صمود المقاومة.. هل يهدد الوجود الإسرائيلي؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (يسار) والقيادي في حماس يحيى السنوار
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "يسار" والقيادي في حماس يحيى السنوار (رويترز)

تأتي ذكرى النكبة وقيام دولة الكيان الصهيوني في 15 من مايو/أيار 1948 ودولة الكيان تواجه مأزقا تاريخيا لم تواجهه من قبل، فقد غيرت المقاومة بطوفان الأقصى المعايير الدولية والإقليمية حتى صارت نبوءة انهيار دولة الكيان تظهر في خيالات قادة الكيان الصهيوني وحاخامات اليهودية.

شهد الأسبوع الجاري بطولات كبيرة للمقاومة الفلسطينية في بلدة جباليا وسط غزة، وأصبحت ملحمة معسكر جباليا حدث الأيام، وكبدت كتائب المقاومة فيها الاحتلال خسائر ضخمة في الأفراد والمعدات وصلت إلى اعتراف الجيش الصهيوني بإصابة 64 عسكريا في 36 ساعة، وأعلنت المقاومة تدمير 15 دبابة وناقلة جند يوم الاثنين الماضي فقط، وشهدت رفح على الحدود الفلسطينية المصرية بطولات للمقاومين أذهلت العالم.

رغم مرور 220 يوما على بدء عدوان الجيش الصهيوني على مدينة غزة فإن المقاومة الفلسطينية لا تزال قادرة على إبهار العالم والأمة العربية والإسلامية بما تقدمه يوميا من ملامح وبطولات، وما زال صمود شعب مدينة المقاومة والصمود يبهر العالم بما يكبد جيش الكيان من خسائر فادحة.

أصبحت المقاومة وفلسطين وغزة هي الكلمات الأولى في العالم، واتسعت الجماهير المتضامنة مع تحرير فلسطين ونهاية الاحتلال، وها هي انتفاضة طلبة العالم تتسع أكثر في دول العالم الغربي من الولايات المتحدة إلى فرنسا وهولندا وبريطانيا وكندا وإسبانيا، وقد فرض الطلبة في كثير من مدن العالم علم فلسطين وأحداث غزة على الكثير من الإدارات الجامعية الرافضة لتعاطف الطلبة وثورتهم من أجل فلسطين والمدنيين في غزة.

صورة السنوار في الأمم المتحدة

اتسعت المظاهرات الشعبية في مدن عالمية عديدة شهدت مسيرات بعشرات الآلاف بل بالمئات، ورفعت أعلام فلسطين على مؤسسات رسمية في مدن كثيرة، بل إن ملك الدنمارك قابل الجماهير المطالبة بإيقاف الحرب برفع العلم الفلسطيني من شرفة قصره تضامنا مع المقاومة الفلسطينية، وفي مدينة طنجة المغربية تتواصل المظاهرات يوميا منذ أشهر تضامنا مع المقاومة الفلسطينية.

أعادت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، مرة أخرى التصويت على عضوية فلسطين الكاملة بالمنظمة الدولية، وقد صوتت 143 دولة بالموافقة على العضوية، واعترضت 9 دول وامتنعت 22 دولة عن التصويت.

أدى هذا التصويت إلى فزع مندوب الكيان في الأمم المتحدة، فقام برفع صورة القائد يحيى السنوار في جلسة الجمعية العامة قائلا “أقدّم لكم رئيس دولة فلسطين القادم”. السنوار الذي يصر نتنياهو ورفاقه من أفراد حكومة الكيان الصهيوني على عدم إيقاف الحرب إلا بغيابه عن الساحة الفلسطينية، ها هو مندوب الكيان يرفع صورته في الأمم المتحدة.

الكيان الذي فرض على العالم خرائط بدون دولة فلسطين، وأراضٍ من دول أخرى، يرفع مندوبه صورة قائد المقاومة الفلسطينية ورمز صمودها، بل جُن المندوب الصهيوني في المجلس وأخذ يمزق ميثاق الأمم المتحدة في قلب اجتماع جمعيتها العامة.

