بناء قوة أكثر فتكًا: كيف يُفكر ترمب؟

الرئيس الأمريكي السابق والمرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترمب (الفرنسية)

في عام 2018 نشر المفكر الأمريكي ستيفن والت، أستاذ الشؤون الدولية بكلية جون كينيدي للعلوم الحكومية بجامعة هارفارد، كتابًا بعنوان: “جحيم النيات الحسنة: نخبة السياسة الخارجية الأمريكية وانحدار التفوق الأمريكي”، (The Hell of Good Intentions: America’s Foreign Policy Elite and the Decline of US Primacy) طالب فيه بضرورة بناء استراتيجية واقعية، تتجنب الهندسة الاجتماعية العالمية، وتعتمد سياسة خارجية أكثر تحفظًا، وتتخلى عن البحث غير المجدي عن الهيمنة الليبرالية، وتتبنى رؤية أكثر واقعية للقوة الأمريكية، وتعيد بناء مؤسسة السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

فالولايات المتحدة تتبنى استراتيجية كبرى للهيمنة، وتستخدم القوة الأمريكية لإعادة تشكيل العالم، وفقًا للتفضيلات والقيم السياسية الأمريكية؛ مما أفرز نظامًا عالميًّا معتمدًا عليها بوصفها “القوة التي لا غنى عنها”، والركن الركين في الترتيبات الأمنية في جميع أنحاء العالم. وبدلًا من تشجيع القوى الإقليمية على حلّ خلافاتها، وتطوير ترتيباتٍ أمنية لا تتطلب توجيهًا أمريكيًّا، أنشأت الولايات المتحدة نظامًا عالميًّا يمكن أن يتداعى كليًّا إذا توقفت عن القيام بدورها.

وأضاف “والت” أن هذه الرؤية تقف خلفها عدة دوافع أساسية، أولها الغطرسة الأمريكية، وثانيها القوة الهائلة وموقعها الجيوسياسي الداعم، وثالثها أمن العقاب، أي أنها تتدخل في أي إقليم وتفعل ما تشاء من دون عقاب، ورابعها رفاهيتها في التدخل والانسحاب وقتما تشاء من هذه الأقاليم، وخامسها قيام الإدارات الأمريكية بتضخيم التهديدات لإقناع الرأي العام الداخلي بأن العالم مكان خطر، وأن أمنهم مهدد إذا لم يتبنوا سياسات تدخلية واستباقية.

وقد سارت الولايات المتحدة على هذه الاستراتيجية حتى جاء ترمب إلى رأس السلطة في يناير/كانون الثاني 2017 فعصف بها، ووصفها بأنها سياسة فاشلة، جلبت الفوضى للعالم، وجعلته مكانًا خطيرًا، ويجب محاسبة النخبة الفاشلة على أفعالها، ورفع شعار “أمريكا أولًا” ونادى ترمب بسياسة خارجية تجعل الأمريكيين أقوى، وأكثر ثراءً، وأقل التزامًا في الخارج.

ورأى أن الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية هو تعزيز المصلحة القومية الأمريكية، وتبنّى نهجًا صارمًا تجاه الحلفاء والخصوم على حد سواء، وبدأ الانسحاب الجذري من الأجندة الدولية التي هيمنت عليها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، وقدم نموذجًا قائمًا على القومية والتمحور حول الذات، وتصورًا مختلفًا عن فكرة “الاستثنائية الأمريكية”؛ فلن تكون الولايات المتحدة “الأمة التي لا غنى عنها”، أو “الشرطي العالمي”، بل ستدير علاقاتها مع الدول الأخرى من منطق “أفضل الصفقات لإجبار الآخرين على تحمل أكبر الأعباء”.

ترمب والطريق نحو بناء قوة أكثر فتكًا

ومن هنا نصّت استراتيجية الأمن القومي التي صاغها ترمب في ولايته الأولى على 18 وسيلة من شأنها أن تجعل القوة الأمريكية “أكثر فتكًا” في إدارة علاقاتها الدولية وتعظيم مكاسبها الخارجية، حيث يرى ترمب “أن أضمن وسيلة لمنع حدوث حرب ما، هو أن تكون مستعدًّا للفوز بها. ويتطلب القيام بذلك تبني نهج تنافسي لتطوير القوة والقيام باستثمار مستمر على مدى سنوات لاستعادة جاهزية القتال والوصول إلى بناء قوة فتاكة. ولأن حجم قوتنا أمر له اعتباره المهم، فإنه يجب على الأمة أن تقدّم قوات كافية وقادرة على هزيمة الأعداء وتحقيق نتائج مستدامة تحمي الشعب الأميركي ومصالحنا الحيوية. فهدفنا هو وجود قوة مشتركة تمتلك تفوقًا حاسمًا في أي نزاع محتمل، مع المحافظة الدائمة على كفاءتها في جميع جوانب الصراع”.

