اسـتدراج مصـر

العلم المصري (غيتي)

المؤكد أن الدولة المصرية تعيش حاليًّا حالة من القلق لا تحسد عليها، في ظل استفزازات الكيان الصهيوني على الحدود الشرقية، سواء من قطاع غزة أو خارجه، في وجود حكومة بتل أبيب ربما كانت الأكثر تطرفًا من بين كل الحكومات السابقة، ذلك أنها تضم إرهابيين حقيقيين بين وزرائها، طالب بعضهم مرارًا باجتياح الحدود المصرية، وطالب آخرون باحتلال سيناء، وآخرون بإلغاء اتفاقية السلام مع مصر، إلى غير ذلك من التهديدات العلنية؛ لذا تجد الدولة المصرية نفسها في كل الأحوال أمام حالة من الجنون اللفظي، قد تتطور إلى أفعال بين عشية وضحاها، خصوصا بعد احتلال الكيان معبر رفح على الجانب الفلسطيني من الحدود.

وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أنه، يخطئ من يظن أن إسرائيل تستغل الولايات المتحدة والغرب لتحقيق هدف استمرارها على قيد الحياة، بل إن العكس صحيح تمامًا؛ ذلك أن إسرائيل يتم استغلالها منذ أول يوم نشأت فيه لتحقيق أهداف الغرب داخل المنطقة العربية، وقد نجح المخطط الغربي بنسبة 100% حتى قبل أن تنضم إليه الولايات المتحدة فيما بعد، وتتصدره على أرض الواقع الآن، وها هو المخطط مستمر على مدى أكثر من سبعة عقود دون تغيير.

وتكفي الإشارة إلى أن المنطقة العربية هي أكثر مناطق العالم تشغيلًا لمصانع السلاح في الغرب، حيث كانت الأكثر استيرادًا لكل أنواع السلاح، طوال تلك العقود، حتى لو لم تستخدمه ضد إسرائيل، خضوعًا لشروط حازمة من دول الإنتاج (9 دول عربية ضمن قائمة أكبر 40 مستوردا للسلاح في العالم)، أضف إلى ذلك أن النفط العربي ظل خاضعًا لشركات الإنتاج الأمريكية والغربية، بشروط مجحفة لم تتغير، نتيجة التلويح طوال الوقت بـ”البعبع” الصهيوني من جهة، ومن جهة أخرى صناعة مخاوف وهمية من الغول الفارسي، أو المارد التركي، وربما الطامع العراقي والمصري والسوري في بعض الأحيان!!

الصحوة الأمريكية

ومع الصحوة الإفريقية المفاجئة حاليًّا، التي يتم من خلالها طرد الولايات المتحدة ودول الغرب من القواعد العسكرية هناك تباعًا، بل وقطع العلاقات، مع انقلابات متتابعة في الغابون والنيجر وبوركينا فاسو ومالي وتشاد وغينيا والسودان، بما يشير إلى عدم استقرار القارة السمراء على المدى القريب جراء المؤامرات الغربية، أصبح التركيز الأمريكي الغربي على الحالة العربية أو الشرق أوسطية عمومًا أمرًا حتميًّا، خصوصًا في ظل سباق فرض الهيمنة عالميًّا، مع كل من الصين وروسيا بشكل خاص، وهو الأمر الذي يجعل إسرائيل حجر الزاوية في المنطقة، فيتم الإغداق عليها بالمال والسلاح دون حساب.

وربما جاء الإعلان المصري المفاجئ، بالانضمام إلى جنوب إفريقيا في القضية المنظورة أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل، ليؤكد أن هناك تطورات في العلاقات غير مرئية للمراقبين، ليس آخرها تطورات احتلال معبر رفح، وليس أولها الاتهامات الموجهة إلى مصر بغض الطرف عن تهريب السلاح إلى حركة حماس، أو حتى اغتيال زئيف كيبر رجل الأعمال الإسرائيلي قبل أيام بمدينة الإسكندرية، مع ملاحظة أن مصر حين اتخاذ هذا القرار، وضعت في الاعتبار الردود الأمريكية والغربية، وهو ما يؤكد أن هناك أمرًا ما يستدعي الخروج من الحالة السلبية التي استمرت سبعة أشهر.

