ماذا ننتظر من وسيط مُشارك في العدوان؟

بايدن ونتنياهو خلال زيارة بايدن لإسرائيل عام 2016 عندما كان نائبا للرئيس الأمريكي باراك أوباما (رويترز)

رغم المساحة الكبيرة التي شغلتها قرارات مؤتمر الاستجابة الإنسانية الطارئة، الذي عُقد بالأردن مؤخرا بوسائل الاعلام المصرية، الا أنني لم أتوقف كثيرا عند تلك القرارات رغم إيجابية مضمونها، وهو نفس موقفي غير المكترث من قرارات القمة العربية الأخيرة، بعد ما جرى من عدم تنفيذ لأي من قرارات القمة العربية الإسلامية الأخيرة..

خاصة وأن السلطة الفلسطينية قد قدمت ورقة عمل محددة التوقيتات والتكلفة وفروع الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية للقمة العربية الأخيرة، لتخفيف المعاناة عن سكان غزة، لكنها لم تحظ حتى بالإدراج ضمن قرارات المؤتمر، ولولا اطلاعي على الأوراق المقدمة للمؤتمر ما علمت شيئا عن تلك الخطة الإنسانية، التي لم يرد لها ذكر بوسائل الإعلام التي قامت بتغطية وقائع المؤتمر.

وأعترف أن نفس موقف عدم الاكتراث تكرر معي عند الإعلان عن مبادرة الرئيس الأمريكي بنهاية الشهر الماضي لوقف إطلاق النار، رغم التحديد الزمني لمراحلها الثلاث وشمولها لقضايا الأسرى من الجانبين، والانسحاب الإسرائيلي المتدرج من غزه وإعمار غزة.

وأكدت الأيام التالية للإعلان عن المبادرة التي قيل إنها في الأصل مقترح إسرائيلي، صدق حدسي بعدم الاكتراث بها، إذ زادت وحشية المجازر الإسرائيلية بالقطاع بعدها واستمرار التغاضي الأمريكي عن تلك المجازر، مما نجم عنه عدم تفاؤلي أيضا بقرار مجلس الأمن الأخير، الساعي لعقد هدنة تنفيذا لمبادرة الرئيس الأمريكي لعدم الوثوق بالموقف الأمريكي المؤيد على طول الخط للموقف الإسرائيلي.

وكيف لي أن أصدق السعي الأمريكي المزعوم لوقف الحرب، بعدما ظلت تعوق لشهور طويلة مساعي وقف إطلاق النار، سواء من قبل مجلس الأمن أو من محكمة العدل الدولية أو من قبل الأمم المتحدة، وكيف أصدق المساعي السلمية من قبل دولة شريكة رئيسية للعدوان على غزة، تمد العدوان بالسلاح والمال والمواقف السياسية، لدرجة مناقشة مجلس الشيوخ الأمريكي توقيع عقوبات على المحكمة الجنائية، لمجرد سعيها لتجريم أفعال رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير دفاعها، بل ودعوة الكونغرس الأمريكي بمجلسيه الشيوخ والنواب لرئيس الوزراء الإسرائيلي للحديث أمامه لتجديد موقفها الداعم له.

  وسيط يتبنى الرواية الإسرائيلية للأحداث

كيف يمكن أن تكون أمريكا وسيطا وهي منذ البداية تتبنى الرواية الإسرائيلية للأحداث، بداية من الزعم بقتل حماس للأطفال الإسرائيليين، واغتصاب النساء خلال عملية طوفان الاقصى، وكذلك روايتها بشأن المسؤولية عن استهداف مستشفى المعمداني وأنها جاءت من قبل صواريخ المقاومة، والرواية الإسرائيلية حول مشاركة موظفين بالأونروا في عملية طوفان الاقصى، التي نجم عنها توقف عدد من الدول عن تقديم المعونات إلى الأونروا رغم المعاناة الإنسانية للسكان..