وحتى يتحقق ذلك لا بد من: إعطاء الأولوية للتأهب للحرب، وتحديث القدرات الرئيسية من خلال ميزانيات مستدامة تضع في الحسبان ما يمكن أن يحدث في المستقبل، وتحديث الثالوث النووي القيادة والسيطرة والاتصالات، وتطوير خياراتها لمواجهة الاستراتيجيات القسرية للمنافسين من حيث التهديد باستخدام الهجمات النووية أو الاستراتيجية غير النووية، وإعطاء الأولوية للاستثمارات في مجال القدرة على التأقلم وإعادة البناء والعمليات لضمان تفوق القدرات الفضائية، واستمرار تكامل القدرات السيبرانية مع جميع أطياف العمليات العسكرية.

وكذلك تعزيز القدرات على القيادة والتحكم في شبكات الاتصالات وأجهزة الكمبيوتر والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع وتطوير قدرات الحصول على المعلومات وكيفية استغلالها، وحرمان المنافسين من نفس المزايا، وتركيز الاستثمارات على الدفاعات الصاروخية المتعددة الطبقات والقدرات المدمرة لكل من التهديدات الصاروخية للقذائف وتهديدات الصواريخ الباليستية الكورية الشمالية، وتعزيز القدرة على ضرب أهداف متنوعة داخل شبكات الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي لتدمير منصات عرض الطاقة المتنقلة، بجانب تعزيز قدرات الفتك أثناء القتال عن قرب في التضاريس المعقدة.

وذلك مع إعطاء الأولوية للقوى المتمركزة برًّا وجوًّا وبحرًا وفي نطاق الفضاء، التي يمكنها الانتشار والبقاء والتشغيل والمناورة والتجديد في جميع المجالات أثناء التعرض للهجوم، وكذلك إعطاء الأولوية للانتقال من البنية التحتية الكبيرة غير المركزية إلى البنية الصغرى المرنة والتكيّفية التي تشمل الدفاعات النشطة والسلبية، وتوسيع الاستثمارات في المخزونات والذخائر الجاهزة، وأصول التنقل الاستراتيجي، ودعم الشركاء والحلفاء، والخدمات اللوجستية لضمان استدامة الإمداد في ظل احتمالات هجمات مستمرة متعددة المجالات.

وأكدت رؤية ترمب على أن التحديث لن يقتصر على المعدات، فالأمر يتطلب تغييرًا في طرق تنظيم وتوظيف القوات، والتنبؤ بالآثار المترتبة على التكنولوجيات الجديدة في ساحة المعركة، والتحديد الدقيق للمشاكل العسكرية المتوقعة في الصراعات المستقبلية، وكيف سيوظف المنافسون والخصوم مفاهيم وتقنيات تشغيلية جديدة، مع تطوير مفاهيم تشغيلية لتعزيز المزايا التنافسية وتعزيز قدرات الفتك لدى القوات الأمريكية.

وهو ما يفرض أن يكون تموضع القوات وتوظيفها قابلًا للتكيف لمراعاة الغموض وعدم اليقين الموجود في البيئة الاستراتيجية العالمية المتغيرة باستمرار، مع توظيف القوة الديناميكية وجعل الأولوية للمحافظة على الكفاءة والقدرات في العمليات القتالية الكبرى، وتوفير خيارات التوظيف الاستباقي القابل للتطوير للقوة المشتركة.

