ماذا بعد الاشتباك بين الجيشين المصري والإسرائيلي في رفح؟

آثار قصف إسرائيلي على منطقة مخصصة للنازحين في رفح جنوب قطاع غزة (رويترز)

لم يكن الاشتباك بين القوات المصرية والجنود الإسرائيليين الذين يحتلون معبر رفح من الجانب الفلسطيني إلا بداية التصعيد المتوقع، فإطلاق النار هذه المرة لم يقم به جندي بمبادرة فردية مثل سليمان خاطر وأيمن حسن ومحمد صلاح، وإنما معركة محدودة بين الجيشين، بعد تكرار الاستفزازات من الإسرائيليين الذين يحتلون المعبر والشريط الحدودي، استشهد فيها جندي مصري، حسب بيان القوات المسلحة المصرية.

كان متوقعا حدوث التصعيد بسبب حالة الجنون وفقدان العقل التي تسيطر على قيادة الاحتلال بعد الهزائم المتواصلة أمام المقاومة الفلسطينية في شمال ووسط القطاع، فنتنياهو المنفلت والمحاصر دوليا يريد السيطرة على محور صلاح الدين (فيلادلفيا) وتدمير رفح، وفرض حصار محكم علي قطاع غزة بالقوة المسلحة، دون أي احترام لاتفاقيات السلام الموقعة مع مصر.

كانت الدبلوماسية المصرية هادئة لينة وهي تدين رغبة الاحتلال في اجتياح رفح، وتبرر الإدانة بما يترتب على العملية العسكرية من كوارث إنسانية ومعاناة للنازحين؛ وليس بسبب مخالفة اتفاقيات السلام الموقعة، ولكن عندما اقتحمت الدبابات الإسرائيلية معبر رفح ورفعت الأعلام الإسرائيلية عليه، وانتشرت الآليات في ممر صلاح الدين أصبح واضحا أن الرهان على الموقف الأمريكي والدولي الرافض لاجتياح رفح كان تفكيرا غير صحيح.

التحذير المصري: كل السيناريوهات المتاحة

بعد طوفان الأقصى رفضت مصر تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، ورغم أن الأمة كانت تنتظر أكثر من ذلك، لكن هذا الموقف أفشل كل الخطط الإسرائيلية لتفريغ غزة من أهلها، ووضع الاحتلال في موقف مرتبك، فلا هو قادر على هزيمة حماس ولا هو قادر على التخلص من كل الفلسطينيين رغم أطنان القنابل التي ألقاها فوق الشمال والوسط، فتسبب التدمير الواسع والقتل بالجملة في تحول الرأي العام الدولي ضد ما يجري من إبادة جماعية، وانقلبت كل الحسابات.

لقد أثارت الجرائم التي ارتكبها الاحتلال في غزة موجة غضب عارمة في الشارع المصري، وكان تقييم كل العقلاء أن سيطرة غلاة المتطرفين من أحزاب الصهيونية الدينية على الحكومة الإسرائيلية مع نتنياهو سينفجر في النهاية ضد مصر، رغم كل ما جرى من تطبيع وتقارب وتحالف سياسي، لذا كان واضحا من التحركات الميدانية والتدريبات والتصريحات أن الجيش المصري يستعد لمواجهة خطر قادم، بغض النظر عن الموقف السياسي الذي تقيده اعتبارات الوساطة والمفاوضات من أجل الهدنة ووقف الحرب.

مع دخول الدبابات الإسرائيلية رفح نشر الإعلام الصهيوني المزاعم عن أن العملية العسكرية تمت بالتنسيق مع مصر؛ فنشر الإعلام المصري يوم الأربعاء 22 مايو تصريحا شديد اللهجة لـ “مصدر مصري رفيع المستوى” قال فيه: “إن احترام مصر لالتزاماتها ومعاهداتها الدولية لا يمنعها من استخدام كل السيناريوهات المتاحة للحفاظ على أمنها القومي، والحفاظ على الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني”.

