“فنكلشتاين” اليهودي.. يصارع “فرانكشتاين” الصهيوني

نورمان جاري فنكلشتاين (منصات التواصل)

أعتذر بداية للقارئ الكريم عن حيرة قد تنتابه عندما يطالع هذا العنوان، فالفارق في نطق حروف فرانكشتان وفنكلشتاين ضئيل ويربك، حيث تتشابه علينا الكلمات عندما يجمعها البدء بذات الحرف، وتنتهي بالمقطع الصوتي نفسه.

واليوم يأتي استدعاء فرانكشتاين، هذا الكائن الأسطوري المخلق كيميائيا وبالصعق الكهربائي لجثث بشرية من إبداع الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر، وقد تحول إلى “تيمة” رعب جماهيرية في نحو 130 فيلما سينمائيا. وهذا ليس فقط جراء أوجه تشابه مع تخليق الاستعمار الأوروبي للصهيونية (إسرائيل)، وبسبب استمرار أفعالها الإجرامية المرعبة في غزة، والتوجه عالميا لنبذها.

أقل شهرة من

تشومسكي.. ولكن

بل لأننا أيضا نلقي الضوء هنا على عالم سياسة أمريكي يهودي أقل شهرة عندنا من تشومسكي، اسمه نورمان جاري فنكلشتاين، من مواليد نيويورك 1953. والأهم أنه ابن لأب وأم ناجيين من الهولوكوست ومعسكرات الاعتقال النازية، هاجرا إلى الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وقد انتصر نورمان بدوره لإنسانيته والشعب الفلسطيني مصارعًا وحش الصهيونية على مدى عقود بما يزيد على 16 كتابا باللغة الإنجليزية، فضلا عن أطروحات أكاديمية وسجالات ومقالات علمية ومواقف عملية محترمة.

وها هو يصارع بإصرار وشجاعة ضد حرب الإبادة الجارية على غزة منذ ثمانية أشهر، فيكاد يظهر يوميا في مقاطع يوتيوب ليخاطب بالإنجليزية جمهورا من أجيال جديدة بالغرب متعطشة لمعرفة حقيقة هذا “الفرانكشتاين الصهيوني”.

ويذهب ليخطب ويتحاور مع الطلاب في خيام فلسطين بجامعة كولومبيا، فتصفه الغارديان في مقدمة مقابلة مطولة معه نشرتها بتاريخ 17 مايو/أيار 2024 بأنه “الصوت البارز في الاحتجاجات والنقاشات الجارية بالجامعات الأمريكية” على خلفية الحرب بغزة.

كيف عرفني

المسيري به؟

قبل وفاته بنحو عشر سنوات والانتهاء من العمل “الماراثوني” في “موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية”، الذي كنت من بين قلة صمدت فيها نحو 15 عاما من بدايتها إلى إصدارها 1999، أهداني الدكتور عبد الوهاب المسيري، رحمه الله، نسخة من كتاب لفنكلشتاين بعنوان “صعود وسقوط فلسطين” صادر عام 1996 بين مطبوعات جامعة مينسوتا الأمريكية. وما لا أنساه أنه حدثني باستفاضة عن عالم السياسة هذا اليهودي التقدمي المناهض للصهيونية وأهمية كتاباته، وذلك من واقع معرفته الشخصية به.

صحيح أن بينهما في العمر 15 سنة، لكن فنكلشتاين عمل محاضرا وتقلد مسؤوليات أكاديمية بجامعة رتجرز، التي ناقش المسيري في رحابها أطروحته للدكتوراه في الأدب الأمريكي والإنجليزي 1969.

مع عائلتين من

“بيت ساحور” و”مخيم الفوار”

لم يكن هذا الكتاب المهدى لي على هذا النحو هو الأول لفنكلشتاين. ففي عام 1987 صدرت باكورة مؤلفاته المنشورة بعنوان “من المسألة اليهودية إلى الدولة اليهودية” عن أطروحته للدكتوراه بجامعة برينستون، التي تنتقد الصهيونية بمنهجية علمية وشجاعة.

وهو بدوره يهدي كتابه “صعود وسقوط فلسطين: شهادة شخصية على سنوات الانتفاضة” إلى سميرة ميخائيل وموسى أبو حشيش مدرسي اللغة الإنجليزية في قرية بيت ساحور ومخيم الفوار بالضفة الغربية، اللذين استضافاه في منزلي عائلتيهما، لكي يؤرخ عن قرب بالمعلومة والملاحظة، بالمشاركة وبالمعايشة والتحليل لحياة الفلسطينيين في سنوات الانتفاضة الأولى، وتحديدا من 1988 حتى توقيع اتفاق أوسلو 1993.

كما لا يفوت قارئ هذا الكتاب الاستشهاد المهم بصفحته الأولى من كتاب لإسحاق زوكرمان أحد قادة انتفاضة “جيتو وارسو” ضد النازي 1943 بعنوان “فائض الذكريات”. وقد تضمن نصا: “كان في الجيتو طبقة من الناس تعيش حياة جيدة في كل الأوقات. كانوا يهودا مهربين ومتعاونين اقتصاديا مع النازي. وهو مستوى آخر من عملاء النازي بيننا. ويمكنني القول مع الأسى والمرارة إن بين هذه المجموعة قادة لأحزاب وحركات سياسية.. وفي كل الأحوال لم يكونوا ليجوعوا مثلنا”.

وفي استهلال فنكلشتاين للكتاب على هذا النحو إشارة ذكية وواضحة إلى وثائق وكتابات تاريخية مهملة تفيد بتعاون قادة صهاينة مع النازي، وضد اليهود.

