زيارة لطرابلس لبنان عاصمة الثقافة العربية 2024

مسجد طينال بمدينة طرابلس / لبنان (منصات التواصل)

مع اقتراب إطلاق فعاليات مدينة طرابلس اللبنانية عاصمة الثقافة العربية لعام 2024 بحلول 25 من مايو/أيار الجاري، يستعيد المرء جناية مركزية تمنح العواصم العربية -حيث السلطة والحكم والإعلام والنجومية- اهتماما يحجب عن غيرها من المدن والحواضر في بلداننا حقها في أن نعرف عنها ونقدّر إسهامها في ثقافتنا، وأن يتاح لأهلها ما لسكان هذه العواصم من بنية ثقافة أساسية وبرامج لتعميمها.

فكرة العواصم الثقافية أظن أننا نقلناها عن الاتحاد الأوروبي، وكانت محطتها الأولى هناك من أثينا عام 1985، وحتى العام الحالي كان نصيب العواصم السيادية 15 فقط من إجمالي 69 مدينة أوروبية. أما عواصمنا العربية فاستحوذت إلى الآن على 16 من إجمالي 24 فقط لهذه المناسبة السنوية الثقافية، انطلاقا من القاهرة عام 1996. وهذا بينما توسّع الأوروبيون في اعتماد أكثر من عاصمة ثقافية للعام ذاته. كما جرَّ هذا النشاط العارم، إلى مدن صغيرة لا شهرة لها على خريطة السياسة الدولية، نقاشات واجتهادات علمية حول مصطلحات مثل “التجديد الحضري أو المديني” (Urban Regeneration).

ضحية إجحاف وتنكُّر

ومدينة طرابلس أكثر شهرة من مدن ثقافية أوروبية عديدة، لكن للأسف تظل بدورها ضحية إجحاف وتنكُّر حتى بين أهلها الأقربين. ويكفي الإشارة، وهي المعروفة لبنانيا بـ”أم الفقير” والأقل حظا في التنمية والتحديث، إلى ما استمعت من شكوى أهلها خلال زيارة لخمسة أيام مطلع مارس/آذار الماضي 2024، من تراجع إسهام عائلاتها الثرية، تتقدمها “ميقاتي” و”كرامي” و”الصفدي”، في الإنفاق على المشروعات العامة والخيرية. وهذا مع مفارقة أن ابن المدينة “نجيب ميقاتي” رئيس حكومة تصريف الأعمال الحالية صنفته مجلة “فوربس” في إبريل/نيسان الماضي سابع أغنى أثرياء العرب.

وليست آخر المفارقات أن “معرض طرابلس أو رشيد كرامي الدولي”، حيث ستجري احتفالية إطلاق فعاليات عاصمة للثقافة العربية، أعلنت “اليونسكو” أنه مُعرَّض للخطر، حين أدرجته على قائمة التراث العالمي مطلع 2023، لاتساعه وتصميمه المبتكر الذي ابتدعه المعماري البرازيلي “أوسكار نيماير”.

وعندما اصطحبني إليه الدكتور المهندس “باسم بخاش” مسؤول اللجنة الثقافية بمجلس بلدية المدينة المنتخب، تيقنت من جناية الإهمال على صرح بهذه القيمة، جرى استكمال منشآته في منتصف الستينيات، ولم يشهد استضافة معرض واحد أو نشاط أقيم لأجله.

وزاد من سوء طالع أو بالأحرى ظلم “طرابلس الشمال” و”الفيحاء” أن تأتي هذه المناسبة في ظل الانشغال بحدث كبير، الحرب على غزة، وما جرّته من قتال متواصل بجنوبي لبنان، ومع تداعيات الأزمة الاقتصادية المعيشية التي تطحن معظم اللبنانيين منذ عام 2019. ولو أنصف المنظمون لاختاروا مزيدا من التأجيل حتى تزول الأسباب والسياقات المعاكسة، أو تخف حدتها.

ولا أعلم إلى اليوم، هل أخذ المخططون للحدث الطرابلسي -المقرر استمراره نحو ستة أشهر- غزة في الحسبان؟ ولو بأفكار تربط بينها وبين تاريخ نضالات المدينة وأبطالها من أجل الاستقلال الوطني وقضايا العرب وفلسطين، ولو تحت عنوان “من طرابلس الفيحاء هنا غزة”.

تستقبلك بالنهي عن سب لفظ الجلالة

قبل زيارة طرابلس، أقمت في بيروت نحو 90 يوما، فلم أصادف في فضاءاتها العامة ما يشير إلى المناسبة، ولا عند أولويات إعلامها. واستغربت هذا الغياب في المدينة ذاتها، ولم أستمع من عامة الطرابلسيين ترقبا للحدث!

وبدلا من هذا، صدمني استقبال المدينة زائريها بعبارات تنهى عن “سب الله تعالى”، وكأن طرابلس تطرح على القادمين إيمان أهلها وأخلاقهم للتساؤل والشك، مع أنه لم تبلغ سمعي حتى غادرت كلمة سب واحدة لأيّ كان، كما تأكد عندي ما قيل في بيروت بأن الناس بطرابلس أقل توترا وأكثر سماحة وأريحية.