في الوقت نفسه يجب أن يوضع في الاعتبار أن القرار المصري المشار إليه، صدر بالتزامن مع قرار إنشاء ما يسمى اتحاد القبائل العربية، وهو الاتحاد الذي ينطلق من شمال سيناء بالدرجة الأولى، بالتزامن أيضا مع إعلان حالة الطوارئ بالجيش، إلى الحالة القصوى، واستدعاء الاحتياط -حسبما أشارت وكالات الأنباء- كما تدرس مصر أيضا خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي، وهو ما يؤكد أن هناك الكثير من النار تحت الرماد، نتيجة تلك الاستفزازات الإسرائيلية، التي بدا أن الهدف الأول والأخير منها هو، استدراج مصر، إلى مواجهة قد تكون محدودة لهدف ما، أو غير محدودة لأهداف عديدة.

الجيش الأقوى

ليس خافيًا على أحد، أن مصر الدولة الوحيدة بالمنطقة التي تمتلك جيشًا قويًّا الآن، بعد خروج الجيوش الفاعلة من الخدمة، نتيجة تطورات الأحداث الإقليمية، خلال السنوات الـ13 الماضية، في أعقاب ما يسمى الربيع العربي، وهو ما لا يروق لبعض العواصم الكبرى، التي دأبت طوال الوقت على الإيقاع بين الجيش والشعب تارة، وتوريط الجيش في حروب إقليمية بالمنطقة تارة أخرى، خصوصًا في سوريا وليبيا واليمن والسودان، أو حتى في مواجهة مسلحة مع إثيوبيا في أعقاب إنشاء سد النهضة على النيل الأزرق، والتعنت الإثيوبي الممول والمدعوم خارجيًّا.

مجريات الأحداث تؤكد أن هناك إصرارًا غربيًّا على توريط مصر، جيشًا وشعبًا، فيما لا تحمد عقباه، واستخدام إسرائيل رأس حربة في هذا الشأن، على خلاف ما يصدر من تصريحات غربية أمريكية تتحدث عن محاولة احتواء الصراع بالمنطقة لعدم اتساع رقعة الحرب، وهي التصريحات التي تتناقض مع سير الأحداث على أرض الواقع، حيث إمداد الكيان الصهيوني بالسلاح على مدار الساعة، وحيث التعامل بعنف شديد مع كل مظاهر الاحتجاج الشعبية في هذه الدول على استمرار الحرب، وحيث الفيتو الأمريكي بمجلس الأمن خمس مرات متتالية، إلى غير ذلك من طبول حرب استفزازية صهيونية واضحة.

أثق في الدولة المصرية

على أية حال، أثق في أن الدولة المصرية على المستوى الرسمي تعي أبعاد كل التطورات الجارية، وأثق في أنها أعدت لها العدة، إلا أننا يجب ألا ننسى دائمًا وأبدًا أن الجبهة الداخلية ليست أقل أهمية من جبهة الحرب بأي شكل من الأشكال، وهو الأمر الذي يجب وضعه في الاعتبار مبكرًا، بالمبادرة نحو مصالحة شاملة مع كل أطياف المجتمع بالدخل والخارج، يلتف من خلالها الجميع حول القرار السياسي أيًّا كان، وخلف القوات المسلحة في أي زمان وكل مكان، وقد عهدنا من شعب مصر دائمًا الاتحاد وقت الشدة، والاعتصام بحبل الله، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمجابهة العدو التاريخي، محتل القدس والمسجد الأقصى، الذي لم يخف أطماعه التوسعية يومًا ما.

المصدر : الجزيرة مباشر