ألمانيا وقرار المحكمة الجنائية الدولية: هل يتم اعتقال نتنياهو؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

ليست دعابة وليس استخفافًا، لكنها حقيقة واقعية وفقًا للأعراف الدولية واحترامًا لقرار المحكمة الجنائية الدولية التي تعتبر ألمانيا أحد أهم المناصرين والداعمين لها. نعم، سيتم القبض على نتنياهو في حال وصوله إلى الأراضي الألمانية إذا صدرت مذكرة اعتقال بحقه من المحكمة. غير ذلك، سيكون استهانة بالعدالة الدولية ونهاية تلك المحكمة. وما تعرفه ألمانيا أنها لن تضحي بسمعتها الدولية في حالة تجاهل أمر تنفيذ الاعتقال.

لكن لا يجب الإفراط في التفاؤل، فألمانيا من أشد المناصرين لإسرائيل. وهنا يجب أن نكون واقعيين وننظر للأمر من تلك الزاوية، إذ إن هناك مخرجًا سياسيًا موجودًا دائمًا ولا يعرض ألمانيا للحرج، وهو تقديم المشورة إلى نتنياهو بعدم زيارة ألمانيا إذا صدرت بحقه مذكرة اعتقال. ولن يضر في الأمر شيئًا، فالاتصالات والزيارات الرسمية بين البلدين لن تتأثر بأي شيء. وليست هذه هي المرة الأولى التي تعلن فيها ألمانيا عن استعدادها لتوقيف مسؤول دولي كبير، ففي سنة 2023 أعلنت أنها ستعتقل بوتين إذا دخل البلاد وتسلمه إلى المحكمة الجنائية الدولية.

إذن، المحكمة تصدر قراراتها دون متابعة الأمر، وإذا كان البعض يعتقد أن تنفيذ أمر الاعتقال صعب، فإن الإشارة التي ترسلها المحكمة من وراء ذلك القرار هي فعلاً أن الوضع في غزة أصبح رهيبًا ولا يحتمل، وأن جرائم الحرب التي ارتكبت في القطاع يجب عدم السكوت عنها.

جدل في ألمانيا

لم يتوقف الجدل في الصحافة الألمانية والبرامج التلفزيونية منذ أن طرح أحد الصحفيين على المتحدث باسم الحكومة الألمانية “شتيفن هيبشترايت” سؤالًا حول اعتقال نتنياهو في ألمانيا إذا أصدرت المحكمة الدولية أمرًا بذلك. وحملت عناوين الصحف توصية المدعي العام للمحكمة “كريم خان” بأمر الاعتقال وفقًا للجرائم التي ارتكبها نتنياهو ووزير دفاعه غالانت، مثل: ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وانتهاكات لحقوق الإنسان، وجرائم حرب، وترويع وتجويع سكان القطاع المدنيين، وتنفيذ هجمات عليهم عمدًا والتسبب في معاناة وإصابات كبيرة في صفوف الأبرياء، وكلها موثقة وتمتلك المحكمة الأدلة الدامغة بحقها.

الجدل في ألمانيا يتمحور حول شقين: كيف تساوي المحكمة بين نتنياهو وهو رئيس وزراء منتخب وبين يحيى السنوار رئيس حركة لا تعترف بها ألمانيا وتصنفها كمنظمة إرهابية؟ وهل هذا كافيًا لرفض قرار المحكمة؟

يجيب على هذا السؤال الباحث القانوني” كاي أمبوس” من مدينة جوتنجن الألمانية في حديث لمجلة دير شبيجل قائلًا: إن الدولة التي ترتكب جرائم حرب، حتى وإن كانت ضد حركات أو ميليشيات، لابد وأن تخضع للمحاكمة.

خبير القانون الدولي “دانييل إيراسموس” في حديثه لصحيفة بيلد تسايتونج الألمانية يقول: إن ألمانيا ملزمة بالقبض على نتنياهو في حالة صدور مذكرة اعتقال بحقه لأنها من الدول المتعاونة والمعترفة بالمحكمة الدولية.