استعدادات بلا قوة دفع أو أموال

أتيح لي في أكثر من موقع ثقافي وأثري بالمدينة أن أجد استعدادات تُجرى، ولكن بلا قوة دفع أو أموال وإمكانات كافية. وهكذا بدا الحال، إلى جانب بؤس وخواء “المعرض”، في “قصر نوفل” ومبنى مجلس البلدية ومكتبتيهما، وكانتا مغلقتين لأعمال التصنيف، وحيث علمت بأن مجلدات الصحف الصادرة في المدينة يتفرق دمها على أماكن أخرى عديدة خارجهما، ولفتني ضعف أو غياب التقنيات الإلكترونية العصرية.

كما لم يصل الترميم وإعادة التشغيل إلا إلى حمامين فقط بين سبعة من العصر المملوكي نادرة الوجود لبنانيا وعربيا. ولكن بدت “قلعة طرابلس” في حالة لا بأس بها نسبيا، بعظمها واتساعها وارتفاعها وصيانتها وبساتينها، وعلى نحو يفوق “قايبتاي” الإسكندرية، وغيرها من قلاع في مدن عربية أخرى زرتها.

والمدينة كنز غير معروف لنا أو لمعظمنا من التراث المادي، بأسواقها الكبيرة العتيقة وبيوتها ومقاهيها، وكنائسها للمارون والأرثوذكس والكاثوليك، وجوامعها وبخاصة “جامع طانيال” و”الجامع المنصوري الكبير”. هذا إلى جانب المعلم المعماري الأشهر بها “برج ساعة التل” الذي أقامه العثمانيون مطلع القرن العشرين تكريما للسلطان عبد الحميد، وساحته الرحبة. أما عن التراث غير المادي فحدّث ولا حرج عن التميز بأنواع الحلوى الشرقية وفرق الموسيقى وعزف العود والحكائين، وحتى طرق عمل القهوة وتقديمها على أرصفة الشوارع.

ولطرابلس تاريخ يحفر عمقا لنحو ثلاثة آلاف سنة، حيث تعاقبت عليها تسعة عصور وحضارات منذ الفينيقية، وإن كان للحقبتين المملوكية والعثمانية الحضور الأبرز. وجغرافيا تتميز بروابطها بالشام، وبخطوط مواصلات حية إلى اليوم مع “حمص”. وتكسر المعرفة عن قرب وعلى الأرض الانطباع من بعيد عن طابعها “السنّي” الخالص. ولأنها مدينة على البحر المتوسط لا تخلو من تنوع “كوزموبوليتاني”.

تساؤلات من خبرة “صفاقس”

في عام 2016، أتيح لي بصفتي مراسلا صحفيا مقيما في تونس حضور احتفالات “صفاقس” عاصمة للثقافة العربية. وهو ما يطرح عندي إزاء طرابلس هذه المرة تساؤلات لا أعرف إن كانت محل عناية أو ستلقى إجابة، وتتقدمها: ما علاقة هذه المناسبات والاحتفالات بناس هذه المدن؟ هل يكترثون بها، وتحقق لهم ما ينعكس على حياتهم؟ وهل يصحبها إنفاق على مشروعات وبرامج ومؤسسات ذات ديمومة، وبالمجمل بنية ثقافية، تعود عليهم بالنفع، مع مراعاة معايير عدالة توزيع ثمار التنمية الثقافية؟

وهل هناك تفكير وخطط لتنمية وعي سكانها بتاريخها وبتراثها المادي وغير المادي، ولتوسعة مشاركتهم في تطويره، وكذلك من أجل إشعاع ناجح وبلغات حية للتعريف بطرابلس ثقافيا في أنحاء العالم، مما يفتح الباب لتنشيط السياحية إليها؟ أم يذهب معظم المال إلى حفلَي الافتتاح والختام وضيافة ما إن تنتهي حتى تنطفئ الأنوار وتختفي الزينات وتصمت أصداء غناء النجوم خلف حواجز كانت تفصل الناس عنها عند اللحظة الاحتفالية؟

طرابلس ونقطة الالتقاء

في عقد التسعينيات، برزت عندنا نقطة التقاء بين ما هو رسمي وغير رسمي بشأن أهمية التنمية الثقافية لمحاربة الإرهاب والتطرف ولتحصين الشباب منهما، وبخاصة في المناطق المهمشة. ولأجل هذا، تحتاج طرابلس ألا يبخل عليها أهلها ولبنان ومن استطاع من الأشقاء العرب، ولما مرت به قبل عقود وما زالت آثاره باقية، حتى على تسميات ساحات ومعالم بها.

ولا أريد أن أكون متشائما أو داعيا إلى إحباط، خصوصا بعدما لاحظت من انقسام بين مثقفي المدينة بشأن الاهتمام بالحدث وجدواه في ظل السياقات المعاكسة وحال الإدارة والبيروقراطية في لبنان، لكنني سأظل قلقا وبالأساس من ملاءمة الوقت والظروف والإمكانات لبنانيا وإقليميا لهذه المناسبة.

المصدر : الجزيرة مباشر