طلاب الجامعات الأمريكية يهزمون اللوبي الإسرائيلي

المظاهرات الداعمة لغزة تنتشر بين الجامعات الأمريكية
المظاهرات الداعمة لغزة تنتشر في الجامعات الأمريكية (رويترز)

نجح طلاب الجامعات الأمريكية في تحقيق انتصار كبير على اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة، واستطاعت اعتصامات التضامن مع غزة نقل الاحتجاجات ضد الحرب إلى قلب الحياة اليومية للأمريكيين، ولفتت الانتباه إلى فساد الطبقة السياسية التي يصنعها اللوبي في الكونغرس، وانحيازها المطلق للاحتلال الذي يرتكب جريمة إبادة ضد الشعب الفلسطيني بالأسلحة الأمريكية.

يشعر اللوبي الصهيوني في أمريكا بالخوف من اتساع دائرة الاحتجاجات ضد العدوان الإسرائيلي، لما يترتب على ذلك من إعادة تقديم للقضية الفلسطينية بشكل منصف، وهزيمة الرواية الكاذبة التي يروجها أنصار إسرائيل الأمريكيون منذ تأسيس الكيان في 1948؛ لذا حاولت شبكات اللوبي تشويه التحركات الاحتجاجية في الميادين والشوارع واتهام الرافضين للحرب بتأييد حماس التي يتهمونها بالإرهاب!

عندما انتقلت الاحتجاجات إلى الجامعات شعر اللوبي الصهيوني بالفزع، فتم استدعاء رؤساء الجامعات والتحقيق معهم في الكونغرس لتخويفهم والضغط عليهم، وطلبوا منهم التضييق على التظاهرات والسعي لمنعها، لكن عندما بدأ الطلاب ينصبون خيام الاعتصام جنّ جنون اللوبي؛ فهذه النقلة العملية تحول حركة الاحتجاج من مؤقتة متحركة في الشارع إلى الثبات على الأرض في قلب الجامعات الكبرى، ودخول الطلاب بما يمثلونه من قوة وحماسة إلى ساحة المواجهة.

الوصفة المصرية لقمع الاعتصامات

لم تتردد النخبة السياسية التي يديرها اللوبي الإسرائيلي في الانقلاب على قيم الديمقراطية وحرية التعبير، فقررت استخدام العنف والقسوة لإخماد التحركات الطلابية، فطبقوا الوصفة المصرية لقمع الاعتصامات، واستجابت لهم نعمت شفيق رئيسة جامعة كولومبيا فكانت سببا في إشعال ثورة طلابية في كل الولايات الأمريكية، فمشاهد فضّ الاعتصام وعنف الشرطة في كولومبيا أثارت الغضب في كل الجامعات، وانتشرت الاعتصامات، وكلما فضوا اعتصاما يتم الإعلان عن اثنين بدلا منه.

أعلن الطلاب رفضهم للإبادة التي يرتكبها الاحتلال في غزة وطالبوا بوقف الحرب، وطالبوا إدارات الجامعات بسحب الاستثمارات في الشركات الإسرائيلية، ووقف التعامل مع الشركات التي تمد إسرائيل بالسلاح، وركز طلاب الجامعات والمعاهد التكنولوجية على قطع برامج التعاون مع جيش الاحتلال خاصة تلك المرتبطة بصناعة المسيّرات التي تستخدم في قتل الفلسطينيين.

هدم رواية اللوبي عن فلسطين

كان واضحا أن أنصار إسرائيل أشد عداوة للاعتصامات وما يدعو إليه الطلاب لأنها تقوض جهودهم التي بذلوها عبر عقود، فالمطالب تدين الكيان الصهيوني وتعني أن “إسرائيل مجرمة” أمام الرأي العام، وهذا يعد نصرا للفلسطينيين لا يحتمل اللوبي تبعاته، كما أن هذا ضد معتقداتهم التي ترى أن إسرائيل مقدسة، وضد معتقدات المحافظين الذين يظنون أن تجميع اليهود في إسرائيل وإشعال الحروب يسرع خطة الرب ونزول المسيح للمرة الثانية، لذا ضغطوا في اتجاه القمع والفضّ والاعتقال، لكن نتج عن هذه السياسة عكس ما كانوا يتمنون.

لم يقبل الأساتذة وأعضاء هيئة التدريس ما يجري في جامعاتهم، واعتبروا أن العدوان على الاعتصامات السلمية تهديد خطير غير مسبوق لحرية التعبير، واستفزهم بطش الشرطة بتلاميذهم فانضموا هم أيضا إلى الاعتصامات، ودافعوا عنها ووقفوا ضد الإدارات التي تسير في طريق القمع، وأيضا انضمت المجتمعات المحلية وأهالي الطلاب، والنقابات العمالية، وحتى طلاب الثانويات نظموا مسيرات التضامن من المدارس إلى الجامعات، فبدأ الكونغرس يستدعي مديري المدارس ويحقق معهم؛ مما زاد من الغضب الشعبي.

