عادل إمام في عامه الـ85.. الفن والسلطة والعزلة!

الفنان عادل إمام أثناء تكريمه في مهرجان الدوحة السينمائي عام 2010 الذي أقيم في سينما كتارا (غيتي)

عادل إمام المولود في 17 مايو/أيار 1940، احتفل يوم الجمعة الماضي بعيد ميلاده الرابع والثمانين، واستفتح عامه الخامس والثمانين.

ابتدأ مشواره الفني الذي امتد 57 عاما بدور صغير منحه له أستاذ الكوميديا العظيم فؤاد المهندس في مسرحية له عام 1963، ووصل هذا المشوار الحافل إلى نهايته عام 2020 بمسلسل اسمه (فالنتينو)، فهو النجم الكبير الذي يمنح الأدوار سواء في هذا العمل أو غيره منذ صار البطل الذي يتصدر الأعمال الفنية.

قصة نجاحه مرت بمراحل طويلة من البحث عن دور ولو لدقائق، أو لقول عبارة واحدة، إلى كونه نجم النجوم الذي يذهب الجمهور لأجله إلى السينما أو المسرح أو يتحلق حول التلفزيون، ليكون أهم نجم شباك تحقق أعماله إيرادات ضخمة.

زعيم الفن العربي

قل في عادل إمام ما شئت عن الشهرة والنجومية والتأثير، وقل إنه ظاهرة فنية متفردة، وقل إنه الزعيم، وعلى ذكر الزعامة فقد كرّمه موسم الرياض بشكل خاص بأن صنع جائزة له وحده لا تتكرر اسمها “زعيم الفن العربي”.

تقريبا شاهدت معظم أعمال عادل إمام، خاصة الأفلام، وشاهدت المسرحيات التي عرضها التلفزيون، وتحديدا (مدرسة المشاغبين) و(شاهد ما شافش حاجة) وغيرهما، فقد بدأ التلفزيون يذيعها بعد انتهاء عرضها.

ولكني لم أذهب إلى المسرح حتى لـ”عادل إمام”، بسبب انتهاء العرض في ساعات متأخرة من الليل، كما أنني لا أطيق الجلوس في مقعد لساعات لمتابعة مسرحية رغم متعة التفاعل المباشر بين الجمهور والممثلين.

والمرة الوحيدة التي ذهبت فيها إلى المسرح كانت عام 1987، وكنت طالبا، وشجعنا على الذهاب إلى المسرح الهادف الدكتور عبد الغفار عزيز الأستاذ بجامعة الأزهر خلال استضافته لإلقاء محاضرة بكلية الإعلام.

وكان حينئذ قياديا بحزب الوفد، ونائبا في مجلس الشعب، وتحدّث عن مسرحية شاهدها في المسرح القومي بمنطقة العتبة وسط القاهرة، فذهبت بالفعل إلى المسرح، وعدت فجرا مشيا إلى المدينة الجامعية في الدقي حيث كنت أسكن بها.

وعزيز من علماء الأزهر أصحاب الرأي والموقف، المشهود لهم بالجرأة في قول الحق، مثل الشيخ صلاح أبو إسماعيل والشيخ عبد الرشيد صقر والدكتور عبد الصبور شاهين، وغيرهم من رجال تلك المرحلة، أما الشيخ عبد الحميد كشك فكان له جاذبية وباع طويل على المنابر حتى وإن كان هناك اختلاف على الطريقة وبعض المضامين في خطبه.

هذا زمن مضى برجاله وأحداثه ولن يعود، فلا المناخ السياسي هو المناخ نفسه حاليا، ولا مصر التي كانت هي مصر التي صارت، ولا عادل إمام قابل للاستنساخ، ولا قوة مصر الناعمة بكل روافدها بقيت على حالها، بل تراجعت كثيرا.

العزلة الضرورية

جلست بالقرب من عادل إمام مرة واحدة، وكان ذلك في عرس ابنة الكاتب الصحفي حسنين كروم، وهو أحد نبلاء التيار الناصري، ولو كان الناصريون بمثل تسامح كروم وأخلاقياته وروحه، ومثله المحامي فريد عبد الكريم، لصار هذا التيار نموذجيا وتسيّد شعبيا.

