرت قدرة تنظيمية خلاقة لتلبية الاحتياجات المُلحة للناس خلال الأوضاع الحرجة الحالية. وتصف حركة “قدام” التقدمية في ورقة أعدتها في مايو/أيار 2023 بمشاركة مجلة “الدرب”، عمل لجان الطوارئ هذه كالتالي:

“إن نمط لجان الطوارئ القائم على التعاون والتشارك في كل شيء، هو الطريقة الوحيدة للحفاظ على المجتمع حيا وحمايته. بالتعاون يتوفر الأمن للجميع، الطبيب يقدم خدماته مجانا، وفني الكهرباء يقدم خدماته مجانا، وفني خدمات المياه يقدم خدماته مجانا، ومن يملك سيارة يضعها في خدمة الناس مجانا، ومن يستطيع المشاركة في ورديات حراسة الأحياء يشارك مجانا. كل من يستطيع تقديم مساهمة يقدمها مجانا، ويحصل مقابل ذلك على مساهمات الآخرين عند احتياجه إليها”.

ولكن هذا العمل وسط الجماهير يعرّض ناشطي اللجان لملاحقات أمنية. وفي هذا السياق، أعلن مرصد “شرق النيل” لحقوق الإنسان بالخرطوم، في الثامن من إبريل الجاري، تنفيذ قوات الدعم السريع حملة اعتقالات واسعة، طالت منسقي المطابخ المركزية بمحلية شرق النيل.

وأوضح البيان أن إجمالي المستفيدين من خدمات المطابخ المركزية بلغ 150 ألف مواطن، محذرا من “شبح المجاعة الذي بات وشيكا ويلوح في الأفق في ظل الظروف الأمنية”.

وهكذا من رحم الحرب، بدأ يتبلور مسار جديد بعيدا عن مشروعي الثورة المضادة المرتبطين بالأجنحة العسكرية، بديل يتبنى مقاربة جديدة تقوم على الضغط على الفرقاء العسكريين، وفي الوقت نفسه على الأحزاب السياسية ولجان المقاومة وزعماء القبائل، لكي يتراجعوا عن الانحياز إلى أي طرف عسكري، لعزل المتحاربين، ووقف الحرب.

المصدر : الجزيرة مباشر