داخل منزل رفاعة الطهطاوي.. حامل مشعل النهضة في العصر الحديث

منزل رفاعة الطهطاوي (الجزيرة مباشر)

تمرّ هذه الأيام ذكرى وفاة رائد التنوير والنهضة في مصر والعالم العربي؛ الشيخ رفاعة الطهطاوي، ورغم أنني والطهطاوي أبناء محافظة واحدة، ورغم عملي في الصحافة عقودا؛ فقد اكتشفت أنني لم أزر منزل أسرته التاريخي في مدينة طهطا بمحافظة سوهاج لأقف على تاريخ هذا البيت المغلق، وما يذخر به من تفاصيل تتعلق بهذا الرجل.

قرّرت زيارة البيت الذي يمتلكه الأحفاد -حاليا- ومنهم محمد رفاعة الطهطاوي، السفير السابق، ورئيس ديوان قصر الرئاسة في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي.

وبما أن الشيخ رفاعة الطهطاوي تاريخه ملك المصريين جميعا بما قدّمه من مجهودات عظيمة ونهضة في التعليم كانت سببا في تقدم مصر وقتها، جعلت المقارنة بين ما يحدث اليوم في التعليم وما فعله الطهطاوي تأتي في صالحه؛ لأن الطهطاوي أبو التنوير، ومهندس التعليم في مصر، ومؤسس الصحافة المصرية؛ إذ ترأس تحرير جريدة “الوقائع المصرية” التي كانت تصدر بالتركية، ثم حوّلها الشيخ رفاعة إلى العربية، لتبقى الحقيقة أن الطهطاوي هو مؤسس التنوير في مصر الحديثة.

منزل أسرة رفاعة

البيت يطل على 3 شوارع؛ شارع بورسعيد، وبه المدخل الرئيس للبيت، وهو مغلق، وأمامه من الناحية الأخرى البطرخانة المسيحية، وكانت ضمن أملاك رفاعة الطهطاوي، وشارع جانبي به مدخل آخر يحمل اسمه، وبه كنيسة أيضا، والناحية اليمنى شارع باسم رفاعة باشا.

دخلت المنزل الذي يبلغ من العمر 130 سنة بعد الاتفاق مع أسرته بالقاهرة، ورأيت الصورة الأصلية للشيخ رفاعة المصنوعة من الجلد التي أحضرها معه من فرنسا، وهي ما نراها في كل المطبوعات والمواقع والكتب، وصورة له مع رفاقه في البعثة، وساعة حائط باللغة اللاتينية جلبها الشيخ من الخارج، عمرها يصل إلى 170 عاما، و”كونسول” عمره 150 عاما في حالته الطبيعية، وخزينة حديدية كبيرة تعود إلى عام 1855، وجزء من مكتبة، ومكتب ابن رفاعة، وكذلك صالون كبير.

المنزل تبلغ مساحته بالحديقة نحو 1300 متر تقريبا، وهو عبارة عن طابقين؛ الأول لاستقبال الضيوف، وبه 7 غرف، وصالة واسعة وكبيرة في مدخل البيت، وعلى الباب من الخارج يربض أسدان من المرمر شمال ويمين المدخل الرئيس المغلق، عليهما توقيع الفنان الذي نحتهما، أما الطابق الثاني فعبارة عن استراحة للأسرة، ويضم غرفا عدة، ويوجد في الطابق الثالث سطوح به بعض المقتنيات.

نسبه ومولده

ينتسب رفاعة الطهطاوي إلى الإمام الحسين -رضي الله عنه- فاسمه رفاعة بن بدوي بن علي بن محمد بن علي بن رافع، ويصل نسبهم إلى محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن فاطمة الزهراء -رضي الله عنهم- ووُلد في مدينة طهطا بمحافظة سوهاج في 15 من أكتوبر/تشرين الأول 1801، وتعلّم في الكتاتيب، وحفظ القرآن، وتنقّل مع أسرته من طهطا إلى جرجا وقنا، والتحق بالأزهر الشريف في الـ16 من عمره، وتفوق فيه، وعمل إماما في الجيش المصري النظامي عام 1824.

بعد ذلك رشحه شيخه حسن العطار إماما لبعثة الطلاب المصريين التي أرسلها والي مصر (محمد علي باشا) إلى فرنسا، واستطاع بذكائه وقدرته على التعلم إتقان اللغة الفرنسية وهو على ظهر السفينة المتجهة إلى باريس.

لم يكتفِ رفاعة بذلك؛ بل أخذ في الترجمة والتعلم، مما دفع الحكومة المصرية لتضمّه إلى بعثة الطلاب في تخصص الترجمة، فترجم الكتب من مختلف العلوم الإنسانية والعلمية، وهكذا ذهب الطهطاوي إماما للبعثة، فأصبح طالبا متفوقا فيها، وأدى امتحان الترجمة في أشهر مخطوطاته وكتبه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”.

عودة الطهطاوي ومشروع النهضة

وعند عودته بدأ نشاطه في افتتاح مدرسة الترجمة، وعُين مديرا لها، ومدرّسا فيها أيضا، وتحوّلت المدرسة -فيما بعد- إلى كلية الألسن -حاليا- وأنشأ مدرسة المحاسبة لدراسة الاقتصاد، ومدرسة لدراسة العلوم السياسية، وساعد على تدريس جميع المعارف باللغة العربية، وكان أول صحفي مصري في العصر الحديث، وأسَّس المدرسة الحربية مع سليمان باشا الفرنساوي، ومدرستَي الطب والهندسة كذلك.

وهو أول مَن أسَّس مشروعات عظيمة في مصر الحديثة، منها أنه أول مصري يترجم 12 كتابا في العلوم المختلفة، وأول مَن أسَّس للتعليم المدني في مصر، وأول مَن أنشأ متحفا للآثار المصرية، وأول مَن نادى بتعليم المرأة وعملها، وأول مَن كتب أول عقد زواج مدني في العصر الحديث، واشترط على نفسه فيه شروطا عديدة في زواجه من ابنة خاله، ومنها عدم الزواج بأخرى، وعدم التمتع بأي جارية ما دامت تعيش معه في ودّ واحترام متبادل.

كان مشروع رفاعة للنهضة الحديثة قويا، حتى تولى عباس باشا الحكم، فأغلق مدرسة الألسن، وأوقف أعمال الترجمة، ونفى رفاعة إلى السودان بحجة الإشراف على مدرسة هناك، ولم يمَل رفاعة، فبنَى مدرسة في السودان، وواصل مشروعه في الترجمة، حتى تولى سعيد باشا الحكم، فعاد إلى مصر، واستمر في الترجمة، والإشراف على العديد من الأنشطة، وإنشاء العديد من المؤسسات.

بعض المفكرين أخذوا على الشيخ اهتمامه بالمعاصرة، وتركه الأصالة، والحقيقة أنه قام بهما معا، فاهتم بالمعاصرة من خلال الترجمة والتعليم المدني، ومدارس الطب والهندسة، وكان مُولعا بالتراث؛ حيث اهتم بإنشاء متحف للآثار المصرية، وفي الوقت نفسه، حرص على أن تدرّس هذه المدارس العلمية والعسكرية العلوم الشرعية، وكان يرسل إلى مطبعة بولاق أمهات كتب التراث؛ لتطبعها على نفقة الحكومة، مثل كتب التفسير والفقه، وكذلك معظم الكتب النادرة من العلوم الشرعية؛ خوفا عليها من الاندثار.

وهكذا كان رفاعة الطهطاوي حامل مشعل التنوير الأول في مصر.

المصدر : الجزيرة مباشر