العرب شهود الإثبات والنفي

المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان (الفرنسية)

معركتان -قانونية وسياسية- غاية في الأهمية، بدأتا خلال الأسبوع الماضي ضد الكيان المحتل وقادته من الإرهابيين الخارجين على القانون والعقل والإنسانية، ويبدو النظام العربي الرسمي هو شاهد الإثبات والنفي الأهم، والأكثر قدرة على التأثير في المعركتين وفي مجريات الأحداث بشكل عام، لكن الأمر مشروط بأن يمتلك هذا النظام الرسمي الإرادة والرغبة في تغيير المشهد القائم في فلسطين المحتلة.

فمن مذكرة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية ضد قادة الكيان المحتل، مرورًا باعتراف ثلاث دول أوروبية بدولة فلسطين، تتسارع التطورات السياسية بشكل كبير، وتزيد من الضغوط على المحتل، وتضع العرب أمام مسؤولية كبرى أمام شعوبهم وأمام التاريخ الذي يسجل ولا ينسى.

قرار دولي شجاع وغير مسبوق

المعركة الأولى بدأها المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية والمحامي البريطاني الشهير كريم خان بطلبه الرسمي الشجاع من المحكمة إصدار مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الصهيوني الإرهابي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه المجرم يوآف غالانت.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

الاتهامات التي وجّهها “خان” إلى نتنياهو وغالانت كاشفة لمقدار الإرهاب والقتل اللذين مارسهما جيش الاحتلال المنفلت من كل القيم بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وهي كفيلة إذا لاقت دعمًا عربيًّا بأن تشكل -في الحد الأدنى- ضغطًا قويًّا على قادة الاحتلال، فضلًا عن إمكانية أن يتحول طلب المدعي العام إلى مذكرة رسمية صادرة عن المحكمة بملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة في أي مكان في العالم.

مذكرة كريم خان ضد نتنياهو وغالانت قالت إن الجرائم شملت تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، وتعمُّد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى بالجسم أو بالصحة، والقتل العمد باعتباره جريمة حرب، وتعمُّد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين، والإبادة بما في ذلك الموت الناجم عن التجويع والاضطهاد باعتبارهما جريمة ضد الإنسانية. وأضافت أن الجرائم ارتُكبت في إطار هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد السكان المدنيين الفلسطينيين عملًا بسياسة الدولة، وأن الأدلة شملت مقابلات مع ناجين وشهود عيان، ومواد مرئية وصورًا فوتوغرافية ومواد مسموعة ثبتت صحتها.

وبمقدار ما أثارت المذكرة الصادقة وغير المسبوقة في تاريخ الصراع العربي الصهيونى ضجة عالمية، أثارت فزعًا في الكيان المحتل، لدرجة دفعت كبار قادة العصابات الصهيونية المشاركة في الحكومة -والمعارضة لها- إلى شن هجوم شديد عليها وعلى كريم خان نفسه، وقال نتنياهو إن المدعي العام هو الذي عليه أن يقلق بشأن مكانته، وإنه “يحوّل الجنائية الدولية إلى مؤسسة منبوذة”، في تهديد واضح لخان والمحكمة.

موقف قادة العصابات الصهيونية لم يكن أكثر تشددًا من الموقف الأمريكي المنحط والمساند للعدوان منذ لحظته الأولى، إذ قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إنه سيعمل مع المشرعين الأمريكيين لبحث إمكانية فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، وأضاف خلال مشاركته في جلسة بالكونغرس الأمريكي أنه ملتزم باتخاذ إجراء ضد هذا “القرار الخاطئ”، في إشارة إلى مذكرة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.

قبل تصريحات بلينكن، نظم نواب الحزب الجمهوري حملة واسعة لفرض عقوبات على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية.

العرب شهود الإثبات والنفي

بتداعيات دولية وردود أفعال واسعة حدثت وستستمر خلال الفترة المقبلة، يصبح المطلوب من النظام العربي الرسمي أن يتحول -بلغة القانون- إلى شاهد الإثبات الأول على الاتهامات الصادرة في المذكرة الدولية ضد قادة الاحتلال، والدور الأساسي لشاهد الإثبات هو تأكيد الاتهامات عبر دبلوماسية نشطة وفاعلة، تقنع العالم بضرورة احترام قرارات المحكمة الدولية، وبجدية الاتهامات الواردة في مذكرة كريم خان، وتمنح المدعي العام وقضاة المحكمة بعضًا من الطمأنينة، وقدرًا من التشجيع على الاستمرار في خطوتهم القانونية المهمة والعادلة.

