“إسرائيل” والاغتيالات.. جرائم لا تسقط بالتقادم

تعد الوحدة 8200 إحدى وحدات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وأكبرها
إحدى وحدات الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (الجيش الإسرائيلي)

في تنوع وتعدد الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني هناك جريمة منسية دائمًا ولا يتذكرها العرب، ولا يرددها الإعلام لينعش بها ذاكرة الأجيال الصغيرة، تلك الأجيال التي لا تعرف الكثير عن الصراع العربي الصهيوني، ولا عن بشاعة وحقارة دولة الاحتلال، لأنها لا ترى إلا المحطات الأشهر في هذا الصراع الممتد منذ عام 1948، وقت أن قامت دولة الاحتلال واعترف العالم بها، هذه الجريمة المنحطة التي تليق باحتلال عنصري استيطاني هي اغتيال الشخصيات الفلسطينية.

محاولات الاغتيال التي تعرض لها قادة في حزب الله اللبناني طوال الأيام الماضية ليست جريمة عابرة، بل هي مجرد حلقة في سلسلة طويلة من الاغتيالات نفذها الكيان المحتل ضد قيادات سياسية فلسطينية.

الاغتيالات التي استخدمتها دولة الاحتلال كانت تقع على رموز سياسية تقيم بالداخل الفلسطيني حينًا، لكنها امتدت في أحيان أخرى لتقتل وتغتال الفلسطينيين في الخارج كأي جماعة إرهابية لا يردعها قانون أو توقفها أخلاق.

منذ عام 1967، نفذ الكيان المحتل سلسلة من عمليات الاغتيال استهدفت العديد من القادة الفلسطينيين، وقد ظلت هذه الجرائم الحقيرة خارج المحاسبة والإدانة وكأن شيئًا لم يكن، حتى ولو وقعت فوق أراضي دول أخرى خارج فلسطين المحتلة في انتهاك لسيادة الدول وأمنها وأمن شعوبها.

اغتيال شخصيات فلسطينية من كل الاتجاهات

في أبريل/نيسان 1988 نفذ الكيان المحتل عملية اغتيال خليل الوزير (أبو جهاد) في تونس.

وأبو جهاد هو أحد القيادات التاريخية المؤسسة لحركة التحرير الفلسطينية (فتح)، ونائب القائد العام لقوات الثورة الفلسطينية، وقد تعرض للتصفية في العاصمة التونسية في عملية نفذتها وحدة خاصة من الموساد الإسرائيلي بعد تعقب طويل.

بعد العملية الوضيعة كان الجدل الأهم وقتها يدور حول احترام السيادة الوطنية للدول ولا سيما بعد أن نددت تونس بالعملية واعتبرتها انتهاكًا صارخًا لسيادتها.

في الصوت الخافت الذي صدر من تونس وتجاهله العالم ما شجع الكيان المنفلت على المزيد من عمليات الاغتيال.

في يناير/كانون الثاني 1991 اغتيل صلاح خلف (أبو إياد) في تونس أيضًا.

وأبو إياد هو أحد مؤسسي حركة فتح ورئيس جهاز الأمن في منظمة التحرير الفلسطينية، وقد اغتيل مع اثنين من مساعديه بعد ثلاث سنوات من اغتيال أبي جهاد لتترسخ صورة الكيان المنفلت الذي يمارس الإرهاب على أراضي دول أخرى دون رادع.

من تونس إلى مالطا، ومن فتح إلى الجهاد استمر استخدام سلاح اغتيالات الشخصيات الفلسطينية، ففي أكتوبر/تشرين الأول 1995 اغتال الموساد فتحي الشقاقي زعيم حركة الجهاد الإسلامي بفلسطين في مالطا، وهي عملية عرف العالم أجمع أن وراءها الموساد الإسرائيلي، وأثارت وقتها انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان في العالم بعد أن اعتبرت هذه المنظمات أن هذه العملية الإرهابية ستزيد من التوترات الإقليمية، فضلًا عن أنها تمثل انتهاكًا لأراضي مالطا واعتداءً على سيادتها، ومع ذلك وبعدها بعام واحد كان الكيان المحتل يواصل سياسة التصفية والاغتيالات لكن في الداخل الفلسطيني، فبعد فتح والجهاد جاء الدور على حركة حماس وذلك عقب اغتيال الشقاقي بعام واحد.

