الحقائق السابقة تفسر اللحظة.. شكرا تشومسكي وبابيه

المفكر والفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي
المفكر والفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي (غيتي)

قبل أن ينتهي شهر مايو/أيار الجاري (2024)، تعرض المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه إلى الإيقاف والاستجواب في مطار ديترويت بالولايات المتحدة. وكان قادما لأجل ندوات ولقاءات وإلقاء محاضرات ضد حرب الإبادة على غزة، من بريطانيا التي هاجر إليها ويعمل أكاديميا بجامعاتها، ناجيا بيهوديته وإنسانيته ومتمردا على الصهيونية.

في مقال بالغارديان البريطانية يوم 21 مايو شرح بابيه ما جرى من استجواب لمدة ساعتين بشأن آرائه في حركة حماس وشعار “فلسطين حرة من النهر إلى البحر”، وأيضا عن علاقاته واتصالاته بمنظمات وشخصيات مسلمة وعربية أمريكية، وأرقام هواتفها التي يحتفظ بها.

وفي المقال طرح المؤرخ المحترم، الذي طالما كشف بالمنهج العلمي وبالوثائق والشهادات خطايا وجرائم الصهيونية وإسرائيل على مدى أكثر من 76 عاما، ما تتعرض له حرية التعبير في مجتمعات عالم الشمال النيوليبرالي من تهديدات وتضييقات جراء دفاع الحكومات والمؤسسات والشركات العملاقة وكبار رجال الأعمال والمال عن جرائم إسرائيل.  وها هي تصل إلى ممارسة القيود على حرية التنقل والسفر. وليس ذلك مع الرجل صاحب المقال فقط، أو في الولايات المتحدة وحدها.

3 أخطاء..

هل نتجنبها؟

من الخطأ ألا ننتبه إلى الجهد الفكري والبحثي العلمي والإعلامي لعشرات السنين من جانب يهود وغربيين شجعان في كشف حقيقة الصهيونية وداعميها، واستحالة وخطورة التعايش معها والقبول بها، وكيف أسهمت هذه الجهود في الوعي بالتاريخ واللحظة عند حركة الطلاب والشباب الناهضة حاليا بالجامعات إنصافا لفلسطين وشعبها.

وسيكون الخطأ مضاعفا ومتواصلا إذا لم نهتم بظهور مفكرين ومنظرين وقادة حركيين شبان وجدد في هذا الميدان تفاعلًا مع عملية “طوفان الأقصى” وحرب الإبادة الصهيونية الجارية، وأن نقدمهم إلى قراء العربية، ونمدّ معهم جسور تواصل من أجل عمل مشترك.

وثالثا سيكون من قبيل إهدار الممكنات والمتاح أمامنا، ولا أقول الفرص، إن لم نبذل الجهد اللائق من أجل التقاء فعال بين حركات نقد ومعارضة النيوليبرالية وتجاوزها وبين الموجة العالمية العاتية حاليا المناهضة للصهيونية المساندة لفلسطين. وذلك لأن هذا اللقاء ينطوي على دينامية مفتوحة على تحولات مستقبلية بالنسبة للإقليم هنا وعموم العالم.

من أجل جبهة

بين تيارين عالميين

واللافت أن مقال بابيه، وأدبيات شخصيات حرة أخرى مناهضة للصهيونية منذ 7 أكتوبر 2023، يتقدمها يساريون، تحمل إشارات قوية للحاجة إلى هذا الالتقاء، وبناء جبهة موحدة بين هذين التيارين العالميين.

وبالطبع فإن ما جرى في مطار ديترويت هذا الشهر وطبيعة الأسئلة عند استجواب المؤرخ اليهودي اليساري تترجم وعي أعداء تجاوز الإنسانية للنيوليبرالية والصهيونية معا بخطورة احتمالات هذا اللقاء.

كتاب “غزة في أزمة”

مؤخرا حمل صديق مصري جاء من كندا في زيارة لوطنه مصر معه طبعة جديدة مزيدة من كتاب “غزة في أزمة: تأملات في الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين” باللغة الإنجليزية، الذي صدر أولا عام 2010. وهو مؤلف مشترك لبابيه ونعوم تشومسكي المفكر الأمريكي اليهودي، واليساري أيضا.

وبالمناسبة، دعا الأخير بدوره مع صعود التضامن الطلابي بالغرب مع فلسطين كل الحركات التي تناضل من أجل العدالة الاجتماعية إلى إقامة جبهة موحدة مع التيار الصاعد بقوة ضد الصهيونية، وفي مواجهة سلطات دول وشركات ومؤسسات، هي ضد العدالة الاجتماعية وحقوق الشعب الفلسطيني سواء بسواء.

