شهيدات “المعدّية” وحفل “الساهر”.. الفقر والبذخ

أهالي الضحايا (منصات التواصل)

 

الثلاثاء 21 من مايو/أيار الجاري، كان يوما حزينا في مصر، فقد تُوفيت 17 فتاة غرقا في نهر النيل، لم ينزلن النهر بإرادتهن للسباحة مثلا، إنما كنا متجهات إلى العمل لكسب جنيهات يسترن بها أنفسهن ويساعدن أسرهن.

هناك أسباب فردية ورسمية قادت إلى المأساة، وهى الأسباب ذاتها التي تؤدي إلى وقوع عشرات الحوادث المماثلة، وهى الغرق في النيل، أو السقوط  في الترع لمواطنين يجمعهم شقاء الحياة.

أحدث ضحايا الإهمال والإخفاق الحكومي في علاج مظاهر الخلل وإزالة أسباب حدوث الكوارث البشرية، هن فتيات تتراوح أعمارهن بين 12 و17 عاما، كن يركبن حافلة (سيارة ميكروباص)، تحملها “معدّية” ممتلئة بالناس والبضائع وتعبر النيل من ضفة إلى أخرى، وعند وصولها إلى الشاطئ سقطت الحافلة في الماء.

ولكم أن تتخيلوا سيارة ركابها 14 فقط كان محشورا فيها 26 فتاة، أي ضعف عدد الركاب الطبيعي، ولهذا يرتفع عدد الضحايا حتما.

الفاجعة والعجز الرسمي

ما حدث فاجعة لا ينبغي أن تمر بوصفها حادثا ينال بعض الاهتمام الإعلامي، وتُمنح أسر الضحايا تعويضات مالية رمزية، ثم ننتظر الحادث التالي، وهكذا في متوالية بلا نهاية.

وليست المشكلة فقط في العدد الكبير من الفتيات اللائي وُضعن في السيارة، وليست في أن شبانا في “توكتوك” على “المعدّية” كانوا يعاكسون فتاة منهن فاشتبك معهم السائق دفاعا عن البنات دون تأمين سيارته بالمكابح، وليست في أن “المعدّية” قديمة وبلا ترخيص ودون حاجز معدني في الجزء الخلفي منها لتأمين كل من عليها إذا اصطدمت وتعرضت لمكروه.

نعم، هذه أسباب مهمة نتج عنها سقوط الحافلة في الماء وإزهاق أرواح الفتيات البريئات المكافحات اللائي يحملن هموم الحياة مبكرا، إنما جوهر المشكلة في العجز الرسمي الواضح في حماية أرواح المواطنين، وتحسين أحوالهم، وتوفير الحياة الكريمة الحقيقية لهم بشكل عملي.

“معدّيات” بدائية

“المعدّيات” التي تعمل في النهر لنقل الركاب والبضائع والحافلات وسيلة بدائية وعتيقة وأخطارها كثيرة، والأرشيف مليء بالمآسي والأرواح التي ذهبت إلى الآخرة غرقا تشتكي العقلية الحكومية التي لا تواكب احتياجات الناس الماسّة في المشروعات العامة والبنية التحتية والجسور البديلة للمعدّيات البالية.

حتى المراكب النهرية التي تُقلّ الناس للتنزه في النهر والاستمتاع ببعض الوقت والهرب من أعباء الحياة المرهقة ليست آمنة بما يكفي، وليس مضمونا أن من يركبها سيعود إلى الشاطئ سالما.

إنه الإهمال واللامبالاة والفساد الذي يستوطن داخل الأفراد والجهات المختلفة، بجانب الرقابة الشكلية والمحاسبة الغائبة.

