الرصاصة لا تزال في جيبي

الموقع الذي استهدفته الغارة الإسرائيلية في رفح - 27 مايو (الفرنسية)

(1) للصبر حدود

حكومة نتنياهو أصبحت منبوذة من المجتمع الدولي، فالمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يطالب بالقبض على رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الدفاع بتهم تتعلق بجرائم حرب في غزة ومحكمة العدل الدولية تطالب إسرائيل بوقف عملياتها في رفح.

مجزرة رفح الأخيرة أدمت الضمير العالمي، فهناك أطفال ونساء وشيوخ أحرقوا وهم أحياء في مخيم للنازحين تابع للأونروا، ورغم تسمية نتنياهو ما حدث بأنه حادث جسيم، فإن الجيش الإسرائيلي ما زال يقترف المجازر ضد النازحين في رفح، والقصف الإسرائيلي لم يتوقف بل يزداد جنونا بحثا عن نصر مزعوم لن يصل إليه جيش الاحتلال الذي تلوثت أيدي جنوده بدماء الأبرياء.

حلفاء إسرائيل في الغرب ليسوا قادرين على تبرير جرائم جيش الاحتلال، فالاتحاد الأوروبي هدد بفرض عقوبات على إسرائيل إن لم تمتثل لقرار محكمة العدل الدولية وتوقف عملياتها العسكرية في رفح، وهو الأمر الذي حذر منه المجتمع الدولي وفي المقدمة مصر التي حاول رئيسها عبد الفتاح السيسي بشتى الطرق أن يحث أمريكا على ردع إسرائيل عن القيام بهذه المغامرة العسكرية غير المأمونة العواقب، تجنبا لحدوث كارثة إنسانية وأيضا حتى لا تتسع دائرة العنف وعدم الاستقرار في المنطقة.

وجاء مقتل الجندي المصري عبد الله رمضان محمد قطب، وهو ضمن قوات تأمين الحدود، على أيدي قوات الجيش الإسرائيلي ليعمق الخلاف بين مصر وإسرائيل، ويرفع من حالة الغضب في الشارع المصري الذى استعاد بوعيه الجمعي مجازر إسرائيل السابقة في بحر البقر والمدافن الجماعية للأسرى المصريين في حرب 1967 وغيرها، حتى إن قطاعا شعبيا كبيرا يطالب الحكومة بإلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل ما دامت الأخيرة لا تلتزم ببنود المعاهدة وأهمها عدم المساس بالأمن القومي المصري، وكذلك توغل الجيش الإسرائيلي في محور فيلادلفيا رغم التحذيرات المصرية، وكلها أفعال تدل على سوء نية إسرائيل وأنها لا يمكن أن تكون يوما حليفا مؤتمنا لمصر، والاتهامات الإسرائيلية المتوالية لمصر دليل على عداء مستتر وكراهية مخفية.

إسرائيل تعيش عزلة دولية، لكن أمريكا تساندها بكل ما أوتيت من قوة عسكرية ونفوذ دولي، رغم أن هذا يؤثر سلبا في مصداقية الأخيرة وهيبتها بوصفها دولة عظمى.

إدارة الرئيس الأمريكي بايدن تحاول أن تجد كل يوم مبررا لجرائم إسرائيل في غزة، بل تدعي أن عملية رفح محدودة وأن المجازر مجرد أخطاء جسيمة تحدث في كل الحروب، وتعلن دون خجل أن ما يحدث في رفح لا يتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها بايدن والتي لا يعرف أحد حدودها!!

(2) العالم أكبر من أمريكا

تستقبل العاصمة الصينية قادة أربع دول عربية: مصر والإمارات والبحرين وتونس، لحضور منتدى التعاون الصيني العربي، هذا الحضور له دلالة مهمة وهي أن العلاقات العربية الصينية تزداد اتساعا وعمقا وثقة، والصين حريصة على توطيد علاقتها بدول الشرق الأوسط فهي منطقة مهمة للصين، تستورد منها النفط الضروري لصناعتها وتستثمر فيها بمبالغ ضخمة ولها شراكات اقتصادية مع دوله ومنها إسرائيل والصين أكبر شريك تجاري لها في آسيا. علاقات بكين المتوازنة مع الجميع وبعدها عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول جعل منها عنصر تفاوض مرحب به. ولقد أعربت بكين أكثر من مرة عن استعدادها للتدخل الدبلوماسي من أجل إحلال السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. لكن أمريكا تحتفظ لنفسها بمفتاح حل القضية الفلسطينية لأنها الوحيدة القادرة على الضغط على إسرائيل نظرا لدعمها غير المحدود للدولة العبرية منذ نشأتها ولولا ذلك لما كان لإسرائيل وجود.

الموقف الأمريكي من حرب غزة أظهر أنه من الصعب على حماس والمقاومة الفلسطينية، اعتبار أمريكا طرفًا محايدًا في أي مفاوضات سلام مستقبلية، مما يستدعي وجود قوى دولية أخرى على مائدة المفاوضات يكون لها نفوذ وتتمتع بالحيادية، والصين مؤهلة للقيام بهذا الدو، وهي تسعى إليه لتحقيق هدفها المتمثل في نظام عالمي متعدد الأقطاب وليس حكرا على أمريكا وحلفائها الذين أثبتت حرب غزة أنهم أصحاب معايير مزدوجة ويفتقدون القيم الأخلاقية والمصداقية. موازين القوى تتغير في العالم والقوى الصاعدة تؤكد بأفعالها أنه أكبر من أن تحكمه أمريكا وحدها.

(3) وقت الحساب آت لا محالة

المظاهرات الحاشدة ضد الحرب في غزة سواء من طلبة الجامعات أو عامة الناس، معظمها يتم تنظيمه في الدول التي تدعم حكوماتها إسرائيل وتصدر لها السلاح، حيث يطالب المتظاهرون حكوماتهم بالضغط على إسرائيل لوقف هذه الحرب القذرة وكذلك وقف تسليحها. صحيح أن غزة الجغرافيا لم يعد فيها مكان آمن لكن غزة التاريخ تكتب أسطورتها.

العديد من الشخصيات السياسية المنتمية للغرب وصفوا ما يفعله جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة بأنه حرب إبادة جماعية. المظاهرات ضد حرب غزة هدفها نصرة الفلسطينيين من منظور أخلاقي؛ لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس.

العالم في مرحلة ولادة عسيرة لنظام جديدة، وهو يحتاج إلى أصوات تنطق بالحق في وجه قوى الباطل الفاسدة التي تقود العالم وفقا لمصالحها الضيقة دون أدنى اعتبار للقيم الإنسانية. منذ عقود كتب الروائي المصري إحسان عبد القدوس قصة بعنوان: “الرصاصة ما زالت في جيبي” تحولت إلى فيلم سينمائي عرض في السادس من أكتوبر عام 1974 تزامنا مع احتفالات نصر أكتوبر، ويروي قصة المجند “محمد” الذي شارك في حرب 1967 وذاق مرارة الهزيمة ثم شارك في حرب الاستنزاف وأيضا حرب أكتوبر، وظل محتفظا في جيبه برصاصة، في البداية كانت موجهة إلى العدو الصهيوني ثأرًا لهزيمة 67 وبعد ذلك احتفظ بها للتخلص من ثريّ فاسد في قريته انتهك شرف ابنة عمه.

أحرار العالم في هذه الفترة الضبابية المظلمة التي يختلط فيها الحق بالباطل، وتنتصر فيها جيوش الظلام على جنود الحق بالقوة العسكرية الغاشمة، يحتفظون هم أيضا برصاصات في جيوبهم ستنطلق يوما في وجه الظالمين الفاسدين لتقضى عليهم في حصونهم المنيعة. هذا اليوم آت لا ريب فيه.

المصدر : الجزيرة مباشر