الإعلام الإسرائيلي تحت الرقابة العسكرية.. فأين الديمقراطية؟!!

الإعلام الإسرائيلي تحت الرقابة (غيتي)

ركزت الدعاية الإسرائيلية على أن إسرائيل واحة الديمقراطية في صحراء الاستبداد العربي، وبذلك تمكنت من كسب قلوب الشعوب الغربية، التي نظرت إليها على أن نظامها يشبه النظم الأوروبية والأمريكية، لذلك تستحق التأييد والمساندة والتبرعات التي بلغت مئات المليارات طوال 75 عاما.

وكانت سمة الديمقراطية من مكونات صورة إسرائيل التي شاركت في بنائها وسائل الإعلام الغربية.. لكن العالم الآن يكتشف زيف تلك الصورة، وأن الشعوب تعرضت لعملية خداع، حيث كشف العدوان الإسرائيلي على غزة الحقائق، وأنها دولة عنصرية تعمل لإبادة أصحاب أرض فلسطين الحقيقيين، وأن جيشها لا يلتزم بالقوانين الدولية، ولا بأخلاقيات الحروب.

الديمقراطية الزائفة

لكن أين الديمقراطية التي تدعي دولة الاحتلال الإسرائيلي أنها تطبقها؟! يمكن أن نستخدم مقياسا واحدا فقط هو حرية الإعلام، فهناك اتفاق عام على أن حرية الإعلام أهم الأسس التي تقوم عليها الديمقراطية، وأن الصحافة تشكل المواطن العارف الذي يستطيع أن يتخذ قراره في الانتخابات، لذلك يتفاخر الأمريكيون بالتعديل الأول للدستور الأمريكي الذي يحمي حرية الإعلام.

يتفق الجميع في الغرب على أنه لا ديمقراطية بدون حرية الإعلام، وأن تقييد حرية وسائل الإعلام في نشر المعلومات والآراء يشكل انتهاكا للديمقراطية، وأن الدول الدكتاتورية فقط هي التي تفرض القيود على حرية الرأي والتعبير والمعلومات والنشر.

ويتفق الغرب على أن فرض الرقابة العسكرية على وسائل الإعلام دليل على التخلف، ولا تستخدمه سوى النظم السلطوية الاستبدادية، فالرقيب العسكري ينفذ التعليمات، كما ينفذها الجندي في ميدان القتال، وليس هناك إمكانية لكي يفهم العمل الصحفي، أو يحترم حق المواطن في الحصول على المعلومات.

إعلام تحت الرقابة العسكرية

من أهم الحقائق التي كشفها العدوان الإسرائيلي على غزة للعالم أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تتعرض لرقابة عسكرية قاسية تمنعها من نشر أية معلومات أو آراء في الكثير من المجالات، وأن الإسرائيليين محرومون من حقهم في المعرفة مثل تلك الشعوب التي تخضع لنظم دكتاتورية، وأنهم لا يعيشون في واحة ديمقراطية كما تزعم الدعاية الإسرائيلية.

لكن هل تلك الرقابة العسكرية القاسية ترتبط فقط بالعدوان على غزة؟!! تستند السلطات الإسرائيلية في فرض هذه الرقابة إلى قانون الطوارئ الذي كانت قد أصدرته السلطات البريطانية عام 1945، بهدف تطبيقه على الصحافة الفلسطينية، وتم استخدامه في منع الفلسطينيين من إصدار الصحف، وإغلاق صحفهم.

لكن السلطة الإسرائيلية حافظت على هذا القانون منذ عام 1948، وأضافت إليه بعض المواد الجديدة التي تتيح لها التحكم في كل ما ينشر في وسائل الإعلام الإسرائيلية. وتؤدي الرقابة العسكرية دورا كبيرا في منع نشر الكثير من المواد أو حذف أجزاء منها، كما يتم فرض الكثير من العقوبات على الصحفيين ووسائل الإعلام الإسرائيلية في حالة مخالفة تعليمات الرقابة، أو نشر مواد لا يوافق عليها الرقيب، منها الغرامة والوقف عن العمل، وقد تصل إلى إغلاق الوسيلة الإعلامية.

لكن لماذا خضع الصحفيون الإسرائيليون، ولم يكافحوا لانتزاع حريتهم؟ من أهم ما يثير العجب أن موقف الصحفيين كان سلبيا، فقد استسلموا لتعليمات الرقابة العسكرية، واكتفوا برفع قضية أمام المحكمة العليا عام 1989، التي حكمت بأن الرقيب يجب أن لا يتدخل إلا إذا كانت المادة تسبب ضررا حقيقيا لأمن الدولة.

لكن هذا الحكم لم يتم تطبيقه، ولم تلتزم به الرقابة االعسكرية التي تمسكت بمفهوم واسع لقضايا الأمن تشمل كل ما يتعلق بالجيش وأجهزة المخابرات وصفقات الأسلحة والمعتقلين الإداريين والشؤون الخارجية.. فماذا تنشر وسائل الإعلام الإسرائيلية بعد ذلك؟!!

الرقابة تحمي نفسها!!

هل يمكن أن تصدق أن الرقابة في دولة الاحتلال الإسرائيلي تقوم بحماية نفسها، حيث أصدر الرقيب العسكري تعليمات إلى وسائل الإعلام بعدم الإشارة إلى الرقابة العسكرية، والأعمال التي تقوم بها، أو الموضوعات التي تقوم بعدم نشرها، أو حذف أجزاء منها.

هل يمكن أن يفسر ذلك عدم إنتاج الباحثين في أقسام الإعلام في الجامعات الإسرائيلية دراسات عن حرية الإعلام، وعدم الإشارة إلى الرقابة، حيث لا توجد في المجلات العلمية العالمية أية دراسات عن هذه القضية، وهذا يعني أن الرقابة امتدت إلى الإنتاج العلمي، وانتهكت الحرية الأكاديمية.

هناك تعليمات أصدرها الرقيب العسكري الإسرائيلي تحظر على وسائل الإعلام نشر كل ما يتعلق بتفاصيل العمليات العسكرية والاستخبارية، أو المحتجزين الإسرائيليين في غزة.

وهذا يعني حرمان الجمهور الإسرائيلي من معرفة أية معلومات عن الأسرى الإسرائيليين. وقد أتاح ذلك للنتن ياهو وحكومته الكذب على الجمهور، ونشر معلومات زائفة عن الأسرى، وحجب الكثير من المعلومات التي يمكن أن تثير أُسَر الأسرى، وتدفعهم إلى التظاهر. وإذا كانت كل تلك المظاهرات تشهدها شوارع تل أبيب، فماذا يمكن أن يحدث إذا عرف الجمهور المعلومات الحقيقية عن قيام الجيش الإسرائيلي بقتل الأسرى، وفشله في تحقيق الأهداف التي يعلنها النتن ياهو؟

وماذا يمكن أن يحدث عندما يتوقف إطلاق النار ويكتشف الجمهور الحقائق، وتفقد وسائل الإعلام الثقة فيما تنشره، ويعرف الإسرائيليون أن حكومتهم تخدعهم وتضللهم وتحرمهم من حقهم في المعرفة؟! لذلك يرفض النتن ياهو وقف العدوان، وصفقة تبادل الأسرى.

لكن هل تدرك حكومة الاحتلال أن العالم يتغير، وأن ثورة الاتصال تفرض على الجميع احترام حق الجمهور في المعرفة؟!

المصدر : الجزيرة مباشر