رغم اعتقال أكثر من 3 آلاف من الطلاب وأساتذة الجامعات؛ فإن غزة تحولت إلى القضية الرئيسية التي تشغل الرأي العام الأمريكي، وأصبح العلم الفلسطيني يرفرف في كل مكان، ولمزيد من التحدي يردد الطلاب الهتافات التي تغيظ اللوبي الصهيوني مثل “الانتفاضة” و”فلسطين حرة” و”لا للإبادة الجماعية” وتحولت الكوفية الفلسطينية إلى الرمز الأكثر شهرة في كل الاعتصامات والفعاليات، ويصرّ بعض الطلاب على الظهور بهيئة المتحدث باسم القسام “أبو عبيدة” دون اكتراث بهجوم السياسيين والاتهام بمعاداة السامية الذي يردده الإعلام المسيطر عليه صهيونيًّا.

لقد صمد الطلاب وأصرّوا على الاستمرار، وانتقلوا من الدفاع إلى الهجوم، فنقلوا الاعتصامات إلى بوابات السجون التي يحتجر بها المعتقلون، ونظموا التظاهرات أمام منازل رؤساء الجامعات وبعض أعضاء الكونغرس، فأجبروا ومعهم الأساتذة السلطات على تغيير الأسلوب، فتفاوضت بعض الجامعات معهم ووافقت على مطالبهم مع احترام تظاهراتهم حتى وقف الحرب.

من أهم نتائج حركة الطلاب الأمريكيين انتقال الاعتصامات إلى كندا وأوروبا وأستراليا، بذات الشكل وذات المطالب، التي تحول “إسرائيل” إلى كيان منبوذ يمثل آخر ما بقي من الحقبة الاستعمارية البغضية، وتفضح الاعتصامات الدعم الغربي لعصابة من مجرمي الحرب يستخدمون الأسلحة المتطورة الأشد فتكا ضد الأطفال والنساء والمدنيين ولا رادع لهم.

الحركة الطلابية تحاصر بايدن

الحركة الطلابية الرافضة للحرب والمطالبة بوقف العدوان تضغط على بايدن بقوة، وتضيق عليه الخناق بسبب موقفه الداعم للاحتلال، ويشعر بايدن بأن مستقبله السياسي مهدد وأن تجديد انتخابه محفوف بالخطر، ولكنه حائر بين تيارين؛ الأول هو اللوبي الإسرائيلي الذي يضغط لاستمرار الدعم المطلق للجيش الإسرائيلي حتى القضاء على حماس وتشكيل حكومة عميلة للاحتلال في غزة وهذا من المستحيلات، والثاني هو جمهور الحزب الديمقراطي من العرب والمسلمين وقطاع كبير من اليهود والسود والمهاجرين المتضامنين مع غزة ضد الإبادة.

وقد شعر بايدن بحجم التأييد المتنامي للفلسطينيين في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي بميشيغان في فبراير/شباط الماضي، حيث رفض 100 ألف عضو ديمقراطي تأييد سياسة بايدن المساندة للجرائم الإسرائيلية وطالبوه بوقف العدوان، وصوتوا بـ”غير ملتزم” وهذا يعني احتمال خسارته لهذه الولاية المتأرجحة أمام ترامب أو أي مرشح جمهوري آخر.

وفي إشارة ذات دلالة على ما هو قادم فازت المرشحة المؤيدة لفلسطين سمر لي (Summer Lee)  في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي بولاية بنسلفانيا على المرشحة المؤيدة لإسرائيل مما يؤكد اتساع حالة الرفض للاحتلال الإسرائيلي، والتجرؤ الشعبي على إزاحة السياسيين الذين يمولهم اللوبي الصهيوني.

وهذا التوجه الجديد للناخبين في الغرب شاهدناه في بريطانيا عندما فاز جورج غالوي المؤيد لغزة بمقعد في البرلمان على مرشحي حزبي المحافظين والعمال، ثم خسارة مؤيدي إسرائيل في الانتخابات البلدية وهزيمة حزب سوناك الداعم للإبادة، وما حدث في بريطانيا سيتكرر في الولايات المتحدة.

هذا الضغط الطلابي والشعبي وراء سعي بايدن لتجميل صورته أمام جمهوره، وتحسين موقفه بالحديث عن إدخال المساعدات ولكن دون التطرق لوقف إطلاق النار، ثم موقفه المعارض لاجتياح رفح ورفض قيام الجيش الإسرائيلي بعملية كبيرة، ثم تعليق شحنة القنابل الأخيرة واتهام الاحتلال باستخدام الأسلحة ضد المدنيين، ولكن اللوبي الصهيوني وخاصة الجمهوريين لم يقبلوا أي تراجع عن دعم الاحتلال، وفتحوا النار عليه، واتهموه بالتخلي عن الحليف الاستراتيجي، واتهمه مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون بخيانة أمريكا والغرب.

بايدن يدرك أن التحركات الطلابية لها ما بعدها، وأنها هي المستقبل، وأن اللوبي الإسرائيلي تلقى ضربات أفقدته الكثير، ولم يعد يملك أصوات الناخبين كما كان في السابق، ويلمس من خلال أعضاء حملته الانتخابية أن استمراره على موقفه في دعم العدوان سيكون سببا في هزيمته السياسية.

فرصة بايدن الوحيدة للفوز هي تغيير سياسته والانحياز إلى الحق والعدل، واتخاذ خطوة جريئة بوقف الحرب، وإن لم يفعل فإن الهزيمة في انتظاره، ولن ينفعه اللوبي الذي يؤيد ترمب، وسيرحل غير مأسوف عليه، تلاحقه اللعنات ويجلله عار المشاركة في الإبادة الجماعية.

المصدر : الجزيرة مباشر