“حزب الله” وحسابات التصعيد والمواجهة مع إسرائيل

أنصار الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله أثناء مشاهدة خطاب له (غيتي)

 

شهدت وتيرة الهجمات بالمسيرات والصواريخ المضادة للدروع التي أطلقها حزب الله على مستوطنات شمال فلسطين المحتلة، ارتفاعاً غير مسبوق خلال الأيام الماضية، في تصعيد يمكن قراءته من خلال حجم الدمار والحرائق التي تسببت بها هذه الهجمات، التي أدت إلى تهجير نحو 100 ألف مستوطن من تلك المناطق واحتراق مساحات واسعة.

وكما جعلت إسرائيل معظم مناطق غزة منكوبة وغير صالحة للعيش بسبب سياسة تدمير ما هو مدمر وحرق ما سبق حرقه، اتبع حزب الله والمقاومة الفلسطينية في لبنان سيناريو متقارب أدى إلى جعل بعض المستوطنات في شمال فلسطين المحتلة أماكن مهجورة لا يسمع فيها غير أصوات الانفجارات، مما جعل أمر العيش فيها أشبه بالمستحيل.

تصعيد يقوي موقف حماس

يأتي هذا التصعيد في فترة حرجة جداً لنتنياهو وأمريكا، لا سيما مع اتجاه الأنظار إلى ما ستؤول إليه الجولة الجديدة من المفاضات بين حماس وإسرائيل عبر الوسطاء بما يشكل ضغطاً إضافياَ على الكيان. فالتصعيد الأخير يُحسن موقف حماس في التفاوض، كما أنه قد يعجل باتخاذ قرار بالموافقة على الصفقة الجديدة أو تقديم تنازلات من قبل نتنياهو، إذ تضغط الولايات المتحدة على الجانبين للقبول بها منعاً من تصعيد محتمل وحرب مفتوحة بين إسرائيل وحزب الله.

ونتيجة لهذه التطورات الخطيرة، بدأت جهات متعددة في دولة الاحتلال تتهم الحكومة الإسرائيلية بانها أدارت ظهرها لجبهة الشمال وتخلت عنها بالكامل مقابل تحقيق نصر مزعوم في غزة، وأن اسرائيل تتلقى الضربة تلو الضربة من حزب الله دون أن يكون هنالك رد قوي وحازم، بسبب خوفها من قدرات حزب الله وعدم قدرتها على تخمين نوع القوى والمفاجآت التي يخفيها.

وخرج نتنياهو الذي زار كريات شمونة مؤخراً مهدداً حزب الله بأن إسرائيل جاهزة لضربة قوية في الجبهة الشمالية، فيما قال بن غفير:” حان الوقت لحرق لبنان” وطالب وزراء في الحكومة الإسرائيلية بعملية واسعة في لبنان للقضاء على تهديد حزب الله، لكن الخارجية الأمريكية أوضحت أنها لا تريد التصعيد بين إسرائيل ولبنان وأن التوصل لتهدئة الأوضاع في غزة سيقود إلى تهدئة الأوضاع على الحدود.

نحن اليوم أمام سيناريوهين اثنين لا ثالث لهما، السيناريو الأول: يتمثل في توسع الحرب على تلك الجبهة، وهو الأمر الذي يسعى الطرفان إلى تجنبه، أما السيناريو الثاني: يتمثل في التهدئة وهذه الأخيرة كما أكدت الخارجية الأمريكية مرتبطة بوقف الحرب في غزة والتوصل إلى اتفاق، لذلك قد تشهد الفترة المقبلة حركة دبلوماسية نشطة إلى لبنان من قبل أطراف غربية لتجنب توسع الصراع.