وكذلك صمتها عن عملية التجويع والحصار لعدة أشهر، لتخرج بعدها ببديل إلقاء المساعدات من الجو، والذي تسبب في مقتل العشرات في أكثر من مكان تم فيه إلقاء الطعام، بعد استهداف القوات الاسرائيلية تلك التجمعات، ثم تخرج بمشروع إقامة رصيف عائم لتوصيل المساعدات مشكوك في أغراضه الحقيقية والذي استغرق وقتا لإنشائه، رغم وجود العديد من المعابر البرية المغلقة التي تعد الوسيلة الأكثر إفادة لإدخال المساعدات، أو حتى إدخال البضائع بشكل تجاري سواء من ناحية القرب الجغرافي أو كبر الكميات التي يمكن دخولها.

وصمتها عن استهداف القوات الاسرائيلية للمستشفيات واقتحام أكثر من مستشفى وإخراج نزلائها منها، وكذلك استهداف مرافق المياه والكهرباء والاتصالات، وهو ما تكرر مع مقتل عشرات الإعلاميين بينما يمثل احتجاز إعلامي موال لها بأحد المطارات لبضع ساعات، قضية تتعلق بحرية الرأي والديمقراطية وانتهاك الحريات الاعلامية تستحق التنديد والاستنكار!

ورغم تكرار المجازر بشمال ووسط وجنوب غزه فلم تر الإدارة الأمريكية في ذلك إبادة جماعية، ولم تتدخل لتنفيذ توصيات محكمة العدل الدولية لتخفيف المعاناة عن المدنيين، كما كانت الازدواجية في المعايير واضحة بالمقارنة لموقفها من العدوان الروسي على أوكرانيا. كذلك لم تتحرك تجاه ما يتم خلال الشهور الماضية في الضفة الغربية من عمليات قتل واعتقال وتدمير للمساكن.

 كسب الوقت لتحقيق الأهداف المشتركة

كما شهدت مواقفها خلال شهور الحرب تراجعا عما كان تقرره من مواقف، مثلما حدث مع تلميحها بخفض كميات الإمداد بالأسلحة ونكوصها عن ذلك، وتحذيرها من الدخول لرفح المكتظة بالسكان لكنها تناسب كلامها مع الاقتحام المستمر لرفح منذ أسابيع.

ولكل ما سبق من حيثيات لم تعد لدي ثقة في الموقف الأمريكي، ولا في تصريحات قياداتها وجولات مسؤوليها بالمنطقة، لإدراكي التام أن ما يتم مناقشته بالجلسات المغلقة، مختلف تماما عما يتم الإفصاح عنه باللقاءات الصحفية عقب تلك الاجتماعات، والتي تسعى جميعها لهدف رئيسي وهو القضاء على المقاومة، والإفراج عن الأسري الإسرائيليين وتحقيق أمن اسرائيل وربما تهجير عدد من الفلسطينيين، بعد إطالة مدة تجويعهم واستمرار قصفهم وكثرة الضحايا منهم، من خلال الرصيف البحري الذي يمكن أن يساعد في ذلك.

وأصبح الشك في الموقف الامريكية هو سيد الموقف، من خلال قيامها بالتنسيق مع الإدارة الإسرائيلية لإطالة أمد الحرب وكسب المزيد من الوقت، لاستنزاف قدرات المقاومة وسكان غزة، واستمرار التجويع والحصار والتجزئة المكانية بالحواجز والمعدات العسكرية، ثم استخدام المعونات وتوزيعها من قبل كوادر محلية لشراء ولائها، وبث الوقيعة بين السكان وكذلك بينهم وبين المقاومة.

كما أصبح هناك شك في إمكانية قيام الرئيس الأمريكي بالضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي، لقبول وقف إطلاق النار الذي يعني نهايته السياسية، فالرئيس الأمريكي عينه على اللوبي اليهودي وموقفه الانتخابي مع قرب موعدها أوائل نوفمبر/تشرين ثان المقبل، خاصة وأن خصمه الانتخابي يباهي بأنه الرئيس الامريكي الوحيد الذي نقل السفارة الأمريكية للقدس، واعترف بضم الجولان لإسرائيل رغم مجافاة ذلك لقرارات الأمم المتحدة، ومنها يمكن اعتبار تلك المبادرة الأخيرة للرئيس الأمريكي والقرار الأخير لمجلس الأمن مماثل لقراره السابق، الذي دعا فيه لوقف إطلاق النار قبيل عيد الفطر الماضي وضربت به إسرائيل عرض الحائط بمباركة أمريكية.

المصدر : الجزيرة مباشر