وزيرة الخارجية الألمانية أيضًا، ورغم أنها حاولت التهرب من سؤال وجهته لها صحيفة بيلد تسايتونج، أكدت أمر الاعتقال بقولها: لا يمكن أن نختار تنفيذ قرارات المحكمة، أي نوافق للبعض ونرفض للبعض الآخر.

المعارضة لها رأي آخر

لكن الأمر في المعارضة الألمانية جاء مختلفًا، فنجد “فريدريش ميرز”، رئيس المعارضة ورئيس الحزب الديمقراطي المسيحي، وصف تصريحات المتحدث باسم الحكومة الألمانية بالفضيحة، لأنه وفق رأيه أن المحكمة الجنائية الدولية أُنشئت لمحاسبة الطغاة والقادة المستبدين، وليس لاعتقال أعضاء الحكومة المنتخبين ديمقراطيًا. وانتقد فريدريش ميرز المدعي العام للمحكمة كريم خان متسائلًا كيف يساوي بين القبض على الضحية نتنياهو والجلاد السنوار؟

الفريق المؤيد لإسرائيل يسير على خطى رئيس الحزب الاجتماعي المسيحي ويرفض المساواة في أمر الاعتقال بحق نتنياهو والسنوار في نفس الوقت، فهو يرى أن نتنياهو هو رئيس حكومة في دولة دستورية ديمقراطية، ويتم انتخابه على هذا النحو، وهو يدافع عن بلاده ضد هجوم عسكري ولا يمكن أبدًا وضعه على نفس مستوى قادة حماس!!

نعرف أيضًا أن مذكرة الاعتقال شملت قادة حماس: يحيى السنوار، ومحمد ضيف، وإسماعيل هنية. والتهمة الموجهة إليهم هي أن الثلاثة، بالإضافة إلى التخطيط لهجوم السابع من أكتوبر، اعترفوا أيضًا بمسؤوليتهم من خلال كلماتهم وسلوكهم بالإبادة واحتجاز الرهائن والعنف الجنسي والتعذيب والمعاملة القاسية للسجناء، وكانوا مسؤولين بشكل مباشر عن مقتل مدنيين إسرائيليين يوم الهجوم.

عدم الاعتراف لايمنع أمر الاعتقال

على الرغم من أن إسرائيل لا تعترف بالمحكمة الجنائية الدولية، إلا أنه لا يزال بإمكان المحكمة اتخاذ إجراءات ضد الإسرائيليين إذا ارتكبوا جرائم بموجب القانون الدولي في الأراضي الفلسطينية، بما في ذلك غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية. وذلك لأن فلسطين تم إدراجها ضمن دائرة الدول التي تعترف بالمحكمة، وبالتالي يتم التعامل معها كدولة، على الأقل في هذا السياق. ليس هذا فقط، بل إن فلسطين معترف بها الآن من قبل العديد من الدول حول العالم وهناك ثلاث دول جديدة اعترفت بها مؤخرًا، وهي: إسبانيا وأيرلندا والنرويج.

يجب الإشارة إلى أن الانتقادات التي وُجِّهت لقرار المدعي العام كريم خان من قبل الأوروبيين والأمريكيين تأتي في إطار أنها المرة الأولى التي تصدر فيها المحكمة الجنائية الدولية قرارًا يخص أحد أقرب الحلفاء لهم. فالمحكمة منذ أن تأسست لم تنظر أمامها قضية أوروبية واحدة واقتصرت فقط على الديكتاتوريات الإفريقية.وهذا يعني أنها سابقة قد يتبعها إصدار مذكرات اعتقال بحق مجرمي الحرب من الأوروبيين أو الأمريكيين مستقبلاً.

المصدر : الجزيرة مباشر