الوجه الآخر للديمقراطية ورسالة الشعوب الغربية

Pro-Palestinian supporters continue their campus encampment at Vanderbilt University on Friday. campus Friday, (George Walker IV/AP)
استمرار الاحتجاجات داخل الجامعات الأمريكية لوقف الحرب على غزة (أسوشيتد برس)

ظل الغرب الأوروبي عامة والأمريكي خاصة لسنوات طويلة يمثل رمز الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة، ووجهة قلوب التائقين إلى التحرر من كل القيود المفروضة على ما يُسمى العالم الثالث، سواء كانت حرية ثقافية أو سياسية أو أيديولوجية، وظل حلم الهجرة الذي شهدت عليه قوارب الهجرة الغارقة في معظمها يراود ملايين الشباب للنزوح العقلي والروحي قبل الجسدي إلى تلك البلاد تاركين خلفهم كل شيء، الأسرة والتاريخ والذكريات والحضارة والتقاليد والموروثات، وحلم الثورة الذي توقف عند اشتعالها ثم اختطافها بيد الخلافات والتشرذم وملاحقة كرسي الحكم، لكن يبدو أن الغرب نفسه لم يستطع صبرا فبادر إلى كشف وجهه الآخر حين جد الجد، وحين أسفرت الحرية عن حقوق ليست لهم وقد أقنعوا العالم طويلا بأنهم أصحابها.

لقد كانت هناك رواية واحدة تخصهم، لكن هذه المرة لم يستطيعوا إثبات تلك الحقوق، وقد أقنعوا العالم بمحرقة لم يشهدها، واليوم لم يعد باستطاعتهم إنكار محرقة يشهد عليها الجميع، فانتفضت شعوبهم التي رأت بعيونها، وانتفض طلابهم أصحاب المستقبل الواعد، فكشرت الحرية الغربية عن أنيابها تجاه افتضاح أمرها، وعرفوا ما لم يعرفوه من قبل من مصطلحات كانت يوما خاصة بالعالم الثالث، اعتقال، ملاحقة، تعذيب، فصل من العمل، فصل من الجامعة، كل هذا مقابل تظاهرات سلمية وخلاف في الرأي.

تاريخ مشبوه وحريات مزعومة

الموقف الغربي تجاه الحريات حين تتعلق بالآخرين ليس وليد اليوم، أو تجاه القضية الفلسطينية وحدها حين تجاوزت معاييره كل المقاييس الإنسانية والدولية المعروفة، ولم يكفه معيار واحد يحكم به بين طرفين متناحرين، أحدهما قام بغرسه بنفسه في قلب العروبة ليحرس مصالحه ويتحدث باسمه كابن لقيط لا يملك تاريخا أو حقا، ولا يستطيع الحفاظ على مستقبل بما أنه لا يملك ماضيا، فالتاريخ الغربي تجاه الحريات مشبوه، وخير شاهد على ذلك ديمقراطيته في أفغانستان والعراق وغوانتانامو وأبو غريب، وتعامله مع المعارضين لسياساته الدموية تجاه الأبرياء، ومحاولة تجميع الجرائم الغربية تجاه المسلمين تحتاج إلى مجموعة من الأبحاث المطولة، وسأكتفي فقط بذكر بعض تلك الجرائم في بلادنا لإظهار حقيقة ديمقراطيتهم الموهومة:

ففي تحقيق لموقع (بي بي سي) يكشف تفاصيل “جرائم” ارتكبتها القوات الخاصة البريطانية في أفغانستان أعده هنا أوغراي وجويل غانتر بتاريخ 12 يوليو/تموز 2022، جاء فيه:

خلص تحقيق أجرته “بي بي سي” إلى أن أفرادا تابعين للقوات الجوية الخاصة في أفغانستان ارتكبوا عمليات قتل بصفة متكررة بحق معتقلين ورجال عُزل في ظروف مريبة. واستطاعت خدمة “بي بي سي بانوراما” تحليل مئات الصفحات لروايات تتعلق بعمليات نفذتها القوات الجوية الخاصة، بما في ذلك تقارير عن شن أكثر من 12 غارة بهدف “قتل أو أسر” أفراد تابعين لطالبان، نفذها سرب من القوات الجوية الخاصة في ولاية هلمند خلال عامي 2010 و2011.

كما أشار تقرير اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي زارت سجن أبو غريب في العراق، إلى أن ما بين 70% و90% من المعتقلين العراقيين عند الأمريكيين اعتُقلوا بالخطأ، وأن 600 فقط أحيلوا إلى المحاكمة من بين 43 ألف معتقل، كما أن هذه الاعتقالات كانت عشوائية. وذكر التقرير أيضا وسائل التعذيب المستخدمة في السجن، ومن بينها إجبار السجناء على ارتداء الأقنعة وأغطية الرأس لمدة أربعة أيام متتالية، كما عاينت اللجنة وجود سجناء عراة، ورصدت تصرفات القوات البريطانية في مواجهة المعتقلين، ومن بينها وضع بعضهم وهم عراة في ظلام دامس، وإجبار آخرين على ارتداء ثياب نسائية. وقد تابع العالم تلك المشاهد بعد افتضاحها إعلاميا، ولا يستطيع أحد أن يدعي أنها ممارسات استثنائية في سياسة الولايات المتحدة تجاه المعارضين عامة والمسلمين خاصة، والشواهد على ذلك تاريخيا لا تُعَد ولا يمكن حصرها في مقال.

