في ضيافة عم جرجس

قادني البحث عن تاريخ بلدتي الحبيبة التي بها مسقط رأسي إلى طرق أبواب معرفية شتى لعلها تسعفني في تكوين ذاكرة تاريخية عن المدنية التي يُحكى لنا أن لها صولات وجولات في التاريخ الفرعوني والمسيحي والإسلامي كشأن كثير من القرى والمدن المصرية القديمة.

ففي تاريخ البلدة الفرعوني وجدت شذرات متناثرة في بعض الكتب عن طبيعة الآلهة الفرعونية التي كانت موجودة في البلدة وفي تاريخها الإسلامي وجدت إشارات لطيفة إلى دورها في دعم جهاد قطز والظاهر بيبرس ضد التتار، وبقيت الحقبة المسيحية لتاريخ البلدة فارغة في ذهني لا أجد فيها لا إشارات ولا شذرات، فقررت أن أطرق باب عم جرجس أحد القائمين على خدمة الكنسية في البلدة ليساعدني على ملء هذه الفجوة المعرفية عن تاريخ البلدة القديمة.

حكاية عم جرس

فعم جرجس المتعلق بالكنسية تعلق الطفل بأمه كشف لي في هذه الزيارة عن حقيقتين لا أعرفهما عنه.

الأولى: هي كونه باحثا عميقا في تاريخ المدنية المسيحي، وله إصدار قيّم عن هذه الفترة التاريخية للمدينة وما وقع فيها من أحداث وملاحم وخاصة ما يخص تاريخ الكنسية وتطورها.

وقد حكى لي طرفًا منها وكيف أن أهل البلدة صمدوا في وجه الاضطهاد الروماني للمسيحيين المصريين وذكر أن في الكنسية مقاما لأحد الرهبان الذين استشهدوا في فترة ما يعرف بـ”عصر الشهداء في التاريخ المصري”، ثم عرج بي إلى تاريخ البلدة وما حدث فيها من تغيرات مع مقدم عمرو بن العاص إلى مصر وكيف ساهم قدومه في رفع القهر والاضطهاد عن سكان البلدة وحكى لي روائع عن روح التسامح والتآلف التي سادت تلك الفترة وكيف أن بيوت البلدة أصبحت فيها عائلات ترفرف بجناحين أحدهما مسيحي والآخر مسلم فتجد عائلة الأب فيها استمر على مسيحيته والأبناء اختاروا الإسلام والعكس، وكل ذلك تم في ظلال من التسامح والتعايش. وختم مساعدته في هذا الجانب بتزويدي بعنوان كتاب قيّم في دار الكتب المصرية يحوي تفاصيل أكثر عن جغرافية وتاريخ المدينة القديمة.

والحقيقة الثانية التي كُشفت في هذه الزيارة هي كون عم جرجس كان ضابطا احتياطيًّا في الجيش المصري، وشهد حرب السادس من أكتوبر، وكان في الكتيبة التي أسرت العقيد احتياط عساف ياجوري قائد اللواء 190 مدرع إسرائيلي، الذي كان يمثل إحدى الشخصيات المهمة من الناحية العسكرية في الجيش الإسرائيلي، نظرا للموقع الاستراتيجي الذي كان مكلفا به والعمليات التي كانت موكلة إليه.

ومما زاد هذه الحقيقة تجسدا للعين والقلب احتفاظ عم جرجس ببعض حطام دبابة ذلك القائد الإسرائيلي في بيته وحرصه على أن ألقى نظرة عليه، وعند هذه الحقيقة وما أحاط بها عن عم جرجس انفتق الحوار بينا نحو أفق أرحب وأوسع يتجاوز تاريخ بلدتي الصغيرة ويتجه نحو تاريخ أمة مصرية عظيمة تستمد بعض جوانب عظمتها من الحفاظ على وحدتها الوطنية وقت الشدائد والمحن.

