“كامب ديفيد”.. حديث الإلغاء أم نظرية الإلهاء؟

الرئيس الأمريكي جيمي كارتر يتوسط الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغين (غيتي)

لم تتوقف مطالبة دوائر سياسية عربية بإلغاء الاتفاقية منذ توقيعها قبل ستة وأربعين عامًا في منتجع “كامب ديفيد” بولاية “ميريلاند” على بعد مئة كيلومتر شمال غرب العاصمة الأمريكية “واشنطن”.

يقع المنتجع الذي يخدم فيه مشاة البحرية الأمريكية في منطقة تلال وغابات، وقد استضاف رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية فيه عشرات من قادة وزعماء العالم عبر عقود، لكن شهرته الأكبر جاءت بعد أن استضاف اثني عشر يومًا من المفاوضات السرية الثلاثية بين مصر وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأمريكية، مما أفضى في النهاية إلى توقيع اتفاق إطار عام 1978 بين مصر التي تملك أقوى الجيوش العربية وإسرائيل التي كانت تحتل أراضي تابعة لأربع دول عربية إضافة إلى أرض فلسطين التاريخية.

وقد أدى اتفاق “كامب ديفيد” إلى توقيع معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1979.

وتسببت اتفاقية “كامب ديفيد” في قطيعة سياسية امتدت لسنوات بين القاهرة ومعظم العواصم العربية، كونها مثلت في وقتها اختراقًا غير مألوف في طبيعة العلاقات بين العالم العربي، والدولة العبرية التي نشأت سنة 1948 على أرض فلسطين التاريخية.

وقد خاضت مصر ودول عربية حروبًا عدة ضد الكيان الصهيوني، لكن بموجب الاتفاقية انتقلت مصر كبرى الدول العربية من خانة العدو اليقيني لإسرائيل إلى خانة الصديق المحتمل أو المؤقت حتى إشعار آخر.

تكملة للحرب

عندما تم توقيع اتفاق “كامب ديفيد”، كان غرض الرئيس المصري محمد أنور السادات وقتها استعادة باقي أرض سيناء التي احتلتها إسرائيل في حرب يونيو/حزيران عام 1967، إذ رأى أن الحرب التي شنتها القوات المسلحة المصرية بقيادته بعد ظهر السادس من أكتوبر/تشرين الأول سنة 1973 ليست أداة تحرير لكامل التراب المصري، وأنها نقلة ضرورية لأخذ زمام المبادأة وتحريك الوضع، وتغيير موازين القوى وبدء تفاوض من موقع قوة وليس من موقع ضعف، لكن الرؤية التي انتهجها السادات كانت ترفضها قوى سياسية لها ثقلها في الشارع المصري وقتها.

الرؤية المضادة كانت ترى أن الحرب هي الوسيلة الوحيدة لتحرير الأرض، وترفض أي مفاوضات في المطلق مع إسرائيل، وتعتمد مقولة الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر “ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة”.

لكن واقع الحال أن “حرب رمضان” لم تحرر الكثير من الأرض، وإن حررت الجيش المصري من عار الهزيمة الذي لحق به في ما عُرف بنكسة 1967، فعندما أُعلن وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل يوم 22 أكتوبر سنة 1973، كانت أبعد نقطة وصلت إليها القوات المصرية بعد عبور قناة السويس وتمركزها على الضفة الشرقية هي ستة عشر كيلومترًا في شبه جزيرة سيناء التي يمتد أقصى عرض لها إلى نحو 210 كيلومترات.

كسر الجمود

بعد سنوات خمس من جمود الموقف بين مصر وإسرائيل عقب انتهاء حرب أكتوبر سنة 1973، رأى السادات أن استعادة الأرض بأي طريقة هو الهدف، وليس الحرب بما فيها من دماء ودمار، وخسائر بشرية ومادية، وتعطيل للتنمية.

رفضت الأحزاب والقوى ذات التوجه القومي والناصري في مصر والبلاد العربية اتفاق “كامب ديفيد” وطالبت بلا كلل بإسقاطه، لكن معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل التي بُنيت على اتفاق “كامب ديفيد” صمدت وفرضت حالة من “السلام البارد” بين البلدين.

ومع كل ضربة عسكرية محدودة أو حرب تشنها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني أو اللبناني، ومع كل انتهاك تقوم به قوات الاحتلال، يتناثر حديث هنا أو هناك عن ضرورة إلغاء الاتفاق الذي يرى منتقدوه أنه قيَّد الجيش المصري وعزله عن الصراع العربي الإسرائيلي.

