متى تسقط طائرة الرئيس؟

الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي (رويترز)

لابد أن هذا السؤال تكرر متلاطمًا في العقول أو ثار طافيًا على الألسنة، في عدد لا بأس به من بلدان العالم لدى مواطنين عاديين يتناثرون في أرجاء المعمورة الممتدة من سهول سيبيريا حتى أقصى أدغال إفريقيا، ومن أطراف شبه الجزيرة الكورية حتى مرتفعات أمريكا اللاتينية، وحتى في أوروبا التي تحمل مشاعل الحضارة الغربية وترفع رايات الديموقراطية لابد أن هناك من لاك السؤال في فمه سواء كان مهاجرًا جنوبيًا يحمل هم بلاده في الغربة أو مواطنًا مقهورًا يعيش في “العالم الأول” كأحد أبناء “العالم الأخير”.

سبب استدعاء السؤال أن خبرًا مفاجئًا أذيع قبل أيام ثلاثة عن فقد الاتصال بطائرة الرئيس الإيراني “إبراهيم رئيسي”، مع وزير خارجيته أمير حسين عبداللهيان، وعدد آخر من السياسيين والحراس الشخصيين، بينما كانوا عائدين إلى العاصمة طهران بعد زيارة لمحافظة أذربيجان الشرقية تم خلالها افتتاح سد “قيز قلعة سي”، الذي تم بناؤه بتعاون مشترك بين إيران وأذربيجان على نهر “آراس”.

ترقب وإخفاء

ساعات عصيبة من الترقب شهدتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحبس العالم أنفاسه قبل إعلان مصرع الرئيس الإيراني وكل مرافقيه على متن مروحية أمريكية الصنع، حيث إن الأنباء الأولية كانت أن طائرة الرئيس تعرضت لهبوط صعب أو اضطراري، وأن البحث عنها جارٍ، وبدا أن هناك تعتيمًا رسميًا مقصودًا على مصير الرئيس الإيراني ومرافقيه، لحين ترتيب أوضاع انتقال السلطة.

وفيما تم استهلاك الوقت بخبر يبعث على الأمل مفاده أن فرق الإنقاذ تلقت إشارة من هاتف أحد ركاب الطائرة، مما أوحى باحتمال أن يكون الركاب أحياء لكنهم فقدوا الاتصال فقط، اتضح لاحقًا أن الطائرة هوت في منطقة جبلية مرتفعة وأن جميع ركابها قد لقوا حتفهم فور سقوطها، وأنه لم يكن لديهم أي فرصة لاتصال أو استغاثة أو ما شابه.

تابع العالم توجه فرق الإنقاذ لمكان الحادث في منطقة جبلية وعرة شمال غرب إيران زاد من صعوبة البحث فيها طقس سيئ مصحوب بأمطار غزيرة، لكن غياب الشفافية منذ اللحظة الأولى سمة متكررة سنجدها في إيران كما نجدها في أنحاء كثيرة من العالم في الأنظمة التي تفضل الغموض والترتيبات السرية بعيدًا عن الإفصاح والعلانية.

المفارقة أن رئيس أذربيجان “إلهام علييف” آخر من التقى الرئيس الإيراني الراحل “إبراهيم رئيسي” تشترك بلديهما في شيء آخر غير السد المذكور والجوار، وهو الاتهامات الخارجية بأنها تُحكم بأنظمة قمعية كما أن للرئيسين سجل ملئ بالانتقادات في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان، والاتهامات بالتضييق على المعارضة وانتهاك حرية الصحافة.

مأساة ولكن!

سقوط أي طائرة مأساة إنسانية تستوجب التعاطف، وهو خبر حزين إذا كان مقرونًا بإعلانات الموت، أو الفقد، والشعور الطبيعي هو الأسف والأسى، لكن لأسباب معقدة ومتشابكة قد يصبح خبر سقوط طائرة الرئيس أمنية تطل بإلحاح في بلدان كثيرة لا يأمل مواطنوها في تغيير طبيعي عبر صناديق الاقتراع أو آلية الانتخاب بسبب انسداد شرايين النظام وتكلس مفاصل الدولة والترهل الناجم عن الالتصاق بمقاعد السلطة وما يتبع ذلك من “جلطات” في السياسة و”ذبحات صدرية” في الاقتصاد وشيخوخة وضمور في مسارات الشباب نحو التمكين عبر تتابع وتواصل الأجيال.

غياب آفاق التغيير يجعل الأكف تلهج بالضراعة، أن يأتي التغيير بقرارات يحملها ملك الموت من فوق السماوات السبع، بينما تكون الاستجابة مرهونة بتوافق الدعوات أو تباعدها مع مصائر وأعمار مقدرة، وعناية صحية فائقة، ويصبح تأخر التغيير عبر المنايا الطبيعية دافعًا للتمني والبحث عن تغيير مفاجئ تحمله منصات الأخبار كاشفة عن حادث مدبرٍ أو غير مدبر يحمل الحزن في ظاهره وفرحة التغيير المكتومة في باطنه.

حوادث الطائرات

ومنذ اختراع الأخوين رايت للطائرة عام 1903 تسابقت الدول الكبرى لاستخدام الطائرات عسكريًا، وكانت الحرب العالمية الأولى مسرحًا لهذا وبعد توقف الحرب بدأ السباق لإنشاء مصانع الطيران، لكن أول حادث مسجل في تاريخ الطيران المدني وقع في إبريل 1922 عندما اصطدمت طائرتان فرنسية وبريطانية فوق مدينة “بيكاردي” شمال فرنسا على ارتفاع 150 مترا فقط بسبب الضباب الكثيف وانعدام الرؤية، وقتل في هذا الحادث سبعة هم جميع من كانوا على متن الطائرتين.

ومنذ الحادث الأول فقد مئات المسؤولين حيواتهم في استهداف طائراتهم عمدًا أو سقوطها بسبب خلل فني أو سوء الأحوال الجوية، ومن بين الحوادث الشهيرة عالميا مقتل الأمين العام للأمم المتحدة داج همرشولد بعد انفجار طائرته فوق غابات الكونغو بوسط إفريقيا في سبتمبر 1961.

كما توفيت الملكة علياء زوجة ملك الأردن الراحل الحسين بن طلال سنة 1977 في حادث سقوط مروحية أثناء عودتها من زيارة لمدينة الطفيلة جنوبي البلاد، وتوفي معها في الحادث نفسه وزير الصحة الأردني وعدد من المرافقين. وبعد وفاتها، سُمّي المطار الرئيسي في العاصمة عمان باسمها.

سقوط الرؤساء

وعلى غرار الرئيس الإيراني الراحل فإن أكثر من 15 رئيسًا في السلطة لقوا حتفهم بعد سقوط طائراتهم أو إسقاطها، منذ خمسينيات القرن الماضي بينهم الرئيس العراقي عبد السلام عارف الذي سقطت طائرته جنوبي البلاد مع بعض الوزراء سنة 1966.

أما أبرز الناجين من حوادث الطائرات فهو الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الذي تعرضت طائرته لهبوط اضطراري في الصحراء الليبية 1992، واكتشفت فرق الاستطلاع الجوي والبري مكان الحادث، وتم إنقاذ عرفات وآخرين فيما لقي ثلاثة من مرافقيه حتفهم.

الملاحظ أن حوادث طائرات الرؤساء غابت عن الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية واليابان والدول التي يتم فيها تداول السلطة سلميًا، وكذلك عن الدول التي تتعاطى مع التكنولوجيا وتطورها، مثل كوريا الجنوبية وروسيا والصين، كما يمكن القول إن بعض الغموض الذي يحيط بمعظم الحوادث سببه انعدام الكفاءة والفساد الذي ينخر في عظام الأجهزة فيسهل الاختراق ومعرفة المسارات وزرع المتفجرات أو الإعطاب المتعمد، أو تجاهل الصيانة الضرورية للطائرات، أو دراسة أحوال الطقس جيدًا، كما أن الصراع على السلطة يفسر عددا من تلك الحوادث.

لا أحد يفهم

لا ينتبه كثير من الرؤساء أن رحلته في الحياة قد تنتهي فجأة بسقوط كارثي من علٍ في طائرة تحمل معه ميراث الجهل الذي زرعه والفساد الذي حرص عليه وجاء وقت حصاد كل هذا بين السحب أو فوقها مقيدًا في مقعد بلا حول ولا قوة منزوع السلطة والنفوذ ثم جثة ملقاة بين الحطام.

لا يتوقع كثير من الرؤساء والحكام أن خططهم للبقاء في الحكم لعقود أخرى أو لتوريث أبنائهم السلطة بعدهم قد تنتهي في لحظة واحدة عندما تختفي طائراتهم من شاشات الرادار في أبراج المراقبة، ويصبح الرئيس المهيب أو المعظم هو الرئيس الراحل، ويصبح حديث التغيير حتميًا حتى قبل ترتيبات الجنائز ومراسم الدفن.

المؤكد أن معظم الرؤساء في العالم لا يسمعون أنات الموجوعين ولا دعاء المكلومين، ولا مظالم مقيدي الحرية، ومن المؤكد أن أيًا منهم لو سمع سؤالًا ملهوفًا من مواطن ما في بلد ما يسأل السماء “متى تسقط طائرة الرئيس؟” سيتخيل أن السؤال يمكن أن ينطبق على كل رؤساء العالم عداه هو نفسه، وربما لو تجرأ أحد معاونيه وأخبره أن مواطنًا سأل هذا السؤال لاعتقد أنها حلقة من برنامج “الكاميرا الخفية”.

“متى تسقط طائرة الرئيس؟” سيبقى السؤال حاضرا في الدول القمعية والمتخلفة وستبقى الإجابة في انتظار طويل أو قصير لنبأ عاجل عبر شريط الأخبار.. “سقطت طائرة الرئيس”.

المصدر : الجزيرة مباشر