«محسنة توفيق».. حذرت من الاحتلال وعاشت في المخيمات الفلسطينية

محسنة توفيق (منصات التواصل الاجتماعي)

لم تكن تتجاوز السابعة عشر من عمرها حينما وقع العدوان الثلاثي على مصر 1956 حينما كانت تدق أبواب المنازل في الشوراع محذرة الناس من الخروج من منازلهم وتصيح في الجميع “نحن مهددون من عدو اغتصب فلسطين وأقام عليها دولة تسمى إسرائيل”. تلك الفتاة التي خرجت بعد سنوات أخرى على شاشة السنيما وهي تصرخ ” لأ لأ .. هنحارب هنحارب”.

في مشهد النهاية في فيلم العصفور إخراج يوسف شاهين عن قصة لطفي الخولي التي كانت تحكي الأشهر التي سبقت هزيمة يونيو/حزيران 1967 وقدمت فيه محسنة توفيق دور بهية بنت البلد التي تعمل خياطة لتربي أبنتها وتمتلك شقة صغيرة كانت تجمعا لكل عشاق بهية (مصر) الأم الحنون بنت البلد التي تمارس السياسة بفطرتها.

فلسطين والسياسة والاعتقال

كانت صرخة محسنة عشية الهزيمة رفضا لتنحي جمال عبد الناصر. لم تنفصل حياة محسنة توفيق عن أدوارها على الشاشة سينما كانت أو تليفزيون، وقدمت للسينما 13 فيلما لا تستطيع أن تختار من بينها الأفضل تمثيلا ولكن يمكننا أن نشير إلى ثلاثيتها مع يوسف شاهين: العصفور، إسكندرية ليه، ووداعا بونابرت، وقد قال عنها شاهين إنها من مجاذيب السينما، واعتقد أن شاهين من عشقه لأداء محسنة توفيق كان يبحث في أي سيناريو أولا عما يناسب محسنة توفيق.

قدمت للسنيما مع عاطف الطيب فيلمه المتميز عن قصة نجيب محفوظ قلب الليل مع نور الشريف، ومع عاطف سالم واحدا من أهم أفلامه وهو فيلم البوساء، بإشارات سريعة لتلك الأفلام نجد أن محسنة توفيق كانت نموذجا للفنانة الملتزمة بقضايا وطنها.

دفعت محسنة من مشوارها الفني الكثير لمواقفها السياسية، حتى إن بعض المسؤولين كانوا يستبعدونها من الأعمال لنشاطها السياسي. كان حضور محسنة على الشاشة هو حضور الأم الحنون التي تشع أمانا وطمأنينة وهذا أيضا جزء من شخصيتها الحقيقية.

لا أنسى أول مقابلة أثناء تصوير مسلسل ليالي الحلمية، وكنت قد طلبت موعدا لتسجيل حوار تلفزيوني، وطلبت التحضير معها فذهبت لمنزلها، وما إن دخلت حتى استقبلتني بابتسامة كبيرة وحكت لي عن معارف بيننا عائليا، ثم أصبحت لاتناديني كما التقينا إلا بـ”تعالى يا واد يا على” وكانت ترفض أن اناديها إلا بـ”يا أمي” تلك كانت محسنة.

كانت القضية الفلسطينية محور حياة محسنة توفيق وكانت دائمة الحضور للفعاليات التي كانت تدعم المقاومة الفلسطينية سواء في الأحزاب السياسية أو نقابة الصحفيين المصرية، واختارت أن تمضي أسابيع في المخيمات الفلسطينية، وكانت الكوفية الفلسطينية معها دائما، وصاحبت الكثير من سيدات اتحاد النساء الفلسطيني.

تعرضت محسنة توفيق للسجن والاعتقال عدة مرات، وكانت أخر مرة في العام 1982، وتصادف أنها كانت في الزنزانة نفسها التي سبق أن اعتقلت فيها، وقد كانت صوتا للسجينات أثناء فترات اعتقالها، وخلال فترة اعتقالها كانت تقدم بعضا من عروضها المسرحية التي سبق أن قدمتها.

بلغ عدد المسرحيات التي قدمتها محسنة توفيق لمسرح الدولة 7 مسرحيات من أبرزها: منين أجيب ناس لنجيب سرور والبطولة مع على الحجار وهي من المسرحيات السياسية المتفردة في تاريخ المسرح، قدمت أيضا توفيق مسرحية عفاريت مصر الجديدة لعلي سالم وجلال الشرقاوي عن الاختفاء القسري.

أعمال تلفزيونية متميزة

قدمت محسنة توفيق ما يقارب 30 عملا تليفزيونيا و14 عملا إذاعيا، ومعظم هذه الأعمال لم تنفصل أبدا عن ثقافة محسنة توفيق ولا اختياراتها الفكرية، فبقدر ما ارتبطت باليسار المصري وحزب التجمع (سابقا) بقدر ما ظهر في أعمالها، ومنها (على باب زويلة) 1976 وقدمت فيه شخصية أم طومان باي، ورغم أنني كنت في العاشرة، فإنني لا أنسي مشاهد محسنة توفيق في هذا العمل وهي تبحث عن ابنها الذي اختطف منها صغيرا.

الكتابة على لحم يحترق لمحفوظ عبد الرحمن واحد من أبرز الأعمال التي قدمت في تاريخ الدراما العربية نصا وإخراجا، وهو عمل تاريخي عن الحملات الصليبية والمغولية على العالم الإسلامي، وشاركت فيه محسنة مع عدد كبير من نجوم الدراما التليفزيونية، ومن إخراج المخرج السوري عباس أرناؤوط.

قدمت محسنة مسلسل الوسية عن السيرة الذاتية للدكتور خليل حسن خليل إخراج إسماعيل عبدالحافظ والسيناريو والحوار ليسر السيوي، وقدمت دور الأم لخليل حسن خليل، نموذجا للأم التي تقف خلف ابنها في مشوار حياته شديد الصعوبة من أجل النجاح، وهو نموذج للآلاف من الأمهات المصريات والعربيات.

لم تقدم محسنة توفيق عملا في تاريخها الممتد فنيا أكثر من خمسين عاما عملا ليس فيها ما يمكن أن تخجل منه، استطاعت فيها أن تحافظ دائما على التوافق بين الفكر والثقافة التي تحملها وما تقدمه على الشاشات.

لا تنسى الذاكرة التلفزيونية لها دورها في مسلسل ليالي الحلمية (أنيسة) هذا الدور الذي صار أيقونة لدور الأم التي تحيط بالجميع بالحنان والحب، رغم أنها عاشت فترة طويلة من حياتها بدون إنجاب، لكن أنيسة التي قامت بتربية علي البدري وزهرة سليمان أبطال الحلمية كانت حاضرة في حضور محسنة توفيق.

شاركت محسنة توفيق في ثورة يناير 2011، وكان عمرها قد تخطى السبعين. ظهرت في ميدان التحرير بالكوفية الفلسطينية تعبيرا عن انحيازها وثوار يناير للقضية الفلسطينية، ولم تمنع الحالة الصحية محسنة من النزول للميدان بمصاحبة فنان كبير مثل جميل راتب.

عاشت محسنة أكثر من ستين عاما مرتبطة بقضايا أمتها العربية، وقدمت فنا راقيا يعبر عن هذا الارتباط، ورحلت في 6 من مايو/ أيار 2019 بعد رحلة في الفن والسياسة، وتركت أثرا في كل من تعامل معها إنسانيا وفنيا، وسياسيا ظلت روح محسنة توفيق معلقة بفلسطين والمقاومة الفلسطينية.

المصدر : الجزيرة مباشر