اغتال الكيان المحتل المهندس يحيى عياش في يناير 1996، وعياش هو قائد كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، وأحد أبرز مؤسسي الحركة، وبعد ذلك تواصلت الاغتيالات بقتل الشيخ أحمد ياسين مؤسس حماس ثم عبد العزيز الرنتيسي أحد أبرز قيادات الحركة.

جرائم لا تسقط بالتقادم

التوازنات الدولية المختلة وغير العادلة والمنحازة لصالح الكيان المحتل طوال سنوات مضت حمته من المساءلة القانونية عن جرائم الاغتيال، لكنها فتحت جدلًا نخبويًّا ظل في صفوف القانونيين والسياسيين حول إمكانية مقاضاة دولة الاحتلال إذا ما تغيرت المعادلات السياسية الحاكمة وأصبح العالم أكثر اتزانًا وعدلًا.

في تلك العمليات الإرهابية انتهاك لسيادة الدول وللقوانين الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، فهي تخالف الحق في الحياة ذاته.

انتهاك حقوق الإنسان، ولا سيما الحق في الحياة، جريمة لا تسقط بالتقادم، والقتل العمدي خارج الحروب التقليدية جريمة يمكن مقاضاة الاحتلال عليها، وقد كان التنديد الصادر عن المنظمات الدولية في أعقاب عمليات الاغتيالات بما فيها الأمم المتحدة، مستندًا مهمًّا وقرينة مؤثرة على إدانة الإجرام الصهيوني، فربما يشهد النظام العالمي الحالي بظلمه الفادح الذي أظهره العدوان على غزة تغييرات جذرية في سنوات قليلة، ووقتها ستصبح محاكمة المجرمين الذين نفذوا جرائم الاغتيال أمرًا واقعًا لا مفر منه، مهما طال الزمن، فالقانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، يؤكدان حماية المدنيين وعدم استهداف الأشخاص خارج نطاق النزاع المسلح وفي أوقات الحروب، ويرفضان بشكل قاطع الاغتيالات لأسباب سياسية، باعتبارها أعمالًا ضد الإنسانية، حتى لو استندت إلى مبررات تتعلق بالأمن الوطني والدفاع عن النفس لتبرير جرائم لا تسقط بالتقادم ولا يمكن غفرانها أو التجاوز عنها.

 اغتيالات مستمرة ومقاومة لا تنهزم

برغم كل ما صنعته دولة الاحتلال، وبرغم تعرض العشرات من القادة والرموز الفلسطينية لعمليات الاغتيال غير الإنسانية وغير الأخلاقية، وبرغم أن كل هؤلاء قد نالوا الشهادة وابتعدوا عن ساحة المواجهات مع الكيان المحتل، فإن المقاومة الفلسطينية بفصائلها وأجنحتها استمرت وتطورت ووصلت إلى مستوى من القدرة والكفاءة أدهش العالم، فأصبحت شعوبه الحرة تنظر بإعجاب لا ينقطع إلى حماس والجهاد والجبهة الشعبية وفتح وغيرها ممن كبدوا العدو والعدوان خسائر عسكرية وسياسية واستراتيجية فادحة لا يمكن أن ينساها.

في كتب التاريخ لا ينتصر المحتل مهما طال الزمن، ومهما فاق إجرامه كل الحدود وفاقت همجيته كل مستويات الجنون، وعندما يأتي الوقت الذي ينتصر فيه الشعب المحتل على قاتله ستنفتح كل الأبواب المغلقة، وسيحاكم المحتل على جرائمه التي ظنّ حين ارتكبها أنه لن يحاسبه أحد عليها، وهو منطق لا يعرف التاريخ، ولم يتعلم منه، ويتناسى أن أبسط قاعدة سياسية لدى كل الشعوب التي عرفت طريق النضال والكفاح هي أن الاحتلال إلى زوال، وأن جرائمه لن تمر مهما طال الزمن.

المصدر : الجزيرة مباشر