وأشار المصدر إلى “أنه لا صحة لما تداولته وسائل الإعلام الإسرائيلية حول وجود أي شكل من التنسيق مع إسرائيل بشأن العملية العسكرية في رفح الفلسطينية” وأوضح المصدر أن “وسائل الإعلام الإسرائيلية تتعمد نشر أخبار غير صحيحة لصرف الأنظار عن حالة التخبط التي تعاني منها إسرائيل داخليا”، وأضاف المصدر أن “الموقف المصري ثابت تجاه العدوان الإسرائيلي منذ اللحظة الأولى ويضع الأمن القومي المصري وحقوق الشعب الفلسطيني في مقدمة أولوياته”.

ورفضت مصر الاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي لمعبر رفح، وامتنعت عن التعاون والتنسيق مع الإسرائيليين، وأعلنت أن المعبر مصري فلسطيني، وأصرت  الحكومة المصرية على هذا الموقف ورفضت الضغوط الغربية، وقد أيدت حركة حماس الموقف المصري والتأكيد على الوجود غير الشرعي للجيش الإسرائيلي، الذي يريد البقاء وتطويق القطاع لمزيد من الحصار والتجويع ودفع الفلسطينيين للهجرة.

معركة صغيرة ونتائج كبيرة

رغم حرص أطراف كثيرة على احتواء الصدام بين مصر وإسرائيل ومنع تطوره إلى صراع عسكري والسعي لتجميد الخلافات؛ فإن هذه المعركة الصغيرة كشفت عن عمق العداء بين الأمة المصرية والاحتلال الصهيوني، فهذا الصدام المحدود نسف سياسات التطبيع وتجميل صورة الكيان الصهيوني، إذ أثبت أن الإسرائيليين لا عهد لهم ولا ميثاق.

أهم الانطباعات بعد الاشتباك في رفح هو أن الجنود المصريين لو أتيحت لهم الفرصة سيهجمون على الإسرائيليين كالأسود، فعقيدتهم القتالية لم تتغير رغم عقود من الدعاية للتحالفات واتفاقيات التعاون ومزاعم المصالح المشتركة، فهم يرون أن الإسرائيليين هم العدو، ولقربهم من الحدود يرون بأعينهم على مدار الساعة القصف الإجرامي وجرائم الإبادة ضد إخوانهم الفلسطينيين.

أكدت المعركة المحدودة في معبر رفح أن الجنود المصريين يوجهون بنادقهم إلى الإسرائيليين فقط، ولا يوجهونها أبدا إلى إخوانهم الفلسطينيين، وهم بعقيدتهم القتالية هذه يوجهون أكبر ضربة لخطط إدارة بايدن والغرب لإدارة غزة بعد الحرب، فكل الخطط المطروحة لما يسمى بـ “اليوم التالي للحرب” تعتمد على قوات عربية من “تحالف أبراهام” لحماية الحكومة المدنية التي ستتولى إدارة غزة بعد حماس، وحسب أمنياتهم فإن القوات المصرية هي صلب القوة العربية التي ستوجد في غزة للتصدي لحماس، ولا ندري من أين جاؤوا بهذه الأفكار الساذجة؟ ومن الذي ضحك عليهم وخدعهم بهذه الأوهام؟

ففي الخطة التي أعدها البيت الأبيض بالاشتراك مع وزارة الخارجية والبنتاغون ونشرتها الصحيفة الأمريكية ” بوليتيكو” هذا الأسبوع فإن بايدن سيعين حاكما مدنيا أمريكيا لقطاع غزة ينسق العلاقات بين إسرائيل والقوات العربية (معظمها فلسطينية ومصرية) التي ستحمي الإدارة البديلة لحماس، وأن الحاكم الأمريكي لن يقيم في غزة خشية اغتياله، وسيكون مقره في سيناء أو الأردن، وشرحت الخطة التي وضعها متخلفون عقليا وسكارى تفاصيل مملة عن القوات المصرية والعربية التي ستشارك في الدفاع عن إسرائيل في غزة!

ذريعة الأنفاق وتهريب السلاح من مصر!