مؤسسات دولية يجب وقفها

ومما يدعو إلى السخرية أن تأتي قرارات المحكمة الجنائية الدولية في هذا الوقت الحرج لتساوي بين الجاني والضحية، والمحتل وصاحب الأرض، وتخالف القوانين الدولية بأحقية صاحب الأرض بالدفاع عن ممتلكاته بكل السبل المتاحة. ليس هذا فقط، بل يصرح رئيس مجلس النواب الأمريكي قائلا “ليس للمحكمة الجنائية الدولية سلطة على إسرائيل أو الولايات المتحدة، قرار المحكمة الجنائية غير مشروع ولا أساس له، ويجب أن يواجَه بإدانة عالمية”.

أمّا نتنياهو فقال “الأمر السخيف والكاذب الذي أصدره المدعي العام في لاهاي ليس موجَّها فقط ضد رئيس وزراء إسرائيل ووزير الدفاع بل إنه موجَّه ضد دولة إسرائيل بأكملها”.

كما قال وزير دفاع الكيان الصهيوني يوآف غالانت “مقاربة المدعي العام للجنائية الدولية بين حماس الإرهابية وإسرائيل أمر مثير للاشمئزاز”.

أمّا بيني غانتس فقال “وضع قادة دولة تخوض معركة دفاع عن مواطنيها على قدم المساواة مع إرهابيين هو عمل غير أخلاقي”.

إن تلك المؤسسات التي صنعها الغرب لخدمة أغراضه هو دون مصالح الغير لم تعد صالحة للاستمرار، وإن انتزاع الريادة من الغرب وفرض قوانين أكثر عدالة أصبح واجب الإنسانية بعد أن انكشفت الحقائق كاملة.

انكشاف الديمقراطية الغربية داخل بلادها

لم تستطع الديمقراطية الغربية أن تخفي وجهها الآخر أمام مواطنيها بداية من بعض الحوادث المتفرقة، مثل حادثة تعامل الشرطة الأمريكية مع المواطن جورج فلويد والتسبب في مقتله لمجرد لونه، مما أدى إلى انتشار مظاهرات في الولايات المتحدة وبعض العواصم الغربية على إثرها، بما دل على وجود حالة من الاحتقان الإنساني الغربي تجاه ممارسات الأجهزة الأمنية وأنظمة الحكم، تبلورت أخيرا في المظاهرات الضخمة التي خرجت دعما للقضية الفلسطينية، لتنتقل من الشارع الغربي إلى أروقة معظم الجامعات بين فئة الطلبة والشباب، في دلالة على تغيير حالة الوعي الجمعي في تلك المجتمعات عن حقيقة الديمقراطية الزائفة التي تبنت وجهة واحدة أسهمت في دعم القاتل ضد المقتول.

لقد انكشف هذا الوجه منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 بعد معركة طوفان الأقصى، مما أسفر عن انتقال الغضب من جامعة إلى أخرى ومن مدينة إلى مدينة، مما وضع النظام العالمي في حالة ارتباك وتخبط وحرج في التعامل مع هذه الحالة غير المسبوقة، فتارة يتم التعامل معها بما يشبه تعامل الأنظمة الشمولية مع معارضيها بوحشية وعنف، وتارة أخرى تطالب الأجهزة المعنية بإطلاق الحريات للطلبة في إثبات مواقفهم المعارضة والغاضبة. والغريب في الأمر أنه رغم ذلك الغضب المتحرك فإن البعض في بلادنا ما زال يعوّل على الموقف الغربي لحل القضية في الوقت الذي كفرت به شعوبه من إرادته لحلها من الأساس. لقد انكسرت أخيرا حدة السيطرة المفروضة للإعلام الغربي داخل بلاده الذي تعامل بالكذب ثم الكذب في حرب أسهمت قنوات مثل الجزيرة التي أوقفوها أخيرا في عقر ما تشدقوا دوما بأنه الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، وبعد أن تابع العالم الحقيقة مجردة على شاشة تلفزيونية عربية.

إن القرارات الغربية المقبلة ستضع في اعتباراتها مرغمة تلك الحالة من الوعي العالمي والمحلي تجاه زعمها حراسة الديمقراطية والحرية وتلك القيم التي طالما تجملت بها في مواجهة واقع هي في حقيقتها بعيدة كل البعد عنه، وربما ستدفع تلك الحقيقة الأنظمة الغربية إلى “اللعب على المكشوف” لتحقق أكبر كسب غير مشروع لفكرتها العنصرية، لكن العجلة أبدا لا تعود إلى الوراء، وما هو آتٍ سوف تسطره الشعوب، لينطلق العالم نحو الأمام خطوات في صالح البشرية، ولن تجدي كذبة أخرى في مواجهة الحقيقة الثابتة رأي العين والعقل.

المصدر : الجزيرة مباشر