 

القوات الأمريكية والرؤية الترمبية لنموذج التشغيل العالمي

تقوم رؤية ترمب على أن نموذج التشغيل العالمي يحدد كيف سيتم وضع القوة المشتركة واستخدامها لتحقيق منافساتها ومهامها في وقت الحرب، وتشمل القدرات التأسيسية لهذا النموذج: الأسلحة النووية، والإلكترونية، والفضائية، والقيادة والتحكم والاتصالات وأجهزة الكمبيوتر والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، والتنقل الاستراتيجي، ومحاربة انتشار أسلحة الدمار الشامل. ويتألف من أربع طبقات: الالتحام، وتخفيف حدة المواجهات، والتعامل مع الطوارئ المفاجئة، والتمركز بأرض الوطن. وهذه العناصر مصممة لمساعدة القوات الأمريكية على التنافس بفعالية أكبر فيما دون مستوى النزاع المسلح، من حيث تأخير أو الحد من أو منع اعتداء الخصم، وزيادة القوات للفوز بالحرب وإدارة التصعيد في الصراع، والدفاع عن الوطن الأم.

وبناء عليه تقوم رؤية ترمب على أن تجنيد وتطوير والمحافظة على قوة عاملة مدنية وعسكرية عالية الكفاءة أمر ضروري لضمان النجاح في خوض الحروب، ويتطلب إعداد قوة فتاكة مرنة الحركة أكثر من مجرد تقنيات جديدة وتغييرات في التموضع، بل اكتساب قدرات جديدة، والتكيف مع المفاهيم القتالية، وتغيير ممارسات العمل لتحقيق الفوز الكاسح والحاسم.

التعليم العسكري الاحترافي وإدارة المواهب والقدرات البشرية

بجانب السياسات والإجراءات السابقة، تضمنت رؤية ترمب ما يمكن تسميته ضمانات الاستدامة، التي تتمثل في الاستثمار في العنصر البشري، من خلال ثلاثة منطلقات، أولها التعليم العسكري الاحترافي القائم على التركيز على القيادة الفكرية والاحترافية العسكرية في فن وعلم القتال، واستقلالية العمل في مفاهيم القتال، وبناء الثقة والقدرة على العمل المشترك مع القوات الحليفة والشريكة.

وثانيها، إدارة المواهب، حيث يتطلب تطوير القادة المؤهلين في اتخاذ القرارات على المستوى الوطني مراجعة واسعة لإدارة المواهب بين الخدمات المسلحة، بما في ذلك الزمالات، والتعليم المدني، والمهام التي تزيد من فهم عمليات صنع القرار بين الهيئات والتحالفات والشراكات.

وثالثها، بناء قوة عاملة مدنية متحمسة ومتنوعة وذات مهارات عالية، وتوظيف مهارات جديدة وتعزيز القوة العاملة الحالية بخبراء في المعلومات وعلماء في البيانات ومبرمجي الكمبيوتر وباحثين ومهندسين في العلوم الأساسية، لاستخدام المعلومات وليس مجرد إدارتها، وتوسيع نطاق الوصول إلى الخبرات الخارجية، وإيجاد شراكات جديدة بين القطاعين العام والخاص للعمل مع الشركات الصغيرة والشركات الناشئة والمؤسسات الجامعية.

 

الإدانة الجنائية وتعزيز النزعات الترمبية

في ظل النزعات العسكرية نحو القوة والإفراط في بنائها وتوظيفها، المترسخة بالأساس في عقلية ترمب وعقيدته الأمنية والعسكرية، جاءت أحكام الإدانة بـ34 تهمة جنائية من قبل هيئة محلفين في نيويورك منعطفًا تاريخيًّا، ليس فقط في حياة ترمب بل في الحياة السياسية الأمريكية، فهي المرة الأولى التي يُدان فيها رئيس أميركي سابق بجناية، وتفتح المجال أمام احتمالات سجنه في وقت يواصل فيه حملته للعودة إلى البيت الأبيض في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

وانتظارًا للنطق الرسمي بالحكم في 11 يوليو/تموز 2024، وقبل المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري الذي سيعقد في 15 يوليو 2024، وسيتم الإعلان فيه رسميًّا عن ترشيح ترمب لانتخابات الرئاسة عن الحزب، فإن هذه الإدانة وما تلاها من تصريحات حادة من ترمب وأنصاره، تحمل معها مؤشرات قوية عما سيكون عليه ترمب إذا نجح في الانتخابات، وأن معاركه الداخلية قد تكون أشد “قوة وفتكًا” من معاركه الخارجية.

المصدر : الجزيرة مباشر