لقد تخطت الحالة النفسية لنتنياهو ومعاونيه من زعماء الأحزاب الدينية مرحلة الاحتواء ولا علاج لهم إلا بالحجر عليهم وعزلهم قبل أن يتسببوا في المزيد من الكوارث، وقد كشفت الثمانية أشهر الماضية أنهم مجموعة من مصاصي الدماء، يشعرون بأنهم فوق القانون ولا يبالون بالنظام الدولي؛ ويتهمون الأمم المتحدة بالإرهاب، ويسبون الأمين العام أنطونيو غوتيريش، ويريدون طرد الأونروا؛ فلم تردعهم محكمة العدل الدولية ولا المحكمة الجنائية الدولية ولا مجلس الأمن.

لم يتوقف هؤلاء المتطرفون الإسرائيليون عن ترديد الاتهامات ضد مصر، وكل يوم يبحثون عن شماعة يعلقون عليها هزائمهم، وعندما قرروا دخول رفح زعموا أنهم يريدون القضاء على ما تبقى من كتائب حماس، ثم بدؤوا يطرحون السيطرة على الأنفاق التي يحصل منها الفلسطينيون على السلاح من مصر، ثم صرح بعض هؤلاء الموتورين بأن حماس هربت الرهائن الإسرائيليين إلى سيناء؛ أي أن أطماعهم لن تتوقف عند احتلال رفح وإنما ستمتد إلى سيناء حتى يشعروا بالأمان المفقود.

الأطماع الصهيونية في شرق سيناء

عندما نقول عنهم أنهم مجانين فليس معنى هذا أنهم يتحركون بلا هدف، وإنما لم يعد لديهم حسابات أو اعتبارات، فالهزيمة التي يعيشونها تجعلهم يشعرون أن وجودهم مهدد، ولا يقبلون التعايش مع مرحلة جديدة فيها حماس باقية، وطالما لا يوجد لهم رادع فهم يرون أن من حقهم فعل أي جريمة حتى لو كانت الإبادة، وضد أي طرف حتى لو كان دولة، لاسترداد الردع وتخويف الجوار.

عندما يهزي نتنياهو ويكرر أنه سيقضي على حماس ويحقق “انتصارا ساحقا” فلنتوقع منه الاندفاع في حروب لا نهاية لها، طمعا في تعويض الفشل أمام حماس وحركات المقاومة، لذا عندما قصفت الطائرات الإسرائيلية القنصلية الإيرانية في سوريا لم تكن مغامرة غير محسوبة، وإنما كانت قفزة من نتنياهو لإجبار الإيرانيين على الرد ليقوم بتدمير المفاعل النووي وتحقيق نصر يعيد للإسرائيليين هيبتهم الضائعة، ولكن كان الرد الإيراني مزلزلا وخرجت “إسرائيل” من المعركة مهزومة.

قد يفكر نتنياهو وعصابته تحت ضغط الفشل العسكري المتواصل في المغامرة والدخول في معركة ضد مصر، وخططهم جاهزة وليست وليدة اللحظة، وتشير الخرائط التوسعية (خريطة إيتمار بن آفي) إلى الأطماع الإسرائيلية في شرق سيناء، من رفح حتى العريش ومن طابا حتى نخل كمرحلة أولى، ثم جنوب سيناء في المرحلة الثانية.

في ظل الانتصارات التي تحققها حماس، خاصة في جباليا التي تحولت إلى مقبرة للجيش الإسرائيلي وبداية عمليات أسر الجنود وسحلهم في الأنفاق؛ قد تفكر عصابة مصاصي الدماء الإسرائيلية تحت ضغط الفشل في تحقيق أي إنجاز في غزة بالبحث عن مغامرة خارجها، ولو بالانتحار، وتطبيق نظرية شمشون “على وعلى أعدائي” بارتكاب حماقة ضد مصر، لكن إن قرر الإسرائيليون ذلك فسيجدون ما لم يتوقعوه، وسيكون الدرس قاسيا، فطوفان الأقصى فضح هشاشة الاحتلال الذي يعيش مثل عتل زنيم خلف جدران من الأكاذيب، ينتظر من يصفعه.

 

المصدر : الجزيرة مباشر