العربيَّة على وسائل التواصل بين “الهَبْد” والتَّقعيد

تمثال سيبويه (منصات التواصل)

 

تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي رسائل نصيَّة أو مرئيَّة تنضوي على محتوى لغويّ، قد ينتجه المتخصصون أو غيرهم، وتقصيَّت العديد من تلك الرسائل لمعرفة طرائق التَّقعيد البنيويَّة التي تأسست عليها معظم تلك الرسائل، وهل اتُّبعت قواعد البحث العلميّ لاستخلاص تلك النتائج؟

وقد استعرت لفظ “الهَبْد” في عنوان المقال من العاميَّة المصريَّة للدَّلالة على ضرب من القول بلا علم مسبق، أو أن يُفتي الرجل في غير علمه، ولهذه الكلمة أصل لغويّ ليس ببعيد عن ذلك المعنى القارّ في العاميَّة المصريَّة، فالهَبْدُ والهَبِيدُ: الحَنْظَلُ، وقيل: حبه، واحدته هَبِيدة. وهَبَدْتُه أَهْبِدُه: أَطعَمْتُه الهَبيدَ، وقال أعرابي لامرأته “خذي حَجَرَيكِ فادَّقّي هَبيدا.. كِلا كلبَيكِ أعيا أن يصيدا”، كان القائل صيادًا أخفق فلم يصد، فطلب من امرأته أي شيء يتقوّت به، وكأنه يقول اهبدي لنا أي شيء نأكله، وبعيدًا عن أصالة المعنى إلا أنّي شعرت به يتردد في أذني وأنا أتابع قراءة أو مشاهدة الأعاجيب اللغويَّة المتناثرة في بعض رسائل غير المتخصصين وبعض المتخصصين.

 أما التَّقعيد فهو مصدر الفعل قعَّد، وقعَّد اللُّغة ونحوها: وضع لها قواعد يُعمل بموجبها، والتَّقعيد هو: صناعة القاعدة ووضعها، والتَّقعيد يقوم بـ”التَّعميم الذي يخرج بنا من الواقعة أو الواقعات المفردة إلى القانون الذي ينطبق على ما لا يُحصى من النماذج والوقائع”.

وليس مرامي من هذا المقال استقصاء قواعد البحث العلميّ وأنماط التقعيد اللغويّ والمقارنة بين المدارس اللُّغويَّة في ذلك، بل أهدف إلى تبيان التَّفرقة بين الظّاهرة اللُّغويَّة والقاعدة اللغويَّة، فليس من أصول التقعيد الاعتماد على مثال أو مثالين لاستنباط قاعدة يُوثق بها وتُنشر وكأنها اكتشاف علميّ، وبالبحث السطحيّ حتى تجد أنَّ هذه الأمثلة لا تعبّر عن نسبة معتبرة، وبالمثال يتضح المقال.

في إحدى المرئيات تتحدّث أستاذة عن قول الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، واستخلصت الأستاذة فائدة لغويَّة، وهي أنَّ الفعل يدلّ على زمن محدد: ماضٍ – مضارع – أمر، بينما يدل اسم الفاعل على جميع الأزمنة الماضي والمضارع والمستقبل، وهذا لبيان فضل الاستغفار، وليس ما أرجوه هنا تفسير الآية الكريمة أو بيان فضل الاستغفار بل أروم بيان أنَّ خطأ مثل هؤلاء نابع من الاتّكاء على قاعدة أو قواعد لغويَّة من بُنيَّات أفكارهم.

وهنا نستقصي الدلالة الزمنيَّة لاسم الفاعل والأفعال الثلاثة، فالزمن في اللغات عامة وفي العربيّة خاصة في غاية التعقيد، نظرًا إلى العناصر المساهمة في تشكيل الإحالة الزمنيَّة لا يتعلّق حقيقةً بالفعل وتصاريفه فقط، وإنّما يتعلّق وبصورة شائعة بالتركيب النحويّ، أو بإضافة بعض الملحقات إلى الفعل، قد تكون أفعالًا أو ظروفًا أو أدوات، لتحدّد الزمن وتوجّهه التوجيه المراد، لا من حيث المُضيّ أو الحضور أو الاستقبال فحسب، وإنّما من حيث جريان الفعل، أو الشروع فيه أو انقطاعه، ومن حيث التحقّق التامّ أو غير التامّ له ومن أمثال ذلك: (يلعب – لن يلعب – لم يلعب – كان يلعب – ما زال يعلب، أوشك أن يلعب، ما فتئ يلعب)، فتلك الجمل تحوي فعلًا مضارعًا لكن الدلالة الزمنيَّة تختلف كل الاختلاف فيها، فليس الفعل وحده من يحدد زمن الجملة بل القرائن اللفظيَّة والمعنويَّة، فقولك (أنا لا ألعب الكرة) هل المقصود في كل وقت كونها عادة، أم المقصود أنا لا ألعب الكرة الآن. فالزمن تعتريه مظاهر صرفيَّة وتركيبيَّة ودلاليَّة ومنطقيَّة وتداوليَّة.

وكذلك عند استقصاء زمن الجمل الاسميَّة المحتوية على مشتق أو مصدر، فالقرائن اللفظيَّة والمعنويَّة والمنطقيَّة والتداوليَّة هي التي تحدد زمن الجملة، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، هل اسم الفاعل(ذَائِقَة) هنا يدل على الماضي والحاضر والمستقبل كما ادّعت صاحبة المرئيَّة؟

بل أحيانًا يحدّد زمن الجملة السياق التداوليّ وليس السياق النصيّ وحده، وقد ورد في القرآن الكريم اسم الفاعل للدلالة على أزمنة متعدّدة حسب السياق، مثل قوله تعالى ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ للدلالة على الزمن الماضي، ومن أمثلة الدلالة على الزمن الحاضر فقط قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾، ومن أمثلة الدلالة على الزمن المستقبل فقط، قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ومن أمثلة الدلالة على الديمومة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾، ومن أمثلة الدلالة على الثبات قوله تعالى ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾، فهنا الوصف ثبات الصفة وليس لتجددها واستمرارها، فلم يكن الكلب يبسط ذراعيه بل كانتا ثابتتين على حالهما، وقد يدل اسم الفاعل على الصنعة مثل (تامر) وهو بائع التمر.

ومن الملاحظ أن السياقين النصيّ والتداوليّ لهما أهميَّة قصوى في تحديد الدلالة الزمنيَّة للأسماء، فقولك (أنا قاتلٌ أخاك) تعنى الاستقبال؛ فاسم الفاعل لا يعمل عمل فعله إلا دل على الحال أو الاستقبال، أما قولك (أنا قاتلُ أخيك) فيقتضي المعنى مضي الزمن بسبب إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله؛ إذن ينبغي لكل مقاربة تروم تحقيق مطلب الشموليَّة في معالجة النظام الزمنيّ أن تراعي تفاعل السياقات والمظاهر اللغويَّة والمعنويَّة.

خلاصة القول: إن النظرة السطحيَّة لمثال أو مثالين واستنباط القواعد بهذه الشاكلة ما هو إلا نوع من أنواع “الهَبْد” لا التَّقعيد اللغويّ.

المصدر : الجزيرة مباشر