ورغم أن الحديث عن ما يصفه بعض الرافضين بأنه اتفاق كارثي واتفاق العار الذي لم ينقطع أبدًا، فإنه تجدّد على مستويات نادرة قبل أيام عقب قيام قوات إسرائيلية باحتلال “ممر فيلادلفيا” الملاصق للشريط الحدودي بين مصر وقطاع غزة في إطار العدوان المستمر على غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي.

وقد رأى الرافضون للاتفاق أصلًا أن ما فعلته إسرائيل انتهاك عملي وإسقاط مباشر للاتفاقية، وأنه يجب على مصر إعلان إلغائها، لكن اللافت أن الحديث عن إلغاء الاتفاق هذه المرة طال دوائر المؤيدين وليس فقط الرافضين، كما أن الحديث عن إلغاء الاتفاق لم يبدأ من الجانب المصري وإنما بدأ في الجانب الإسرائيلي، ولم يكن إعلانًا مباشرًا لكنه ورد في الصحافة العبرية كتسريب غير معلوم المصدر نقلًا عن مسؤولين إسرائيليين أن مصر هددت بإلغاء اتفاق “كامب ديفيد” ردًّا على احتلال “ممر فيلادلفيا”.

المحسوبون يتحدثون

المثير أن إعلاميين مصريين محسوبين على النظام ومقربون من دوائر الحكم تلقفوا التسريب غير المنسوب إلى أي مصدر من صحيفة “معاريف”، وتعاملوا معه باعتباره إعلانًا رسميًّا مصريًّا يدل على عدم الرضا والغضب من الموقف الإسرائيلي، وعلى حدة الموقف المصري واستقلالیته في مواجهة انتهاكات إسرائيل وجرائمها ضد الشعب الفلسطيني، وتهديدها باقتحام مدينة رفح الحدودية مع مصر التي يتكدس فيها نحو نصف سكان القطاع المنكوب بعد نزوحهم من مناطق الشمال المدمرة.

دون الدخول في السؤال الجدلي عمن يقف وراءها، فإن صناعة “الترند” حقيقة واقعة تتبدى في حالة “كامب ديفيد” بشكل واضح لا لبس فيه، فوفقًا لمحرك البحث “غوغل ترند”، جرى تداول وسم (#كامب_ديفيد)  بمعدل 70 منشورًا في الدقيقة، وحسب أداة تحليل البيانات (keyhole) جرى تداول وسم (#كامب_ديفيد) في يوم 10 من مايو/أيار الجاري 100 مرة في الدقيقة، بعد نشر تقرير “معاريف”.

وحسب موقع التواصل الاجتماعي “إكس – تويتر سابقًا”، جرى تداول وسم (#كامب_ديفيد) بمعدل 4637 تغريدة، وأصبح بذلك ضمن الأكثر تداولًا في مصر يومها. لكن وسمًا آخر جرى تداوله هو (#ما_حدش_يجرب_مصر) يلمح إلى الطرف الذي كان وراء هذه الهجمة الإلكترونية، إذ تبدو هذه اللغة شائعة بين الناشطين المحسوبين على الدوائر الرسمية المصرية، وهي بعيدة عن أدبيات أصحاب التوجه القومي أو الناصري والداعين دومًا لإلغاء “كامب ديفيد”.

مجرد مخالفة

ورغم أن تقرير صحيفة “معاريف” الإسرائيلية تحدث أيضًا، نقلًا عن مسؤولين إسرائيليين لم يسمّهم، أنهم تواصلوا مع نظرائهم المصريين حيث تأكدوا أن الحديث عن إلغاء اتفاق “كامب ديفيد” هو جزء من الضغوط على إسرائيل ليس إلا، وأنه لا نية لدى مصر لذلك، مما حدا بمن سوقوا أن هناك تهديدًا مصريًّا بإلغاء الاتفاق لتأكيد أنه موقف يتسم بالجدية.

وزير الشؤون البرلمانية السابق وأستاذ القانون الدولي الدكتور مفيد شهاب سارع إلى التخفيف من أثر استيلاء إسرائيل على “ممر فيلادلفيا” مؤكدًا أنها مخالفة لا تستوجب إلغاء الاتفاقية.

وأيًّا كان عدد الوسوم التي تداولت “كامب ديفيد” فإن موقف الإعلاميين المذكورين ودوائرهم لا يمكن فهمه على أنه دفاع عن موقف رسمي معلن من انتهاكات إسرائيل وجرائمها بحق الفلسطينيين، وإنما هو محاولة تجميل الموقف المصري بسبب شعور عام بأنه ليس على مستوى ما تقترفه إسرائيل من فظائع.

وفي هذا الإطار لا يصح الحديث عن الإلغاء وفق نظريات القانون، وإنما يبدو أن الحديث الأوقع سيكون عن الإلهاء وفق نظريات الإعلام.

المصدر : الجزيرة مباشر