في ذكرى النكبة.. هل أتاكم صوت “شعب بلفور”؟

جورج غالاوي (غارديان)

غيّرت عملية “طوفان الأقصى”، السردية والتاريخ ويومًا ما ستغير الجغرافيا، فالمقاومة لم تنجح فقط في إعادة القضية الفلسطينية لمقدمة المشهد العالمي، بل تلعب دورًا مهمًا في تثوير شباب الجامعات في بريطانيا، وهو ما بدا جليًا في الاحتجاجات الضخمة، التي تشهدها البلاد في الذكرى الـ76 للنكبة.

والتعاطف الشعبي بالغرب مع القضية الفلسطينية، ليس وليد اللحظة، ولكنه يتسع ويتجذر في العالم كله، وهو ما حدا بكبريات الصحف العالمية إلى تشبيه الحركة الطلابية المتنامية، في دول عديدة وعلى رأسها الولايات المتحدة، بثورة الطلاب والعمال في مايو 1968 بفرنسا، التي ما زال شبحها يثير رعب الحكام، وينغص أحلامهم، كما أن بهجتها لم تزل قادرة على تحرير عقول الملايين وقلوبهم.

وفي بريطانيا، صاحبة الدور التاريخي الأبرز في تأسيس دولة الاحتلال، بإصدارها “وعد بلفور” عام 1917، لم تعد غزة قضية العرب والمسلمين المهاجرين إلى عاصمة الضباب، ولكنها تحوز على دعم أكثر من ثلثي الشعب.

وبحسب استطلاع أجرته مؤسسة “العمل من أجل الإنسانية” البريطانية، الشهر الماضي، فإن عدد البريطانيين غير المسلمين، الذين شاركوا في المظاهرات الداعية لوقف إطلاق النار، كان بين 80 و90% من المشاركين، وأن 76% من البريطانيين يؤيدون القضية الفلسطينية، مما يشكل ضغطًا سياسيًا على مسؤولي الأحزاب ونسب التصويت بالبرلمان.

زلزال سياسي

ومفاعيل حرب الإبادة الصهيونية، تهز الساحة السياسية في بريطانيا، ورغم تأييد حزب المحافظين الصريح لدولة الاحتلال، إلا أن الحزب الحاكم، الذي يستعد لخوض الانتخابات العامة العام الجاري، أجبر على إقالة وزيرة الداخلية سويلا بريفرمان في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بعد أن أثارت جدلًا كبيرًا إثر موقفها المتشدد ضد المظاهرات الداعمة للفلسطينيين، ووصفها لها بـ”مظاهرات الكراهية”.

ولم يكن حزب العمال، حزب المعارضة الرئيس في البلاد، بعيدًا عن تأثير حرب الإبادة، بل ومن المتوقع أن يشهد انقسامات، بسبب مواقفه المتذبذبة والضبابية، التي لا تريد إغضاب دولة الاحتلال.

وفقط بعد تهديدات واسعة بالاستقالة من قبل نواب بالحزب وغضب واسع وسط الشباب، اضطرت قيادة الحزب إلى تأييد وقف إطلاق النار.

غزة، أيضًا أعادت مرة أخرى السياسي المناصر للقضايا العربية، جورج غالاوي إلى البرلمان نائبًا عماليًا عن مدينة روتشديل، بعد حملة لم تركز على المدينة نفسها، بل على الحرب، حيث زين منشوراته بالعلم الفلسطيني وأعاد تسميتها بـ(غزة جورج)”.

وهاجم غالاوي، التوجه اليميني لقيادة حزب العمال قائلًا “ستدفعون ثمنًا باهظًا للدور الذي قمتم به، في تمكين وتشجيع وتغطية الكارثة الجارية حاليًا في فلسطين المحتلة”، بحسب ما نقلت صحيفة “التلجراف”.

وانتقد غالاوي سياسة الصمت على جرائم إسرائيل مضيفًا في كلمته أمام مجلس العموم “يجب أن ندرك حقيقة أن مأساة هذا الشعب، كتبت في هذا المبنى (وعد بلفور)”.

وتابع، في كلمة له أمام مجلس العموم “كنت أعتقد أن ذلك قد يشكل عقدة ذنب تاريخية لحكومتنا، وتريد أن تتخفف منها.. ولكن، بدلًا من ذلك، قامت طائراتنا بأكثر من 200 طلعة تجسسية في سماء غزة، لمساعدة نتنياهو، فإسهامنا في هذه المذبحة كبير للغاية. قديمًا وحديثًا على حد سواء”.

وعاد صوت جيمي كوربن زعيم حزب العمال السابق، ليعلو مجددًا بعد الاتهامات التي لاحقته طويلًا بمعاداة السامية قائلًا، “نرى بثًا مباشرًا لوقائع حرب إبادة جماعية تجري في غزة، فإسرائيل تنوي تدمير الشعب الفلسطيني بالكامل”، مضيفًا، أن “قادة بريطانيا مصممون، على ما يبدو، لمنح الحرب فرصة، وأن تعطشهم للحرب والنزاع يعرّض حياة الجميع للخطر”.

وتدريجيًا، تتحول لندن إلى قلب ثان للإنسانية بجوار جنوب إفريقيا، وفي هذا السياق رد الإعلامي الرياضي واللاعب الإنجليزي السابق جاري لينيكر على الهجمات الشرسة، التي يتعرض لها بسبب انتقاده جرائم إسرائيل في غزة، قائلًا، على حسابه على منصة “إكس”، “لست مسلمًا أو يهوديًا أو فلسطينيًا أو إسرائيليًا. وبالتالي فأنني أنظر للأمور بطريقة حيادية تمامًا، وكثيرًا ما أجد نفسي باكيًا عند رؤية صور أطفال غزة، الذين يفقدون حياتهم، على وسائل التواصل الاجتماعي”.

