العدوان على غزة وحرب المفاهيم الكبرى (2)

آلاف النازحين في رفح غادروها مع بداية الهجوم الإسرائيلي
آلاف النازحين في رفح غادروها مع بداية الهجوم الإسرائيلي (رويترز)

استكمالًا للجزء الأول من حرب المفاهيم الكبرى التي برزت في إطار العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة، نستكمل في الجزء الثاني عددًا من المفاهيم التي شهدت خلطًا وصل إلى درجة التضليل والتزييف الحقيقي التي مارستها آلات إعلامية غربية موالية للكيان الصهيوني، لتكون سندًا في معارك قضائية وقانونية مستقبلية.

أولًا: العدوان على غزة “حرب” أم “إبادة جماعية”؟

جاء في القاموس العملي للقانون الإنساني أن الحرب هي ظاهرة العنف الجماعي المنظم التي تؤثر إما في العلاقات بين مجتمعين أو أكثر أو تؤثر في علاقات القوة داخل المجتمع. وتخضع الحرب لقواعد “القانون الدولي الإنساني”، التي تهدف إلى الحفاظ على انضباط ونظام وفاعلية القوات المسلحة وكذلك الحدّ من آثار العنف والدمار على سلامة المقاتلين البدنية والعقلية لإعادة دمجهم في المجتمع بعد انتهاء النزاعات.

ولم تعد كلمة الحرب تستخدم في القانون الدولي على نطاق واسع، وأصبح مصطلح “نزاع دولي مسلح” يستخدم للإشارة إلى حرب بين دولتين أو أكثر، ومصطلح “نزاع مسلح غير دولي” عند الإشارة إلى الحرب الأهلية. ويجب الوصول إلى مستوى معين من العنف قبل أن يوصف الوضع بأنه نزاع مسلح. وتحت ذلك المستوى، تصنف أوضاع العنف على أنها “اضطرابات داخلية” أو “توترات”.

وينظر القانون الدولي الإنساني إلى الحرب على أنها مرحلة انتقالية، وبالتالي يجب إدارتها بطريقة تجعل العودة إلى السلام غير مستحيلة، بالنسبة لكلّ من المدنيين والجنود الذين يجب أن يتمكنوا من التكيف مرة أخرى مع الحياة المدنية، ويهدف إلى تفادي المعاناة والدمار غير الضروريين، وحظر الأعمال التي لا تتناسب مع المزايا العسكرية المحدّدة، ويؤكد أهمية التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية.

ويتمثل المبدأ الرئيس في أن العملية العسكرية لا تكون مشروعة إلا إذا كانت وسيلة لتحقيق هدف عسكري محدّد. ويجب أن تكون الأسلحة المستخدمة متناسبة مع الهدف وأن تتفادى التدمير والمعاناة غير الضروريين. كذلك فإن طريقة القتال يجب أن تُمكن المقاتلين من التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية. وينبغي للأساليب المستخدمة أن تتيح المجال لتقديم المساعدة للضحايا المدنيين خلال القتال، وتُعدّ اتفاقيات جنيف الأربع الصادرة عام 1949 وبروتوكولاتها الإضافية الصادرة عام 1977 الركائز الأساسية للشرعية الدولية فيما يتعلق بالحروب، وانتهاكها يعني انتهاك هذه الشرعية.

وإذا كان هذا عن الحرب، فإن الإبادة هي القتل المتعمد الجماعي لمجموعة كاملة من الأشخاص، وهي من ضمن الجرائم المصنَّفة على أنها ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية هي الانتهاكات التي ترتكب أثناء العدوان، على أساس عرقي أو ديني. ويعتبر قرار الأمم المتحدة الصادر بتاريخ 11 ديسمبر/كانون الأول 1946 أن الإبادة الجماعية هي “ارتكاب أي عمل من الأعمال بقصد الإبادة الكلية أو الجزئية، لجماعة ما على أساس القومية أو العرق أو الجنس أو الدين”، مثل: قتل أعضاء الجماعة، إلحاق الأذى الجسدي أو النفسي الخطير بأعضاء الجماعة، إلحاق الأضرار بالأوضاع المعيشية للجماعة بشكل متعمد بهدف التدمير الفعلي للجماعة كليا أو جزئيا، فرض إجراءات تهدف إلى منع المواليد داخل الجماعة، نقل الأطفال بالإكراه من جماعة إلى أخرى.