وتجاذبنا أطراف الحديث الشائق والممتع بينيا في ظل كرم ضيافة عم جرجس وبشاشته، حتى توقفنا عند واقع المجتمع المصري المعاصر الذي تبدو عليه ظواهر تشنج طائفية تنذر بشرر مستطير في المستقبل إذا لم تتم معالجتها معالجة فكرية عالمة تنقي عالم الأفكار في عقول أجيالنا الصاعدة من مفخخات الأفكار الانقسامية والفتنوية القاتلة التي تبعث على العداوة والبغضاء واضطهاد وإقصاء الآخر.

وينبغي لهذه المعالجة أن تستلهم تاريخ الأمة المصرية المشرق في وحدتها وتكاتفها ضد التحديات الداخلية والخارجية عبر الزمن، وتتذكر في نفس الوقت دأب الخصوم الخارجيين على سعيهم لتفكيك ذلك الترابط الوطني. وبعد طول حديث عن الأسباب والدوافع التي تقف خلف هذه التشنجات الطائفية المعاصرة خلصنا مع العم جرجس إلى رباعية ذهبية ربما تساهم في تلطيف التشنجات الطائفية الطارئة على صفحة الحياة الوطنية المصرية الرقراقة والهادئة منذ فجر التاريخ وهي:

أولا: ينبغي التعاطي مع التنوع الديني والطائفي في الساحة المصرية على أنه نقطة قوة وتميز للنسيج الوطني المصري، وليس نقطة ضعف وانكسار، فالتاريخ المصري القديم والمعاصر مملوء بصفحات مضيئة في هذا الإطار من التلاحم والتعايش الذي امتد طولًا حتى انتظم كل جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وامتد عمقًا حتى وصل إلى ساحة الفنون والآداب وفن العمارة. فمن الحقائق التاريخية أن الأثر المعماري البديع والرائع القابع في مصر القديمة (مسجد أحمد بن طولون) أشرف على تصميمه وبنائه المهندس سعيد بن كاتب الفرغاني أحد أمهر المهندسين المسيحيين المصريين في تلك الحقبة التاريخية، فالحضارة الإسلامية كما عبر عنها الدكتور جمال حمدان تكونت عبر المعادلة الثقافية التالية (مبادئ الإسلام + حضارة البلدان المفتوحة = الحضارة الإسلامية)، وبالتالي فبناء الحضارة الإسلامية شارك فيه غير المسلمين بنصيب وافر وزاخر؛ مما وفر لها مساحة من الإبداع والتميز وأعطاها أبعادا إنسانية مميزة، وكان للحاضرة المصرية حظًّا وافرًا في هذا الباب.

ثانيا: ينبغي معالجة قضايا وحدة النسيج الاجتماعي المصري بعيدًا عن مصطلح الأقلية والأغلبية المفخخين اللذين تبرز منهما رائحة الشقاق والعداء لدلالاتهما الخطيرة ومنها:

أ – مصطلح الأقلية: مصطلح مستفز لكل من الأقلية والأغلبية على حد سواء، ويصيب العقل الجمعي للمجتمع بما يشبه الصدمة النفسية، مثلما تجد شابا مفتول العضلات وسيم القسمات في كامل صحته وعافيته، وفجأةً تجد من يهمس في أذنيه دون سابق معرفة، ويقول له انتبه كان لي صديق شاب مثلك لكنه توفي بالفشل الكلوي وهو في مثل سنك!!

فهذه الهمسة التي يبدو عليها الحرص والأمانة ربما تُدخل هذا الشاب في غياهب من الشكوك والهواجس حتى يتأكد أن الكُلى عنده تعمل دون خلل!! فعندما يسمع المجتمع مصطلح الأقلية ينقدح في ذهنه أنه منقسم إلى أغلبية وأقلية، وعلى الأقلية أن تسعى لتقوية مركزها وعلى الأغلبية ألا تفرط فى مكاسبها، وبالتالي ينتقل إلى حالة من عدم الاستقرار في علاقات بعضه ببعض.