كل هذا بفعل المقاومة الفلسطينية، وصمود شعب غزة، وبطولات المقاومة في الضفة الغربية والأراضي المحتلة، ومساندة محور المقاومة الإسلامية في لبنان التي اشتعلت جبهتها خلال الأيام العشرة الماضية، وفي اليمن الذي يقدّم أبطاله ملحمة مساندة كبيرة، والعراق أيضا.

 حرب وجود الكيان

فرضت غزة والمقاومة واقعا جديدا على الكيان الصهيوني، حتى أن رئيس وزراء الكيان يقول عن حربه في غزة إنها حرب الوجود، ونزع نتنياهو كل أقنعته المدنية، وارتدى قناع الدين والحرب الدينية اليهودية، ويقول “لن نستسلم لنهاية دولة إسرائيل”، رئيس وزراء العصابة الصهيونية يقول إنه لن يستسلم، أي انتصار أعظم من هذا صنعه طوفان السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

نتنياهو الذي كان يصمم على استمرار الحرب حتى استشهاد آخر مقاوم فلسطيني، واقتلاع المقاومة من غزة والضفة، والذي قتلت عصاباته نحو 45 ألفا من الشهداء منهم 15 ألف طفل، ودمر نحو 70% من مباني غزة ومستشفياتها وجامعاتها، ها هو بعد نحو ثمانية أشهر يقول للعالم إن حربه في غزة حرب وجود للكيان الصهيوني.

أمريكا تتراجع وتهدد

الإحساس الذي يتسع داخل الكيان الصهيوني بقرب إعلان انتصار المقاومة الفلسطينية وتهديده لوجوده لم يصل فقط إلى داخل الشعور الإسرائيلي وقياداته التي تفقد أعصابها مع كل يوم لصمود المقاومة، وتمسُّك الشعب الفلسطيني بالأرض والمقاومة.

امتد الإحساس أيضا إلى الولايات المتحدة الأمريكية راعية الكيان وشريكته في عدوانه على فلسطين وغزة، فقد تراجع الرئيس الأمريكي جو بايدن عن موقفه من رفض اجتياح رفح في جنوبي قطاع غزة دون ضمانات حماية للمدنيين، وبدأ الحديث عن المسؤولية الأمريكية في حماية الكيان الصهيوني.

بايدن لا يستطيع أن يتخلى عن الدولة التي صنعتها أمريكا ودعمتها على مدار تاريخها، ولم تتوان عن تقديم الدعم بالسلاح والمعلومات والأموال والجنود طوال أشهر حرب الإبادة الجارية الآن، وقد كانت تصريحات السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام عن اقتراحه قيام الكيان الصهيوني بضرب غزة بقنبلة نووية تعبيرا عن مدى ما يشعر به الكيان وأمريكا بالهزيمة في شوارع غزة وأحيائها، ومدى ما تكبده لهم المقاومة من خسائر.

هذا التصريح أيضا يعكس ما وصلت إليه الولايات المتحدة من انحدار أخلاقي وفق بيان حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، أيضا تلك العقلية التي تحكم أمريكا عقلية الاستعمار والإبادة الإنسانية لكل ما يتعارض مع مصالحها، ومدى زيف شعاراتها الذي أصبح معظم الشعب الأمريكي وبخاصة الشباب يعرفه، ويشهد على ذلك اتساع رقعة المعارضة الشعبية للحرب الصهيونية على غزة.

انعدام الجانب الأخلاقي الذي كشفته عملية طوفان الأقصى وبطولات المقاومين وصمود أبناء غزة طوال أشهر الحرب، ظهر بوضوح في تصريحات المتحدث باسم البيت الأبيض حين أعلن مسؤولية أمريكا عن حماية الكيان الصهيوني.

أمريكا بجيشها الأول في العالم، والكيان بجيشه العالمي وبمساعدات كل دول العالم الغربي بالمعلومات والسلاح وطائرات التجسس، يشعرون بالتهديد على وجود الكيان الصهيوني بفعل البطولات الأسطورية لشعبنا في غزة وفلسطين.

ها هي المقاومة الفلسطينية وأبطال حركة حماس يعيدون درس التاريخ أن الإيمان والعقيدة هما طريق الانتصار، وأن شعار النصر أو الاستشهاد هو ما يخلق العزة والنصر للأمم، وإنه لجهاد نصر أو استشهاد.

المصدر : الجزيرة مباشر