ونصت المادة الثانية من “اتفاقيّة الإبادة الجماعية” 1948، على أن الإبادة الجماعية هي أي من الأفعال التالية، المرتكبة بقصد التدمير الكلّي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه: قتل أعضاء من الجماعة، إلحاق أذى بدني أو معنوي جسيم بأعضاء من الجماعة، إخضاع الجماعة عمدًا لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًّا أو جزئيًا، فرض تدابير تهدف إلى الحيلولة دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة، نقل أطفال من الجماعة عنوةً إلى جماعة أخرى.

وتنص المادة الثالثة من الاتفاقية أيضًا على المعاقبة على الأفعال التالية: التآمر على ارتكاب الإبادة الجماعية، التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية، محاولة ارتكاب الإبادة الجماعية، والاشتراك في الإبادة الجماعية.

وقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاتفاقيّة في 9 ديسمبر/كانون الأول 1948 (قرار الجمعية العامة 260 – ألف “د-3”)، ودخلت حيّز النفاذ سنة 1951. وحتى شهر يونيو/حزيران 2015، صدقت 146 دولة على الاتّفاقيّة. وفضلًا عن ذلك، تسري أحكام الاتّفاقيّة على الدول التي لم تصدق عليها، وذلك بموجب الفتوى القانونية التي أصدرتها محكمة العدل الدولية في 28 مايو/أيار 1951، التي اعتبرت أن اتفاقيّة منع جريمة الإبادة دُوّنت قانونًا دوليًّا عرفيًّا ملزمًا لجميع الدول.

وقد أعاد مجلس الأمن تأكيد ذلك في قراره رقم 827 (5 مايو/أيار 1993، كما ورد تعريف للإبادة الجماعية بذات العبارات في المادة 6 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي اعتمد في روما في يوليو/تموز 1998.

ثانيًا: خلط الأوراق بين مفهوم “الهدنة” ومفهوم “وقف إطلاق النار”

وقف إطلاق النار اتفاق ينظِّم وقف جميع النشاطات العسكرية مدة معيَّنة في منطقة معيَّنة. ويجوز الإعلان عنه من جانب واحد وربّما يتمّ التفاوض عليه بين أطراف النزاع، أما “الهدنة” فهي اتفاقيّة عسكرية، الغرض منها تعليق الأعمال العدائية في جميع مسرح الحرب، وتكون مدتها الزمنية عادة غير محدّدة.

وبالتالي فإن وقف إطلاق النار والهدنة لا يعنيان نهاية الأعمال العدائية بل مهادنة فقط (وقف مؤقت للأعمال العدائية)، وهما لا يمثلان نهاية قانونية لحالة الحرب، ويجب عدم الخلط بينهما وبين “اتفاقات السلام” التي تمثل نهاية للنزاع.

وقد نصت اتفاقية جنيف الأولى في مادتها الـ15 على أنه “كلما سمحت الظروف، يتفق على تدبير عقد هدنة أو وقف إطلاق النيران أو ترتيبات محلية لإمكان جمع وتبادل ونقل الجرحى والمرضى المتروكين في ميدان القتال”. والهدف الرئيس لوقف إطلاق النار لا يكمن في إتاحة المجال للقيام بالأعمال الإنسانية، بل هو قرار عسكري يستجيب للأهداف الاستراتيجية، مثل تجميع القوات، تقييم قدرات الخصم وسلسلة القيادة أو إجراء مفاوضات.

وتكون عمليات الإغاثة التي يتم التفاوض عليها في إطار وقف إطلاق النار ورقة مساومة بين أطراف النزاع، للحصول على تسويات سياسية أو عسكرية، أو لاختبار حسن نية الخصم أو قدرته على السيطرة على قواته أو على منطقة معينة.

ثالثًا: مفهوم الأسرى ومفهوم الرهائن.. جدل سياسي لأهداف خفية

تحدث عملية احتجاز الرهائن لأسباب مختلفة، مثل الضغط على السلطات السياسية في بلد ما، لإجبارها على الاعتراف بمجموعة معارضة مسلحة، أو لإطلاق سراح أعضاء محتجزين من المجموعة، وقد تحدث عملية احتجاز الرهائن لأسباب اقتصادية، وفي هذه الحالة يكون الهدف الوحيد هو الحصول على فدية، أو تمويل أنشطة محتجزي الرهائن، وقد يحدث احتجاز الرهائن في أوقات النزاع المسلح أو في أوقات السلم أو الاضطرابات والتوترات الداخلية.

