لا لإغلاق مركز “تكوين”.. اتركوهم يحترقوا

المجموعة المؤسسة لحركة تكوين (منصات التواصل الاجتماعي)

يعود الفضل إلى عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين في نحت مصطلحي الفرنَّسة والأمرَّكة، وكان يستخدمهما للتحقير ممن اقتفوا مظاهر الحياة الغربية، فاستنوا بسننها وأخذوا بقشورها الخارجية، معتبرين أنهم سيبلغون قمة الرُّقي، متى رطنوا مثلًا بمفردة أعجمية من هنا، ومصطلح من هناك.

كان ظهور حملة رايات الأمركة والفرنسة في مصر ثم الشام، قد طرأ عرضًا جانبيًّا لحركة ابتعاث الطلاب إلى أوروبا، وقد بلغ الاستلاب الثقافي ذروته، نهايات القرن التاسع عشر، إذ أصيب الكثيرون إثر احتكاكهم بالمجتمعات الأوروبية، بمتلازمة تماهي الضعيف بذات القوي، ومن ثم محاولته أن يحاكيه.

في ذاك الوقت أخذ نفرٌ من العائدين من أوروبا، يختلقون معارك تافهة، منها “معركة العمامة والطربوش والبُرنيطة”، إذ نادوا بعدم اعتمار العمامة أو الطربوش العثماني “المتخلف” والاستعاضة عنهما بالقبعَّات الأوروبية “المتقدمة”، ذلك من دون خوض موضوعي في الأسباب التي أسفرت عن تخلف أمةٍ، كانت “خير أمة أخرجت للناس”.

على أن تلك الموجة أو الظاهرة في ميلادها المبكر كانت رغم انحرافات شيعتها، تنبع على الأرجح من رغبتهم المخلصة في النهوض بالشرق، للحاق بركب التقدم، بل إن عديدًا من المتفرنسين والمتأمركين، قد تراجعوا عن أفكارهم، وامتلكوا لاحقًا شجاعة الاعتذار عنها، إذ قرروا أن الشرق شرق والغرب غرب، وأي تأثر يجب أن يكون تفاعلًا، لا يمسخ الخصوصية الثقافية، وفي القلب منها العقيدة الدينية، باعتبارها أهم مقوِّم حضاري وثقافي شرقي.

هذا المعنى المتوازن بلا انسحاق منبطح ولا تحجِّر متجمِّد، جسَّده يحيى حقي في روايته الشهيرة “قنديل أم هاشم”، التي تدور حول طبيب عيون رجع من ألمانيا، بعد تخرجه في الجامعة، فإذا به يرصد زيادة أعداد المرضى، فيستقصي الأمر ليقف على أن سكان حي “السيدة زينب” يُقطِّرون زيتًا من قنديلٍ بالمسجد، فينتفض غضبًا فيحطِّم القنديل فينفض عنه العوام لأنه يطعن في معتقداتهم، ولكنه لا يبالي إذ مضى يلعن الجهل الذي يعشش في العقول، حتى شرع غاضبًا يفكر في حزم حقائبه للعودة إلى ألمانيا.

وتبلغ العقدة الدرامية ذروتها باكتشافه أن خطيبته المصابة بالرمد، تتلقى العلاج ذاته، فينهاها عنه ويُخضعها لبروتوكول علاجي طبي، لا يجنح إلى الروحانيات أو يسقط بين براثن الخزعبلات، لكن الداء يزداد تفاقمًا، حتى يقرر في لحظة يأس فارقة، أن يأتي بقنديل فيُودِع العلاج فيه، فيُقطِّره في عينيها المعتلتين، فإذا بغطاء بصرها ينكشف “وهو اليوم حديد”.

الرمز الأدبي كان واضحًا وعميقًا، وهو أن الشعوب الشرقية لا تنفصم عن الجانب الروحاني، ولا تستسيغ العلم ماديًّا فحسب، ولا تقبل به مجردًا عن معانيه أو قل “معنوياته” الميتافيزيقية، وأي محاولة لخلق خلاف بين المادي والروحاني، يستحيل أن تحصد مثقال ذرة من اهتمام الناس.