كوارث أخرى

ليست كوارث الغرق فقط التي تحاصر الناس، بل حوادث الطرق، إذ تسجل مصر مركزا متقدما في كثافتها وكثرة ضحاياها، وهم بالألوف سنويا، والمباني القديمة الآيلة للسقوط التي عندما تنهار تنتزع أرواح المئات، والحرائق، وغيرها من الكوارث التي لا تريد أن تفارق وادينا الطيب، ما دامت الحكومات المتعاقبة لا تقوم بدورها، ولا ترى نفسها مسؤولة أمام شعبها، وتعلم أن مواطنيها ليس بيدهم إبقاؤها أو صرفها.

شهيدات لقمة العيش كن يتجهزن للعمل منذ الفجر، ويَعُدن في المساء يتناولن طعامهن ويخلدن إلى النوم لمواصلة رحلة الكفاح في اليوم التالي، وهكذا، بينما وهُنّ في هذه السن الصغيرة كان من حقهن على السلطة أن يستمتعن بحياتهن، يقضين إجازة مدرسية في التنزه، أو ممارسة المهارات التي يحبونها، وغير المتعلمات منهن يخرجن للعمل -إذا رغبن- عندما يكُنّ قادرت على أعباء العمل، وليس وهُنّ طفلات.

وما يدفعهن إلى العمل هو فقر أسرهن، وعدم قدرة الأب أو الأم أو الأشقاء على توفير متطلبات الحياة، خاصة في هذه المرحلة حيث الغلاء الطاحن وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل لم يكن يتصوره أشد الناس تشاؤما.

العدالة الغائبة

أين العدالة الاجتماعية؟ وأين رعاية المواطنين والتخفيف عنهم والسهر على راحتهم وبذل كل الجهود الممكنة لدعم الفقراء ومن هم تحت خط الفقر ومحدودي الدخل والفئات المهمشة والضعيفة ومختلف الشرائح المجتمعية التي تتساقط إلى أسفل وتعجز عن تلبية مطالب البقاء واقفة بكرامة وشرف وتعفف؟

هذا هو جوهر القضية، فالناس يتكالبون ويتصارعون ويتقاتلون ويختلفون ويشتبكون معا بعنف بسبب قسوة المعيشة وغياب اليقين، وهم يدفعون بأطفالهم ونسائهم إلى العمل ولو كان شاقا، والرجال يمارسون  أكثر من وظيفة أو مهنة لتوفير الحدود الدنيا من تكاليف العيش الصعب.

كل مشروعات الجمهورية الجديدة مهمة، إنما كان الأهم مشروعات الجمهورية القديمة، إذا جاز التعبير، وكان الأجدى والأنفع والأصلح تطوير وتحسين وتنمية الدولة القديمة في مختلف مناطقها ومحافظاتها ومدنها وقراها لأنها سكن الناس وحياتهم ومعاشهم وبقاؤهم ووجودهم.

كان الأصح تطوير المبنى والمعنى، أي الاعتناء بالمنشأة وساكنها، وتحسين البنية الأساسية المتهالكة في الجمهورية القديمة، وهى الأصل والأبقى، وتوفير الخبز الجيد الكريم للناس، وليس جعلهم يتحسرون على الماضي ويتمنون رجوعه.

فجوات مجتمعية هائلة

شهيدة المعدّية كانت تعمل ساعات طويلة يوميا مقابل 190 جنيها، بينما فتاة أخرى في سنها ستدفع 32 ألف جنيه لحضور حفل للمطرب كاظم الساهر بمصر في 28 من يونيو/حزيران المقبل.

لست ضد الحفلات والاستمتاع، لكني ضد الترف والبذخ، وضد الفجوات الهائلة في بنية المجتمع التي تزداد اتساعا وتنذر بأخطار جسيمة، وتعود بنا إلى ما كان يُسمى “مجتمع النصف في المئة” قبل يوليو/تموز 1952 الذي يحتكر الثروة والسلطة والنفوذ، بينما الغالبية العظمى من الشعب لا تمتلك شيئا، وتعاني الجهل والفقر والمرض والحفاء والظلم والذل.

عندما يكون هناك فقر مدقع وثراء فاحش فإن المجتمع ليس بخير، وهذا إنذار يجب الإنصات إليه.

المصدر : الجزيرة مباشر