كيف نصوم يوم عرفة عند اختلاف الرؤية؟

الكعبة المشرفة (رويترز)

يحرص كثير من المسلمين كل عام على صوم يوم عرفة، لما ورد من فضله، من تكفير العام الذي سبقه، ولما لليوم من أثر في نفوس المسلمين، حيث يقف الحجيج على صعيد عرفة يلبون الله -تعالى- ويدعونه، فإذا كان صوم ذلك اليوم ممنوعًا على الحاج، لما هو فيه من هول الموقف، ومهابته، والانشغال بالدعاء، فإن غير الحاج يحاول الاقتراب من فعله، بصوم ذلك اليوم، رجاء المثوبة والمغفرة.

وكانت هناك مسألة تثار في كل رمضان، عند بدايته ونهايته، وهي: رؤية الهلال، سواء هلال رمضان، وبدء الصوم، أو هلال شوال وبدء عيد الفطر، وبدأت في الآونة الأخيرة تثار أيضًا قضية هلال ذي الحجة، إذ بناء عليه يكون أهم مشاعر الحج، وهي: الوقوف بعرفة، وصوم ذلك اليوم لغير الحاج، وقد كان الأصل أن الناس في العالم الإسلامي لا تهتم كثيرًا بهلال ذي الحجة من حيث تحريه، فقد كانت تكتفي بأن الحجيج يقف في عرفة يوم كذا، بناء على منطقة عرفة نفسها.

لكن في هذا العام، وفي أعوام سبقت، بدأت تختلف المطالع والرؤى، فنجد دولًا ترى يوم عرفة في يوم معين، ودولًا أخرى في يوم آخر غيره، فما الموقف الفقهي هنا، سواء للواقفين بعرفة، أو الصائمين له؟ وهي مسألة تعرض لها الفقهاء قديمًا، على مستوى المذاهب الأربعة وغيرها، لأنها مسألة مطروحة بحكم تباعد الدول قديمًا، وقد كانت التقنيات الحديثة كفيلة بالمساعدة والحل لو توحدت الرؤى في هذه المناسبات المهمة، وهو ما حاول فعله الدكتور نصر فريد واصل فترة توليه الإفتاء في مصر، بعمل مرصد إسلامي عالمي، لكنه جهد لم ينته لفعل على أرض الواقع.

خلاف قديم في المسألة:

وهناك خلاف في المسألة، وبناء عليه تأتي وجهة نظر المفتي الذي يفتي في الموضوع، فهل المعتبر في قضية يوم عرفة: الزمان، أم المكان؟ أي: هل المسألة هنا مرتبطة بالمكان فلا يعد ولا يعتبر إلا الوقوف في عرفة، وبذا تكون رؤية أهل المكان هي الأهم والأولى، أم الاعتبار الزمان، فهنا الأولوية لرؤية كل من يرى، وكي لا ندخل كثيرًا في تشعيبات الفقهاء ونقاشاتهم، وهي نقاشات مهمة للمختصين، ولكن عامة الناس لا يعنيها إلا ما تصح به عبادتها، وهو الأهم في الموضوع.

إن الحاج الذي سيقف بعرفة، لا يعنيه في الأمر، سوى يوم الوقوف الذي حددته الجهة المختصة بتنظيم هذا اليوم، ولذا تكون رؤيتها وتحديدها هي المعتبرة بالنسبة له، ولا اعتبار لأي رؤية أخرى خارجها، وهو بالفعل ما يلتزم به الحجيج على مدار الزمان، لأن أهم ركن في الحج هو الوقوف بعرفة، وأي خطأ في الأمر، وهو وارد، من حيث الرؤية، فهو مغتفر في الشريعة الإسلامية، إذ إنه خطأ بني على اجتهاد بشري.

أما من يصوم خارج عرفة، فلا إشكال في الرؤية التي يعتمدها للصوم، فأي رؤية اعتمدها فصومه صحيح، لكن شريطة ألا يكون بذلك مخالفًا لعموم المكان الذي يصوم فيه، فلا يتبنى رؤية دولة غير الدولة التي هو فيها، خاصة أن يكون معلنًا بها، فلو كان مقتنعًا بالرؤية في الصوم ببلد مخالف، فعليه أن يكون ذلك في خاصة نفسه، لا معلنًا بذلك، ومخالفًا جمهور الناس.

عرفة يوم يعرف الناس:

فسبب اختلاف الفقهاء قديمًا وحديثًا في الموضوع هو حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال فيه: “الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحي الناس”، وقد نظر الفقهاء في الحديث نظرة غاية في العمق والتبصر، فقالوا: (ويوم ‌عرفة: ‌اليوم ‌الذي يظهر لهم أنه يوم عرفة، سواء التاسع والعاشر)، وقال آخرون: (وفسر أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما معنى هذا أن الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس، وإيضاح ذلك: أن الخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد).

فقد كان هدف الفقهاء من وحدة الناس، واجتماعهم على العبادة واضحًا في أقوالهم، ومن ذلك قول الإمام الكاساني الحنفي: (من رأى الهلال وقف يوم عرفة لم يجزه وقوفه، وكان عليه أن يعيد الوقوف مع الإمام، لأن يوم النحر صار يوم الحج في حق الجماعة، ووقت الوقوف لا يجوز أن يختلف فلا يعتد بما فعله بانفراده.

وكذا إذا أخر الإمام الوقوف لمعنى يسوغ فيه الاجتهاد لم يجز وقوف من وقف قبله، فإن شهد شاهدان عند الإمام بهلال ذي الحجة فرد شهادتهما، لأنه لا علة بالسماء، فوقف بشهادتهما قوم قبل الإمام لم يجز وقوفهم، لأن الإمام أخر الوقوف بسبب يجوز العمل عليه في الشرع، فصار كما لو أخر بالاشتباه).

ومن أفقه العبارات التي قيلت في الأمر ما ذكره ابن تيمية -رحمه الله- حين بيّن صحة من اجتهد في الرؤية أيًا كان يوم وقوفه أو صومه يوم عرفة، فقال: (وعلى هذا العمل عند أئمة المسلمين كلهم، فإن الناس لو وقفوا بعرفة في اليوم العاشر خطأ أجزأهم الوقوف بالاتفاق، وكان ذلك اليوم يوم عرفة في حقهم، ولو وقفوا الثامن خطأ ففي الإجزاء نزاع، والأظهر: صحة الوقوف أيضًا، وهو أحد القولين في مذهب مالك ومذهب أحمد وغيره.

قالت عائشة رضي الله عنها: “إنما عرفة اليوم الذي يعرفه الناس”، وأصل ذلك أن الله -سبحانه وتعالى- علّق الحكم بالهلال والشهر، فقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}، والهلال اسم لما يستهل به: أي يعلن به، ويجهر به، فإذا طلع في السماء ولم يعرفه الناس ويستهلوا لم يكن هلالًا، وكذا الشهر مأخوذ من الشهرة، فإن لم يشتهر بين الناس لم يكن الشهر قد دخل).

 

المصدر : الجزيرة مباشر