ب – مصطلح (الأقلية والأغلبية) مصطلح سياسي يستخدم للتعبير عن نتائج انتخابية عادة تتسم بالصراع الحاد لكسب أصوات الناخبين، وبالتالي فليس من الصحيح أن يستدعى مصطلح الأقلية في إطار الحفاظ على السلم الأهلي والنسيج الوطني.

ج – الذاكرة التاريخية لمصطلح الأقلية أو الأقليات في العالم العربي والإسلامي مرتبطة بملف التدخل الخارجي، فمصطلح الأقليات والعرقيات برز بشكل حاد في الفترات النهائية للخلافة العثمانية، وذلك عندما بدأت القوى الكبرى في تقسيم تركة الرجل المريض عبر العديد من الوسائل والتكتيكات من بينها الدخول إلى المنطقة العربية من نافذة رعاية بعض الأقليات المهددة في العالم العربي!!

ولكن قد يسأل سائل ما هو إذن المصطلح السليم الذي ينبغي أن نستعمله لكي نعبر به عن اختلاف وتنوع أطياف النسيج الوطني؟ يقفز إلى الذهن فورًا مصطلح الجماعة الوطنية أو الجماعات الوطنية الذي يفيض بالعديد من الدلالات والإيحاءات الإيجابية الخلاقة عكس مصطلح الأقليات والأغلبية.

ثالثا: ينبغي التفريق بين نضال جماعة وطنية تسعى نحو الاندماج والمساواة وأخرى تسعى نحو الانفصال والانسلاخ عن جسد الوطن، فالأولى يُسمع لها وتناقش قضاياها وتقدر ما دامت بوصلتها متجهة نحو الوحدة والتناغم والحفاظ على قوة وصلابة النسيج الوطني، وتعتبر جهودها بمثابة تدافع مجتمعي يساهم في اقتلاع الحشائش الضارة التي تحول دون ترعرع وتجسد الوحدة الوطنية على أرض الواقع، أما الثانية فينبغي التعاطي مع جهودها وأنشطتها بكل حذر وتأهب يحول دون تحقق أهدافها القريبة والبعيدة.

رابعا: لا بد من إنضاج خطاب ديني (إسلامي/ مسيحي) ينبع من الطبيعة الاجتماعية للشعب المصري ويراعي خصوصيته الحضارية والثقافية من حيث التنوع الديني وطبيعة النظام السياسي القائم في مصر منذ آلاف السنين، وينبغي لهذا الخطاب أن ينبذ الفتنة والشقاق ويدفع في اتجاه الوئام والوفاق، فالفقيه المصري الليث بن سعد عندما سأله شاب عن حكم بناء الكنائس في مصر، أجاب إجابة مبدعة لا تقع في زاوية الحرام والحلال، فقال للسائل يا بُني وهل بنيت الكنائس إلا في عهد عمرو بن العاص الذي رفع الاضطهاد عن المسيحيين وفتح لهم كنائسهم ليمارسوا شعائرهم بها؟

 يوم العبور

هذه النقاط الأربع تمثل نقاط تلاق واتفاق بيني وبين عم جرجس ذلك الرجل الذي يعتز بوطنية وبذل لها عرقه ودمه في حرب العاشر من رمضان بجوار إخوانه المسلمين. وقد همس عم جرجس في أذني في آخر الزيارة وهو يودعني قائلًا لي إنه كان صائما يوم العبور المجيد مثل كثير من الجنود المصريين المسلمين ورفض أن يأكل إلا معهم، راسمًا بذلك لوحة بديعة في فن التسامح والتعايش ينبغي لها أن ترسو في وجدان الأجيال الصاعدة لعلها تكفكف من روح الفتنة البغيضة التي تنفث سمومها في بر الأمان بمصر.

المصدر : الجزيرة مباشر