وجدت “الزعيم” متواضعا ولطيفا ومثيرا للبهجة حيث يوجد، ويتقاطر عليه الناس لالتقاط الصور معه، فهو فضلا عن كونه فنانا، فإنه الأشهر في طبقة الفن المصري والعربي.

لم يظهر عادل علنا منذ سنوات، التقدم في السن وأمراض الشيخوخة تفرض بالضرورة على عائلته ألا يراه الناس، ولمّا نُشرت صور احتفال ضيّق بعيد ميلاده العام الماضي بدت هيئته مؤلمة عما شاهدناه في مسلسله عام 2020، ظهر كأنه كَبِر نحو عشر سنوات مرة واحدة، ولهذا لم تُعرض أي صورة له بعد ذلك.

باتت العزلة مفروضة عليه، فلا أحد غير العائلة مسموح له بزيارته والجلوس معه، وهو الذي كان يملأ الدنيا فنا ونشاطا في احتفالات ومناسبات محلية وعربية ودولية ذات طابع فني وإنساني أممي.

هكذا هي الحياة، تبدأ بالضعف وتنتهي بالضعف، وبينهما يتصور الإنسان أنه قادر على طي الأرض ووضعها في يمينه.

صديق السلطة خارج الفن

له أعمال ناقدة للفساد والاستبداد، وضمنا تنتقد السلطة، وأعمال تدعم سياساتها خاصة فيما يتعلق بمواجهة العنف والإرهاب ودعم الوحدة الوطنية، لكنه خارج التمثيل قريب من السلطة ولم يتصادم معها يوما، وخلال ثورة يناير وبعدها لم يتخذ أي موقف واضح بعكس فنانين آخرين كانت لديهم ثقافة سياسية ومواقف معقولة رغم هدوئها مثل نور الشريف.

وأحيانا يكون حادّا في مهاجمة الإسلام السياسي رغم وجود مصاهرة بينه وبين عائلة تنتمي إلى الإخوان، ذلك أن ابنته الوحيدة متزوجة من زميل لها كانا يدرسان معا بالجامعة وهو ابن قيادي إخواني، وجمعهما الحب، وإتمام هذه الزيجة يُحسَب لـ”عادل إمام”، فالعلاقات الإنسانية والارتباطات  العائلية أمر منفصل تماما عن الأمور السياسية والخلافات بشأنها.

عادل وأحمد زكي

إذا وصلنا إلى تاريخه الفني الزاخر، فإن أفلامه تبلغ 127 عملا، وفي تقديري أن 27 منها ستبقى وتستحق المشاهدة لأنها تعالج قضايا اجتماعية وسياسية ووطنية وأحداثا مرت بها البلاد، وتسجل مواقف ذات قيمة خاصة الأعمال التي كتبها المبدع وحيد حامد، وكذلك يوسف معاطي في فيلمه المهم (السفارة في العمارة).

ما دون ذلك هي كوميديا ابنة وقتها، فيها افتعال وهدفها التسلية والشباك، وتكرار عرضها تلفزيونيا لم يعد مغريا على مشاهدتها.

وهناك من ينتقده بسبب أن (مدرسة المشاغبين) أفسدت التعليم، وهذه مبالغة، فالتعليم عموما في منحنى هابط منذ عقود، ولم يكن ينتظر مسرحية لتظهر سوءاته.

تقديري هنا أن معظم أعمال أحمد زكي مكتوب لها البقاء، وعند تقييمها قد لا يسقط منها إلا القليل.

عادل نجم الشباك، لكن زكي نجم الفن الذي يزداد اسمه تألقا كلما مرت السنوات.

والاثنان يمثلان تاريخا ساطعا في بلد مشدود إلى التاريخ، ومرتبك في الحاضر، ولا يدري كيف يتجه إلى المستقبل.

متع الله “عادل” بالصحة والعافية، ورحم كل من غادرونا.

المصدر : الجزيرة مباشر