لبيك اللهم لبيك

حجاج على صعيد عرفات (رويترز)

 

(1) الطاعة واليقين

أيام قليلة تفصلنا عن عيد الأضحى المبارك أعاده الله علينا وعلى الأمة العربية، والإسلامية بالخير، واليمن، والبركات.

عيد الأضحى يعيدنا إلى ذكرى خليل الله إبراهيم وابنه البكر إسماعيل، وكيف كان إبراهيم عليه السلام وولده مثالا لطاعة الله والامتثال لأوامره مهما كان الأمر شاقا على النفس. كبيرنا وصغيرنا يعرف تفاصيل الحلم الذي تكرر على سيدنا إبراهيم وكان يرى فيه نفسه وهو يذبح ابنه، ورد الأخير حين صارحه أبوه بذلك، ويقص علينا الله تعالى تلك الواقعة في سورة الصافات: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ، فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ، وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ، قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ، إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ، وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ، وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ، سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ، كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ، إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ}.

ونحن نذبح حتى يومنا هذا ونتذكر ما كان من طاعة إبراهيم وولده وما كان من رحمة وإحسان من رب العالمين. لم تكن هذه المرة الأولى التي يختبر فيها الله إبراهيم في حب ابنه إسماعيل وتعلقه به وخاصة أنه ولد وسيدنا إبراهيم شيخ. امتحن الله إبراهيم قبل ذلك بسنوات طويلة، حين كان إسماعيل ما زال رضيعا تحمله أمه علي كتفها، وذلك عندما أمره الله تعالى بأن يتركهما في بقعة جرداء لا زرع فيها ولا ماء، ولقد فعل ما أمره به من دون تردد أو جدل، ويذكر الله تعالى ذلك في سورة إبراهيم الآية رقم 37: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}.

(2) حين يزيح الإيمان الخوف

هيمن الليل على الصحراء الموحشة، فافترشت السيدة هاجر الأرض وفي حضنها رضيعها إسماعيل، لم يكن معها إلا جرعة ماء بعد أن نفد الطعام، ضمت طفلها إلى صدرها بقوة لتبعد شبح الخوف عنها وعنه، وهمست في أذنه: لم يتركنا أبوك للموت.. تركنا في معية الله، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب.

تشرق الشمس، وتعيد للصحراء لونها الأصفر على امتداد البصر، ومع ارتفاع الشمس في كبد السماء، تبلل شفتي طفلها بآخر قطرة ماء لديها وتنظر إليه مشفقة وهو يبكي من الظمأ والجوع، تعطيه ثديها الجاف يعتصره دون فائدة، ويبكي من جديد.. تهدهده لعله ينام.. تضعه على الأرض وتنطلق تبحث عن الماء في كل اتجاه.

كان الصفا أقرب جبل إليها، صعدت عليه وراحت تنظر من فوقه في كل ناحية بحثًا عن أمل، رأت في ناحية جبل المروة سرابا ظنته ماء، هرولت من الصفا في اتجاه المروة، وفى ظنها أنها ستعثر أخيرا على الماء.

ولكنها لم تجد شيئًا، وقفت منهكة تجيل البصر حولها، فرأت الماء ناحية الصفا، كانت تريد أن تصدق عينيها وتكذب تجربتها، فعادت مهرولة إلى الصفا، ولكنها لم تجد شيئًا.. وهكذا في كل مرة تسعى وراء الأمل، فعلت ذلك سبع مرات وطفلها لم يفارق مخيلتها، فلما كانت المرة السابعة، وقد اشتد بها العطش، وأخذ منها التعب، وأنهكها المسير، دون أن تعثر على الماء، ألقت نظرة يائسة على رضيعها فإذا الماء ينبع من تحت قدميه، فأتته مسرعة وراحت تجمع حوله الرمل وهي تقول: زم زم. ثم أخذت تشرب من الماء حتى ارتوت وانحنت على طفلها لتسقيه وهي تبتهل بحمد الله. سعي السيدة هاجر بين الصفا والمروة أصبح من مناسك الحج والعمرة. سلام عليكم آل إبراهيم ورضوانه وبركاته.

(3) وَأَذن في الناس بِالحج

الحج أحد أركان الإسلام لمن استطاع إليه سبيلا، وكل مسلم متعلق قلبه بطاعة الله يتمنى أن يكتب له الحج ويسعى لذلك مهما كلّف من جهد ومال. في الحج يجتمع المسلمون من جميع بقاع الأرض في مكان واحد في توقيت واحد، كما أن هناك قواعد موحدة لزي الرجال والنساء يجعل الفوارق بين المسلمين تتضاءل إلى أقصى حد. يبدو المشهد في الحج مهيبا، آلاف المسلمين يطوفون حول الكعبة بقلوب متلهّفة تطلب الرحمة والمغفرة من رب البيت، لا يوجد مشهد يماثل هذا المشهد، حيث يبدو المسلمون على قلب رجل واحد يعبدون ربًّا واحدًا لا شريك له.

الإسلام دين الجماعة وهو يهدف في أساس تشريعه لتكوين مجتمعات ذات قيم ومبادئ إنسانية رفيعة يتكافل فيها الناس ويعين بعضهم بعضا على مسعاهم في الحياة الدنيا وفي طاعة الله وامتثال أمره، ومن هنا جاء مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما تفعله الدول العظمى الآن حين تسعى للترويج لقيمها ومبادئها بين الأمم وتنكر على دول أخرى قيمها إذا وجدت فيها ما ينافي القيم الإنسانية وما تعارف عليه الناس من خير. لكن للأسف عادة لا تلتزم الدول الكبرى بقيم إنسانية أساسية في تعاملها مع غيرها من الدول مثل العدل والإحسان، وهي قيم إسلامية أصيلة يأمرنا الله بها.

في عيد الفطر وعيد الأضحى وكل المناسبات الإسلامية تذكروا مقاصد الله من العبادات، وهي طاعته التي نعتصم بها من ضعفنا الإنساني لنكون أفضل مع أنفسنا ومع غيرنا. الطاعة هي حصن المؤمن. وفي كل الأوقات علينا دومًا أن نلبي أمر الله تعالى. “لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك”.

المصدر : الجزيرة مباشر