ويتضمن الكتاب دراسات ومقالات علمية موثقة بالمصادر لتشومسكي وبابيه، وحوارات معمقة معهما أجراها الكاتب والسينمائي والناشط الفرنسي المناصر للقضية الفلسطينية فرانك بارات، مع تخطيط وتحرير الكتاب. ومن الواضح أن الكتاب وما يشابهه أصبح يتصدر اهتمامات القراء وتوزيع الكتب وواجهات المكتبات في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وغيرها. وكأننا الآن إزاء عملية إعادة اكتشاف لهذا التراث من الكتب والدراسات.

وعندما نعكف على قراءة هذا الكتاب اليوم سنعلم أهمية مثل هذه الجهود الفكرية في لحظتنا الراهنة. ولا يتسع المقام في حدود المقال هنا للإشارة إلى كل ما يتضمنه الكتاب خلال فصوله الأحد عشر وصفحاته الـ275 وما فيها من معلومات موثقة وحقائق سابقة تفسر الحاضر.

وسأكتفى في هذا السياق، بالنقاط التالية على سبيل المثال لا الحصر:

  • محاولة فهم مجريات القضية الفلسطينية حاضرا ومستقبلا قاصرة ومضللة بدون العودة إلى النكبة ومسار الاستعمار الصهيوني الذي قاد إليها ومجازرها وتطهيرها العرقي وطرد نحو نصف الشعب الفلسطيني خارج أرضه وبيوته ومن حياته. ولذا فإن إسرائيل ومن يصالحها ويحالفها ويدعمها يعملون على إنكار النكبة وتداعياتها الحية إلى اليوم.
  • العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني واستهداف المدنيين بالإبادة سابقان للسابع من أكتوبر 2023، فهما مستمرّان منذ 1948. لكن عقاب كل غزة في موجاته المتوالية منذ 18 عاما جاء بسبب وفور ممارسة الناس هناك حق التصويت لحركة حماس مطلع 2006، فيما يعتبر أكثر الانتخابات العربية حرية ونزاهة. ولذا فهو عقاب جماعي ضد الديمقراطية. ويشارك فيه أعداء حرية الشعوب في المنطقة العربية وخارجها إلى جانب إسرائيل.
  • مشكلة إسرائيل مع حماس بالأساس في معارضتها سياسيا لفرض حل على الفلسطينيين لا يمنحهم الحرية والسيادة، وليس في صواريخها البدائية التصنيع. ولأنها متجذرة بين أهل غزة فإن تدمير الحركة غير ممكن بدون تدمير المجتمع.
  • طالما خرقت إسرائيل العديد من اتفاقات وقف إطلاق النار مع حماس. وهذا هو حالها في المواجهات السابقة مع الجيوش العربية. لحصار قطاع غزة وموجات العدوان المتوالية عليه دوافع إضافية تتعلق باكتشاف الغاز في مياهه الإقليمية، وتعاقد تل أبيب مع شركات كبرى نفطية لسرقته واستثماره.
  • لا فرص لتغيير إسرائيل من الداخل، بل لا بد من ضغط خارجي.
  • ضرورة رفض الصهيونية باسم اليهودية والقيم الإنسانية الكونية.
  • القبول الأمريكي الغربي للعدوانية الإسرائيلية بمثابة امتداد للقبول بالتمييز بين الأغنياء الأقوياء والفقراء الضعفاء عند سلطة الحكم والمال في هذه المجتمعات. كما أن إمداد آلة الحرب ضد الشعب الفلسطيني بأحدث أنواع السلاح وأشد الذخائر فتكا ينشط الصناعات الرأسمالية الأمريكية والغربية للسلاح وما يرتبط به من صناعات ومصالح وأرباح، ويسمح بتجريب مستحدثاتها. وهي صناعات يساهم في تمويلها حكام ورجال أعمال عرب.

*

لا يمكن إنكار فضل هجوم “طوفان الأقصى” وأبطال حماس وغيرها من فصائل المقاومة وصمود الشعب الفلسطيني أمام حرب الإبادة الجارية منذ 7 أكتوبر كل لحظة ودقيقة، ومفعول انتشار أخبارها وصورها الهائل على صعيد عالمي، ومهما بلغت القيود والتضليل في الإعلام التقليدي.

بالفعل هذه أحداث جسام مفتوحة على احتمالات تغيير مستقبل فلسطين والعرب والإنسانية. لكن كل تغيير لا يسقط على أرض الواقع فجأة بالمظلات. فاستقبال الناس، حتى للأحداث الجسام الطاغية الحضور والوقع، لا يجرى في فراغ بلا تاريخ مضى وسياقات.

ومن هنا تأتي أهمية أن نعي ونفهم ونتفاعل مع كل جهد في ميادين العمل الفكري والبحثي والسياسي والثقافي والإعلامي وغيرها.

ولذا يحق القول: شكرا تشومسكي وبابيه لأن شجاعة قول الحقائق في الماضي تفسر اللحظة. كما تمنحها ممكنات وآفاق العمل وبناء تحالفات من أجل عالم أكثر إنسانية بدون الإبادة العنصرية الصهيونية وتوحش النيوليبرالية.

المصدر : الجزيرة مباشر