لكن قبل أن يتحول العرب إلى شاهد الإثبات عليهم الإدراك -والإيمان- أن تغييرًا دوليًّا كبيرًا وغير مسبوق يحدث فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وأن قضية العرب المركزية تعيش لحظة تاريخية فارقة ونادرة الحدوث، يمكن أن تشكل قفزة مهمة على درب كفاح الشعب الفلسطيني وحقه في الاستقلال، فالمؤسسات الدولية تنحاز إلى الحق الفلسطيني كما لم يحدث من قبل، والشعوب الغربية تدخل لأول مرة بقوة وبزخم غير مسبوق إلى ميدان الصراع.

بدون هذا الفهم الدقيق للحظة التاريخية التي تعيشها القضية الفلسطينية، والمتغيرات الكثيرة التي حدثت وما زالت تحدث بعد عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول الشجاعة، لن يستطيع النظام العربي الرسمي أن يتحرك إلى الأمام، وسيكتفي بدوره الذي اختاره منذ سنوات، وهو مشاهدة “المباراة” من مقاعد المتفرجين في مقصورة الحكم والقصور الرئاسية الفخمة.

في اللحظة ذاتها التي تضع الشعوب العربية مسؤولية شاهد الإثبات الرئيس في رقبة النظام العربي الرسمي، فإنها تضع مسؤولية شاهد النفي أيضًا في المكان نفسه، فقرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الخاص باتهام إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد الضيف بارتكاب جرائم حرب يجب التعامل معه- عربيًّا- بلهجة واضحة وقاطعة وحاسمة، تتبنى وجهة نظر سبق أن أكدتها تركيا، تقول إن “حماس” هي حركة تحرير وطني، وإن مقاومة المحتل حق تنص عليه القوانين الدولية وكل الشرائع والقيم الوطنية والإنسانية والأخلاقية، ومن هنا فإن دور شاهد النفي هو الدفاع عن الحق في المقاومة ذاته، وعن رفض كل قرار يضفي على الاحتلال شرعية من أي نوع.

إذا استطاع النظام الرسمي العربي” تسييد” هذا الخطاب السياسي المقنع، فإنه يكون قد أدى دور شاهد النفي بأروع ما يكون، واستفاد من التطورات السياسية المهمة التي حدثت خلال الأشهر الماضية بأقصى درجة ممكنة.

أوروبا تبدأ الاعتراف بدولة فلسطين

بعد قرار المدعي العام للمحكمة الجنائية الفريد في مضمونه، كانت قضية الشعب الفلسطيني على موعد مع تطور سياسي جديد ومهم صدر من ثلاث دول أوروبية دفعة واحدة هي: إسبانيا والنرويج وأيرلندا.

فوفقًا لما صدر عن قادة الدول الثلاث، فإن القراءة العادلة والمنصفة للعدوان الصهيوني على غزة دعتهم إلى اتخاذ قرار جاد ومهم بالاعتراف السياسي بدولة فلسطين.

هي المرة الأولى التي يصل فيها انحياز دول أوروبية إلى القضية الفلسطينية بمثل هذه الدرجة من الوضوح، ولا سيما أن الاعتراف سيفتح الباب واسعًا أمام دول أوروبية أخرى للسير على الطريق نفسه الذي يعلي من الراية الفلسطينية في العالم، ويزيد من عزلة المحتل وورطته وخسارته الاستراتيجية الفادحة.

الآن بات النظام العربي الرسمي أمام الدور نفسه، أي شاهد الإثبات ولكن بالمعنى السياسي لا القانوني هذه المرة.

فإذا فهم النظام العربي الرسالة، والتقط طرف الخيط الذي جاء من أوروبا، وبدأ رحلة كفاح سياسية يبشر فيها بالقرار الأوروبي، ويدعو دول العالم إلى أن تحذو حذو الدول الثلاث، فإن قفزة مهمة تكون قد تحققت لصالح الشعب الفلسطيني وقضيته.

في مزيد من الاعتراف الغربي بدولة فلسطين انتصار سياسي باهر، وفي استمرار قطار الاعتراف وتعدد محطاته ما يرسّخ الانتصار الاستراتيجي الذي تحقق حتى الآن، ويرد على كل المشككين في جدوى عملية السابع من أكتوبر رغم كل التضحيات الصعبة التي دفعها أهل غزة.

النظام العربي أمام اختبارين: أولهما جاء من المحكمة الجنائية الدولية، والآخر اختارته دول أوروبية انحاز حكامها إلى العدل والضمير والإنسانية، وما سيكتبه العرب في حل الاختبارين هو نفسه ما سيسجله التاريخ بين صفحاته، الأبيض منها والأسود!

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان