مقاطعة الجماهير نجوم الفن والرياضة المطبعين

جماهير الأهلي يهتفون لفلسطين (الفرنسية)

هناك ملامح مهمة يمكن رصدها فيما تقوم به الجماهير العربية نحو قضية فلسطين، وما يجري في غزة ورفح من مجازر، يقوم بها الاحتلال منذ ما يقرب من ثمانية أشهر. فقد ظن الكيان وحلفاؤه، أن قدرات الشعوب محدودة أمام هذا الجبروت الكبير، سواء في الدعم السياسي أو العسكري، أو الاقتصادي، أو الإعلامي، لكن الشعوب وبخاصة الجماهير العربية، أثبتت أن لديها ما تقوله، ولديها ما تفعله، فليست معدومة الحيلة، وليست مكبلة اليد والعقل.

أغلقت السبل أمام الجماهير عن فعل شيء مادي لغزة، لكن الجهود المعنوية، ظلت متاحة، وهو ما لم تهمله الجماهير الواعية، فأطلقت حملات المقاطعة لكل جهة تدعم الكيان الصهيوني في عدوانه، سواء كان الدعم ماديا أو معنويا، أو من يقف موقفا سلبيا نحوها، وإلى الآن تؤتي المقاطعة أكلها، ولم تقف عند سبيل واحد، بل راحت تطور من نفسها، بحسب أدوار داعمي الصهاينة.

فرأينا الجماهير تطلق حملة مقاطعة نجوم عرب، قاموا بعمل إعلان لشركة داعمة للكيان الصهيوني، وحملات أخرى ضد نجوم صمتوا عن الوقوف مع غزة، وآتت الجهود أكلها، بين من راجع نفسه، وبين من بدأ يتكلم، ومن بدأ عداد الخسارة في شعبيته يتحرك، وهناك دلالات أخرى يستطيع الراصد لها رؤيتها.

انتصار الجماهير على نفسها

من أهم دلالات هذه المقاطعة، وقوة فعلها في القوة الناعمة، أن الجماهير استطاعت أن تنجح في قوة إرادتها، وفرض كلمتها، وبخاصة أنها قامت تقاطع وتتخذ موقفا جادا من شخصيات لها في قلوب الناس مكانة، على مستويين كبيرين عند الجماهير: الفن والرياضة، وهما قوتان ناعمتان، على مدار تاريخهما تستخدمان لتهدئة الشعوب، ولتخديرها أحيانا أخرى.

لكن ما حدث الآن، أن الجماهير تعالت على ذاتها، ولم ترضخ لهوى النفس، أو التضحية بقضية كبرى كفلسطين، وما يجري فيها، على حساب حبها لأشخاص. فرغم ما يمتلكه الفنانون والرياضيون الذين شاركوا في إعلان بيبسي، وغيره من المجالات التي شارك فيها غيرهم، في الترويج لشركات تدعم الكيان الصهيوني، فإن الناس رمت ذلك كله وراء ظهرها، ولم يفكروا إلا في شيء واحد، هو أن هذا لو كان نجما ورمزا حقيقيا، لاحترم ثوابتنا، واحترم قضايانا التي هي من صلب قضاياه.

سياسة النفس الطويل

وامتازت المقاطعة بأنها ذات نفس طويل، بخلاف بعض التجارب السابقة، التي ارتبطت بقضية وقتية، فهذه المرة هناك إصرار لدى الجماهير على إكمالها، وعدم النسيان، أو تجاهل الموضوع، فنجد التذكير الدائم بأن المجازر لم تنته، والاعتداءات مستمرة، والاحتلال جاثم على صدر أهلنا في فلسطين، وما دام موجودا، وله داعمون، فلا بد من استمرار المقاطعة المادية والمعنوية للكيان وداعميه.

شمولية المقاطعة

معظم حملات المقاطعة السابقة على أهميتها، ونجاعة ما قامت به، كانت تقف عند الجانب الاقتصادي، وقليلا ما كانت تبرح هذه المساحة إلى مساحات أخرى، لكن هذه المرة كانت المقاطعة شاملة للجوانب المادية والمعنوية، فمن دعوات إلى مقاطعة كيانات اقتصادية، وتكبيدها خسائر فادحة عقابا على دعمها للكيان، إلى محاسبة الرموز والنجوم الفنية والرياضية على عمل دعاية لشركات داعمة، وكان رد الجمهور قويا، ورسالته وصلت إلى كل نجم تجاوز آلام الأمة، ليحقق مكاسب شخصية.

رأينا نجما فنيا كبيومي فؤاد، يتكبد خسائر على المستويين المادي والمعنوي، في أكثر من فيلم عُرض له، وتكون حصيلة التذاكر زهيدة، وفي أحدها كانت صفرا، ليرسل ذلك رسالة ذات دلالة واضحة بأن الجماهير أعطت ظهرها لمن أعطى ظهره لقضاياها المصيرية، والأمر نفسه حدث مع الفنان محمد رمضان، في حفل نهائي الكأس بين الترجي التونسي والأهلي المصري، فيمسك بالميكرفون ليغني، فتعطيه الجماهير كلها ظهورها، رافعين علامة الرسام الفلسطيني الشهير ناجي العلي، لرسمه الشهير: حنظلة، ثم يستدرك رمضان سريعا فيخرج في بث مباشر على صفحته، يتحدث عن رفح وما يجري فيها، وأن النصر لا يأتي إلا بالعمل.

إدراك الجماهير لما تملكه من أدوات

من أميز ما تجلى في المقاطعة الموجهة للرموز التي لم تكن على قدر الموقف، أن الجماهير أدركت أن لديها ما يمكن أن تواجه به هؤلاء النجوم، فالمال له قيمة بالنسبة للاعب أو الفنان، لكنه مرهون بالجمهور، الذي يذهب ليشاهد المباراة، أو العمل الفني، ولولاه لخلا شباك التذاكر والمدرجات من وجوده، وهو أكبر عقاب يوجه إليه.

شتان بين كثيرة الجمهور ومباراة بلا جمهور أو تهتف جماهيرها ضد لاعب، وكم من لاعبين كبار اعتزلوا بسبب هتاف الجماهير ضدهم، وكم من فنان انتهى وجوده الفني وهو حي، لموقف الجماهير منه. أدركت الجماهير أهمية دورها، وأنها رقم مهم وكبير في الرياضة والفن، ولذا سيعيد كل فنان ورياضي حساباته جيدا، لو رأى إصرارا من الجماهير على اتخاذ موقف يتناسب مع موقفه من قضية فلسطين.

تجاوز الأيديولوجيات المحلية

أهم ما في المقاطعة الحالية، وبخاصة في جانبها المعنوي، في مواقفها من الرموز الفنية والرياضية، أنها تجاوزت الأيديولوجيا المحلية، سواء الحزبية أو السياسية، أو غيرها، فقد تناست الجماهير بعض الخلافات الحزبية، في مساحات محلية وقطرية، لصالح الوقوف مع غزة وأهلها، ومقاطعة أي نشاط يشغل الناس عن قضيتها.

فرأينا مواقف أشادت بها الجماهير لفنانين مثل: أحمد مكي، ومحمد سلام، رغم أن نفس الجماهير كانت غاضبة من مكي لمشاركته في مسلسل الاختيار، ومع ذلك أشادت بموقفه من غزة، وكذلك محمد سلام، فقد كانت له مشاركة من قبل في مسلسل الجماعة الجزء الأول منه، لكن عندما اتخذ موقفه المشهور، لم يقف الجمهور عند جزئيات في مواقف سابقة تتعلق بشؤون محلية، على حساب قضية مركزية ومهمة كفلسطين.

المصدر : الجزيرة مباشر