وفي مارس/آذار الماضي، مزّقت ناشطة مؤيدة للفلسطينيين صورة لوزير الخارجية البريطاني الراحل آرثر بلفور في جامعة كامبريدج، قائلة إن إعلان بلفور عام 1917 هو السبب في خسارة الفلسطينيين وطنهم لصالح إسرائيل.

ولم تغب حركة “الصوت اليهودي ضد الحرب” عن فعاليات التضامن، وأصدرت بيانًا لافتًا جاء فيه: “أي نوع من الدول تلك التي ترد على اقتراح وقف إطلاق النار بمهاجمة رفح وقتل الأطفال؟ إن القضية الفلسطينية، ليست قضية يهودية أو إسلامية، إنها قضية إنسانية. وعلينا أن نعارض هذه الوحشية”.

كما تخوض أكثر من 60 منظمة من المجتمع المدني، معركة ضروسًا لوقف اعتماد مشروع قانون قدمته حكومة ريشي سوناك، ويسعى إلى تضييق الخناق على حركات المقاطعة، وخصوصًا التي تستهدف إسرائيل.

ويذكر مشروع قانون مناهضة المقاطعة بالاسم “الأراضي الفلسطينية المحتلة” و “هضبة الجولان المحتلة” إلى جانب إسرائيل، على أنها أراض يحميها القانون صراحة من مقاطعة القطاع العام، دون أي احتمال لاستثناء آني أو مستقبلي.

الطلاب والعمال

غير أن الحركة التضامنية، تتجذر ويرتفع سقف مطالبها، بشكل لافت، في الحرم الجامعي، لتشهد بريطانيا أكبر حركة طلابية منذ أكثر من عقد من الزمن.

وانتشرت المخيمات في جامعات عديدة للمطالبة بقطع أي روابط مالية أو أكاديمية مع الاحتلال، بما في ذلك سحب الاستثمارات من الشركات المرتبطة به.

ولم تقف الحركة عند الطلاب، بل انضم إليها قطاعات متقدمة من العمال، وفي يوم النكبة احتشد الطلاب والعمال في جميع أنحاء بريطانيا تعبيرًا عن دعمهم لغزة.

ونظم حوالي 250 طالبًا وعاملًا مسيرة خارج مخيم “سواس” (كلية الدراسات الشرقية والإفريقية التابعة لجامعة لندن).

ونقلت صحيفة “الجارديان” عن أحد الطلاب المعتصمين في المخيم قوله “إن إسرائيل تحاول محو الفلسطينيين من وطنهم، وكأعضاء في الحركة الطلابية ندرك إمكانات صوتنا الجماعي، فنحن لسنا متفرجين على التاريخ، بل فاعلين وقادرين على تشكيل المستقبل”.

وقال طالب آخر في المخيم: “يصادف اليوم 76 عامًا من سفك الدماء والظلم والقتل. النكبة ليست لحظة، بل هي كابوس مستمر يطارد الفلسطينيين اليوم”.

وقال ديلان، وهو طالب في جامعة أكسفورد، “الثورة الطلابية تتحرك للأمام، فلقد نجحنا في نصب مئات المخيمات في جميع أنحاء العالم، مما يوضح كيف يمكن أن يتطور الوعي بسرعة البرق”.

وأضاف: “في مخيمنا نتبنى موقفًا سياسيًا راديكاليًا بالنسبة للقضية الفلسطينية، فنحن لا ندعم حل الدولتين، بل ندعو لإقامة دولة فلسطينية واحدة من النهر إلى البحر”.

وفي تطور مهم، امتدت الحركة التضامنية لمحاصرة مصانع الموت، وقام عشرات المتظاهرين، بإغلاق مداخل شركة “تاليس” لصناعة الأسلحة في جلاسكو، ورفعوا لافتات كتب عليها “مصنع الأسلحة هذا شريك في الإبادة الجماعية”.

وقال جيمي، الذي يعمل في إحدى الجامعات الإسكتلندية، لجريدة “العامل الاشتراكي”: “قادتنا لا يتخذون أي إجراء لحظر تصدير الأسلحة، ولهذا السبب نحاصرهم بأنفسنا، نقوم بواجبنا اليوم لضرب أرباح أولئك، الذين يقدمون المال على حياة الإنسان وكرامته”.

ووفقًا لصحيفة “الجارديان”، فإن حجم المظاهرات وزخمها يمكن مقارنته بالاحتجاجات المناهضة لحرب العراق في عام 2003 عندما شارك ما يقدر بنحو 1.5 مليون شخص في أكبر مظاهرة في التاريخ البريطاني.

وهكذا، وكما كانت المقاومة الفيتنامية كلمة السر في اندلاع مايو 1968، يبدو الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني، كالشرارة التي يمكن أن تشعل العالم، فالأرض بدأت تميد تحت أقدام المستبدين والطغاة، وفي كل مكان تتفتح الأزهار وتنتعش الآمال وراحت صيحات الحرية تدك حصون الأغنياء والأقوياء.

صحيح أن العالم لم ينقلب رأسًا على عقب، إلا أنه يرتج بشدة.

 

 

 

 

 

 

 

المصدر : الجزيرة مباشر