وتحظر اتفاقيات جنيف الأولى والرابعة، المادة الثالثة المشتركة؛ واتفاقيّة جنيف الرابعة، المادتان 34 و147؛ والبروتوكول 1، المادة 75؛ احتجاز الرهائن وإعدامهم. وتعتبر مثل هذه الأعمال جرائم حرب، ويمكن محاكمة مرتكبيها أمام أية محكمة وطنية، بموجب مبدأ الاختصاص العالمي، وهذا أمر ممكن ما دامت الدولة المعنية قد أدخلت في قوانينها المحلية هذا الالتزام المستمد من اتفاقيات جنيف.

وقد أكدت لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، في يونيو 1950، أن مثل هذه الأفعال هي جرائم حرب، وينطبق الشيء نفسه على أحكامها، ويُعرف النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي اعتمد في 17 يوليو 1998 وضع الرهائن في نزاع دولي أو داخلي بأنه جريمة حرب تقع تحت طائلة القضاء، ويمكن للمحكمة الجنائية الدولية معاقبة محتجزي الرهائن.

كما تمّ اعتماد الاتّفاقيّة الدولية لمناهضة أخذ الرهائن في 17 ديسمبر 1979 من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة ودخلت المعاهدة حيّز التنفيذ عام 1983 وقد بلغ عدد الدول الموقعة عليها حتى يونيو 2015، 174 دولة، وتنص المادة الـ12 من المعاهدة صراحة على أن بنودها لا تنطبق في أوقات النزاع المسلح، حيث يكون القانون الإنساني هو المعمول به.

وتعرّف الاتّفاقيّة محتجز الرهينة بأنه “أي شخص يلقي القبض أو يحتجز أو يهدّد بقتل أو إيقاع الأذى أو مواصلة احتجاز شخص آخر (رهينة) من أجل إجبار طرف ثالث، أي دولة، أو منظمة دولية أو حكومية دولية، أو شخص طبيعي أو اعتباري، بصفته القانونية، أو مجموعة أشخاص، على القيام بعمل ما أو الامتناع عن القيام به كشرط صريح أو ضمني لإطلاق سراح الرهينة، فإنه بذلك يرتكب جريمة احتجاز الرهائن”.

وتنصّ المعاهدة على أنه ليس أولئك الذين يرتكبون مثل هذا الفعل فحسب هم الذين تجب محاسبتهم ومعاقبتهم، بل أيضًا كل من يحاول أن يرتكب الفعل أو يشارك فيه بصفته مشاركًا في مثل هذه الجرائم، التي تُرتكب داخل أراضيه أو على ظهر سفينة أو طائرة مسجلة في تلك الدولة؛ من قبل أي من مواطنيها، أو حسبما تراه الدولة مناسبًا، من قبل الأشخاص الذين لا ينتمون إلى دولة ما والذين يقيمون في أراضيها؛ بهدف إجبار تلك الدولة على القيام بفعل ما أو الامتناع عنه؛ ضدّ رهينة هو مواطن من مواطني تلك الدولة، إذا ما رأت الدولة ذلك مناسبًا.

ونصت المادة الثامنة من الاتفاقية على أنه “في حالة الادعاء بوجود مرتكب الجرم على أراضي دولة موقعة على المعاهدة ولا تقوم الدولة بتسليمه، تلزم تلك الدولة، ودون أي استثناء مهما كانت طبيعته، وسواء كانت الجريمة ارتكبت على أراضيها أم لا، بأن تقاضي ذلك الشخص”.

وفي مقابل هذه النصوص القانونية عن مفهوم “الرهائن”، فإن مفهوم “الأسرى” يشير إلى المقاتلين الذين يقعون في يد طرف خصم في نزاع مسلح دولي، ويكفل القانون الإنساني الحماية لجميع الأشخاص الذين يقعون في يد العدو أثناء النزاع المسلح، سواء كانوا مقاتلين فيعدون أسرى حرب أو مدنيين فتؤمن لهم الحماية على هذا الأساس.

وتنظم اتفاقيّة جنيف الثالثة لعام 1949 معاملة أسرى الحرب، حيث إن تعريفها يُستمدّ من تعريف المقاتلين، والمدنيون الذين يشاركون في الأعمال العدائية يستفيدون أيضًا من ضمانات المعاملة في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية، وفي النزاعات المسلحة غير الدولية، لا يُعترَف رسميًّا بوضع المقاتل لأعضاء الجماعات المسلحة من غير الدول.

وتُعرِّف اتفاقيّة جنيف الثالثة “أسرى الحرب” بأنهم الأشخاص الذين ينتمون إلى إحدى الفئات التالية، ويقعون في قبضة العدو: أفراد القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع، والمليشيات أو الوحدات المتطوعة التي تشكل جزءًا من هذه القوات المسلحة، أفراد المليشيات الأخرى والوحدات المتطوعة الأخرى، بمن فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة، الذين ينتمون إلى أحد أطراف النزاع ويعملون داخل أو خارج إقليمهم، حتى لو كان هذا الإقليم محتلًّا.

على أن تتوافر الشروط التالية في هذه المليشيات أو الوحدات المتطوعة، بما فيها حركات المقاومة المنظمة المذكورة: أن يقودها شخص مسؤول عن مرؤوسيه، وأن تكون لها شارة مميزة محدّدة يمكن تمييزها عن بعد، وأن تحمل الأسلحة جهرًا، وأن تلتزم في عملياتها بقوانين الحرب وعاداتها.

كما يشمل مفهم الأسرى كذلك: أفراد القوات المسلحة النظامية الذين يعلنون ولاءهم لحكومة أو سلطة لا تعترف بها الدولة الحاجزة، والأشخاص الذين يرافقون القوات المسلحة دون أن يكونوا في الواقع جزءًا منها، كالأشخاص المدنيين الموجودين ضمن أطقم الطائرات الحربية، والمراسلين الحربيين، ومتعهدي التموين، وأفراد وحدات العمال أو الخدمات المختصة بالترفيه عن العسكريين، شريطة أن يكون لديهم تصريح من القوات المسلحة التي يرافقونها، وأن تزوّدهم ببطاقة هوية لذلك الغرض.

وكذلك أفراد الأطقم الملاحية، بمن فيهم القادة والملاحون ومساعدوهم في السفن التجارية وأطقم الطائرات المدنية التابعة لأطراف النزاع، الذين لا ينتفعون بمعاملة أفضل بمقتضى أي أحكام أخرى من القانون الدولي، وسكان الأراضي غير المحتلة الذين يحملون السلاح من تلقاء أنفسهم عند اقتراب العدو لمقاومة القوات الغازية من دون أن يتوافر لهم الوقت لتشكيل وحدات مسلحة نظامية، شريطة أن يحملوا السلاح جهرًا وأن يراعوا قوانين الحرب وعاداتها.

وفي 1977، تمّ توسيع تعريف أسير الحرب ليأخذ بعين الاعتبار مفهوم “المقاتل” الآخذ في التطور، والمرتبط بالأساليب العسكرية الجديدة، وبموجب التعريف الجديد، لم يعد وضع أسير الحرب يقتصر على المقاتلين الذين هم أفراد في القوات المسلحة، إذ قد يمنح للمدنيين المشاركين في الأعمال العدائية والأفراد في حركات المقاومة والمشاركين في الانتفاضات الشعبية. ونص البروتوكول الثاني، المادة 5، على أنه حتى في حال ارتكاب مقاتل ما انتهاكات صارخة للقانون الإنساني، فلا يجوز أن يحرم من وضع أسير الحرب والحماية الممنوحة بموجب هذا الوضع.

وفي إطار هذه النصوص القانونية الدولية، يمكن القول إن ما قامت به إسرائيل في الأراضي الفلسطينية هو عملية إبادة جماعية مكتملة الأركان، وأن من قامت بأسرهم حركات المقاومة الفلسطينية، ومن قامت حكومة الكيان باعتقالهم هم “أسرى حرب” تسري عليهم كل حقوق الأسرى التي نصت عليها اتفاقيات جنيف وبروتكولاتها، ومن غير الدقيق إطلاق مفاهيم من قبيل “الرهائن” أو “المعتقلين” عليهم، حتى لا تفقد القضية جانبًا من أبعادها الأساسية، في توصيف الأطراف وتحديد المواقف.

يتبع الجزء الثالث.

المصدر : الجزيرة مباشر