حزب الله أتقن فن اللعبة

ولا شك ان حزب الله والفصائل الفلسطينية في لبنان بعد 18 عاماً على آخر حرب خاضتها مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، أتقنت فن اللعبة جيداً، تلك التي استمدتها من حروبها السابقة مع دولة الاحتلال الاسرائيلي واستفادت كثيرا من هذه التجارب وتمكنت من معرفة جوانب الضعف والقوة لدى العدو، كل ذلك جعلها تدخل في حرب يمكن أن نصفها بالمناوشات العسكرية المنضبطة والمركزة، مما جعل إسرائيل تنظر إلى هذه الجبهة كأكبر تحدٍ تواجهه في فترة حرجة يتركز فيها الجهد الحربي على غزة.

يمكن القول إن  حزب الله أوصل رسائل هامة إلى إسرائيل عبر تكثيف هجماته خلال الفترة الماضية، مفادها أن أي تفكير في غزو لبنان سيكلف العدو مالا يطيقه، وأن مستوطنات الشمال مناطق تحت سيطرة حزب الله والمقاومة في لبنان، ولن يتمكن المستوطنون الذين شردوا من العودة إلى هذه المناطق التي أصبحت بالنسبة لهم جحيما إلى أن تنهي الحرب أوزاها في غزة.

ومن خلال سياسة النفس الطويل التي اتبعها حزب الله وفصائل المقاومة الفلسطينية في لبنان وعدم الانجرار إلى حرب مفتوحة، تمكنت من تدمير جزء كبير من أبراج المراقبة الإسرائيلية ومنصات القبة الحديدية التي أصبحت عمياء أمام تدفق المسيرات.

وبالرغم من التهديدات الصارخة والمعلنة التي كانت تصدح بها حناجر جنرالات الاحتلال الإسرائيلي هنا وهناك على شاكلة ( سنحرق لبنان ونحوله إلى غزة)، يشير منطق الأحداث إلى أن هذه الجعجعة لم تكن إلا محاولات فاشلة لبث الفزع  لدى المقاومة في لبنان، إذ تلقفتها الأخيرة بنوع من السخرية، لعلمها بما تقوم به إسرائيل في الخفاء من وساطات دولية للتهدئة ومنع تدهور الأمور والدخول في حرب مفتوحة.

جيش الاحتلال محبط في الشمال

كل ذلك جعل العديد من وسائل الإعلام الإسرائيلية تؤكد أن حزب الله يمتلك زمام المبادرة في الشمال، فيما الجيش الإسرائيلي محبط وفي موقع الرد طوال الوقت، لافتة إلى أن حزب الله، لديه قدرة للوصول بعيداً جداً في إسرائيل، إذا ما أراد ذلك.

في حرب تموز 2006 التي خاضتها دولة الاحتلال ضد لبنان، كانت إسرائيل قد حددت أهدافا معلنة وأخرى خفية، أما الأهداف المعلنة فهي: إعادة الجنديين الإسرائيليين الذين اختطفهما (حزب الله) في محاولة منه لتحقيق صفقة لتبادل الرهائن مع الأسرى اللبنانيين الذين تعتقلهم إسرائيل، فيما كان السبب الخفي هو القضاء على حزب الله نهائياً واقتلاع جذوره.

انتهت حرب تموز بقرار من مجلس الأمن وانسحاب إسرائيل من لبنان، ولم تحقق إسرائيل أيا من أهدافها الخفية أو المعلنة، واكتفت بما آلت إليه الأمور مجبرة لا مخيرة على أمل أن تتمكن في المستقبل من تحقيق هذه الأهداف.

لعل هذا السيناريو من التاريخ يذكرنا نوعاً ما بما يحدث في  غزة الآن رغم الكثير من الفوارق بين الحربين، ولكن تبقى الأهداف واحدة: تحرير الرهائن، والقضاء على حماس، وهذا أيضاً لم يتم تحقيقه.
ففي كل يوم يخسر نتنياهو من رصيد الأهداف ما لا يمكن استرجاعه، فلم يقتلع حماس ولن يتمكن من غزو لبنان.

 

المصدر : الجزيرة مباشر