تحقيق في

استشهاد غزة

لم أعثر على ما يفيد ترجمة كتابه هذا المتميز فكرا ومنهجا وشجاعة إلى العربية. وأخاله لا يقل أهمية عن كتاب لباحثة علم الاجتماع الفرنسية لوتيسيا بوكاي، الذي صدر عام 2000 في القاهرة مترجما إلى العربية بعنوان “عنف السلام في غزة”، حيث قامت الباحثة الفرنسية بإنجاز أطروحتها الأكاديمية تأسيسا على إقامة ومعايشة للاجئين في مخيمات قطاع غزة خلال السنوات الأولى للسلطة الفلسطينية تحت الاحتلال.

لكنني وجدت كتابين اثنين فقط مترجمين إلى لغتنا من بين مؤلفات فنكلشتاين: الأول بعنوان “صناعة الهولوكوست: تأملات حول استغلال معاناة اليهود” من بيروت 2001، والثاني “التمادي في المعرفة: لماذا شارفت العلاقة الحميمة بين اليهود والإسرائيليين على نهايتها” من أبوظبي 2013.

وعلى أي حال، فهناك عرض نقدي منشور بالإنجليزية عبر شبكة تويتر يوم 21 يونيو/حزيران 2018 كتبه أستاذ القانون الدولي نيف جوردون من جامعة ماري كوين بلندن لكتاب آخر لفنكلشتاين لا يقل أهمية. ويحمل عنوان: “غزة : تحقيق في استشهادها”، وقد صدر في العام نفسه.

ويثمن جوردون، وهو يهودي مولود في إسرائيل فرّ منها بعد تهديدات بالقتل، تقديم فنكلشتاين سردية تاريخية دقيقة لما تلحقه إسرائيل من أذى بأهل غزة، وبخاصة خلال عدوانها في 2008 و2009 و2014، فضلا عن تحليله النقدي لتقرير جولدستون الصادر عن الأمم المتحدة ولخطاب منظمة العفو الدولية حينها.

“يا إسرائيل النازية..

أوقفي الهولوكوست”

في عام 1982، بدأ نشاط فنكلشتاين السياسي ضد الصهيونية عندما شارك حفنة من يهود نيويورك في احتجاج ضد غزو لبنان تحت شعار: “أبناء الناجين من انتفاضة جيتو وارسو ومعسكر اعتقال أوشفيتز لن يبقوا صامتين.. يا إسرائيل النازية أوقفي الهولوكوست في لبنان”.

ويشتهر فنكلشتاين بين جمهوره باستخدام مصطلح “دولة الاستعلاء اليهودي” في وصف إسرائيل، وبمقارناته الذكية القوية الملهمة بين ما تفعله بالشعب الفلسطيني وبين الهولوكوست النازي ضد اليهود وغيرهم. ولذا أصدرت الحكومة الإسرائيلية عام 2008 قرارا بمنعه من دخول فلسطين المحتلة.

وتحسبًا لتأثير ما يكشف عنه بشجاعة وإصرار، اشتدت الحملة ضده بإنتاج وتوزيع فيلم تسجيلي وثائقي عام 2009 بعنوان: “الراديكالية الأمريكية: محاكمات نورمان فنكلشتاين”. وحتى بيني موريس أحد المؤرخين الجدد الإسرائيليين اتهمه بتوظيف أبحاثه العلمية من أجل أجندة سياسية وباعتماده “نظرية المؤامرة”. لكن مؤرخين جددًا آخرين أكثر تقدمية وتحررا من الصهيونية أنصفوه، مثل آفي شلايم الذي اعتبر نقده للصهيونية وإسرائيل “بالغ التفصيل وموثقا جيدا ودقيقا”.

الدولة المجنونة

لكن الرجل لا يكف ولا يلين، على الرغم مما تعرض له من اضطهاد من السلطات الأكاديمية والشرطة في شوارع المدن الأمريكية. وأصبح يطلق على إسرائيل “الدولة المجنونة” التي لا تريد إلا الحرب والمزيد من الحرب. وقد بلغت شجاعته وإنصافه التصريح في 3 أكتوبر 2013 بحق حزب الله وحماس في استهداف مدنيين إسرائيليين، ما دامت إسرائيل مستمرة في استهداف المدنيين، ولا تتوقف عن أعمالها الإرهابية ضد غزة والضفة الغربية ولبنان وقتل العزل من دون تمييز.

وهو يرى حلّ الدولتين عمليا وبرغماتيا، لكنه ليس عادلا للشعب الفلسطيني. وسواء أكان الحلّ عبر الدولتين أو دولة واحدة ديمقراطية بعد القضاء على الصهيونية فطالما نادى ولا يزال بعودة ملايين اللاجئين الفلسطينيين من دون قيد أو شرط إلى قراهم ومدنهم وممتلكاتهم في كل فلسطين.

*

يصارع فنكلشتاين اليهودي بالعقل والجهد العلمي والشجاعة الأدبية الإنسانية والمثابرة “فرانكشتاين الصهيوني”. وللأسف لا أجد في اللغة العربية ما يوفيه وأمثاله التعريف والاهتمام اللائقين عند الناطقين بها. ولعلها مناسبة لأن نجدد الدعوة إلى متابعة عربية أكثر اهتماما وتفاعلا لإسهامات الحركات الشبابية والطلابية الجديدة المناهضة للصهيونية فكريا وسياسيا ولرموزها. وبالطبع لكل من ساهم على مدى عقود خلت في بناء وعي هذه اللحظة العالمية الإنسانية المصاحبة لهجوم “طوفان الأقصى” وما تلاه إلى اليوم.

المصدر : الجزيرة مباشر