إشارات توراتية وخطاب صهيوني

تلك هي الحقيقة بغض النظر عن قبولها أو رفضها.. والغريب أنها لم تسترعِ انتباهًا أو تُجوهلت عن عمد من قبل الرهط الذين ادعوا أنهم تنويريون، فأسسوا مركز “تكوين” بكل ما يثيره المسمى من لغط، وما يحمله من إشارات توراتية، وما تثيره تصريحات أعضاء مجلس الأمناء من عواصف الارتياب، ومنهم يوسف زيدان الذي كتب على منصة إكس مؤخرًا: “إن المبادرة انطلقت برعاية الدولة المصرية، لإطفاء حرائق الكراهية”.

وغني عن البيان أن عبارة “إطفاء حرائق الكراهية” تستدعي فورًا أدبيات جماعة كوبنهاغن، وتحديدًا علي سالم، إذ كان يروّج لارتكابه خيانة التطبيع مع العدو الصهيوني، وهو الأمر الذي ينجلي أكثر إذا نظرنا مقولة زيدان أيضًا: “إن المبادرة لا تنوي الدخول في مهاترات المجادلة، مع الذين يتكسبون بالعقائد الخرافية، ويخدعون بخبث أولئك البسطاء من الناس”.

مَنْ هم أولئك المتكسبون بـ”العقائد الخرافية؟ وما هي تلك العقائد؟

الأغلب أن زيدان لن يجيب أو بالأحرى لن يجرؤ على الإجابة، وسواءً فعل أو لم يفعل، فاللبيب بالإشارة يفهم؛ إنه يعني الإسلام وعلماءه، الذين سيتركز الهجوم عليه وعليهم، وهذا لا يحتاج نباهة استثنائية بالنظر إلى الشائع من أفكار أعضاء مجلس أمناء “تكوين”.

بكلمتين “على بلاطة”، إن الهدف الواضح للمركز يتمثل في الهجوم على أصول الإسلام، والمقزز أن أعضاءه “التنويريين” ينحطون إلى حضيض البذاءة، حين يجابههم غيور على الدين بحقيقة ظلاميتهم.

ومن نافلة القول، أن الخطاب الديني لا يزال مسجونًا في غبار القرون، ومن الحتمي حقًا أن تبدأ حركة حداثية لنقده، لكن من ذا الذي ينبغي أو بالأحرى يستطيع النهوض بذلك؟

شواهد التاريخ تؤكد أن أي حركة تجديد ديني، من خارج منظومة الدين ذاتها، لم تؤتِ ثمارها، ففي المسيحية لم تحز البروتستانتية ما حازته في القارة العجوز، إلا لأن مارتن لوثر كان راهبًا، وفي الإسلام كان الإمام محمد عبده أزهريًّا.

أسئلة لن يجيب عنها “التنويريون”

وهكذا يعنُّ السؤال: ما المؤهلات التي يمتلكها يوسف زيدان للاضطلاع بمهمة التجديد؟

إنه يصف الناصر صلاح الدين بأنه أحقر شخصيات التاريخ، رغم أن أفعل التفضيل لا محل لها من تقييم الشخصيات التاريخية، ويرى نفسه في مفارقة مضحكة، أهم من طه حسين؛ مما يرجح أنه مشغول بما لا يليق بباحث.

ثم ماذا لدى إبراهيم عيسى وفاطمة ناعوت إلا إطلاق التصريحات الفارغة والكلام الأجوف على نحو أن الصيام أمر سيادي والأضاحي وحشية ضد الخراف؟

أين المركز من قضايا الديمقراطية في الإسلام؟ وأين أعضاؤه من مسألة الحكم الرشيد؟ هل يدلون بدلوهم في إشكالية واجبات الحاكم الشرعية؟

وهل سيبادر مجلس الأمناء إلى تأثيم التطرف الصهيوني المتسربل بخرافات تلمودية أم سيكتفون بتأثيم حركة المقاومة (حماس) لمجرد كونها إسلامية؟

الإجابة عن الأسئلة السابقة معروفة، فالمعركة ليست ضد التطرف وليست للتجديد، بل إنها ضد الإسلام، باعتباره آخر ما تبقى للأمة من هويتها الثقافية، لكنها معركة خاسرة بغير شك، فالإسلام يزداد قوة كلما ازداد أعداؤه ضراوة، وأما الزبد فيذهب جفاء.

من هنا فإن الأصوات التي تصرخ بإغلاق “تكوين” لا تبدو عقلانية، فالأحرى ترك هؤلاء الرهط يكشفون عن تهافتهم أمام الناس، حتى يحترقوا بنيران “الأمركة والفرنسة” ومن قبلهما “الصهينة”.

المصدر : الجزيرة مباشر