خطبة الوداع واللمسات العبقرية

تصوير جوي منظر جوي يظهر المسجد الحرام في مكة المكرمة مع الكعبة المشرفة (الفرنسية)

(… إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا … إن كل أمر من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع … وربا في الجاهلية موضوع … ودماء الجاهلية موضوعة … فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف … وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنتي …) هذه هي الجمل الجامعة القاطعة، التي شكلت الهيكل العام لخطبة الوداع؛ فهل يمكن أن نقول إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ودّع أمّتَهُ بلمسات عبقرية على البنايات الكبرى؟

لمسات على النظم والمؤسسات

لم نجد في التاريخ الإنساني كله مثل هذا الرشد؛ عندما تنشأ في أمة من الأمم مؤسسات متضامّة متضامنة؛ تقوم بدور الحماية والرعاية للإنسان؛ فهذا يعني أنّ هذه الأمّة قد سعدت بالرشد وظفرت بالمجد، ولقد شيَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنايات ثلاث غاية في التماسك والقوة، وهي: الأسرة والمجتمع والدولة، فالأسرة هي التربة التي تنبت فيها الأجيال، والمجتمع هو المناخ الذي يتمدد فيه الإنسان ويستنشق منه الحياة، والدولة هي المظلة التي تحميه وتؤويه وتساعده على تحقيق وظيفته في دنياه، وقد وضعت خطبة الوداع اللمسات الأخيرة على هذه المؤسسات العظمى، ومعها لمسات فنية دقيقة على النظم الجوهرية: النظام السياسي والنظام الاقتصادي، والنظام القانوني القضائي، والنظام الثقافيّ العقديّ التصوريّ.

صيانةُ الحرمات حمايةٌ للمجتمعات

لا قيام ولا دوام لمجتمع لا تصان فيه هذه الحرمات الثلاث: الدماء والأموال والأعراض؛ لذلك أَوْلَى الوحيُ هذه الحرمات عنايةً ورعاية، ليس فقط بالتوجيه والإرشاد والترهيب والترغيب، وإنّما بوضع الأحكام والحدود والعقوبات، فالقصاص عقوبةٌ منصوصة في القرآن لمن قتل مؤمنًا عمدًا، وفي الخطأ وشبه العمد الدية، وفيما دون النفس أيضًا قصاص وأرش، وحرمة المسلم عند الله كحرمة الكعبة، ومن قتل معاهَدًا أو ذمّيًّا عوقب بعقوبة تصل عند الحنفية إلى القصاص، والأعراضُ مصونةٌ بالنهي عن كل ما يخدش عرض المسلم كالسب والشتم واللمز والقذف والتشهير، وما أكثر نصوص الوحي والسنة التي رسخت في المجتمع المسلم فضيلة الحفاظ على أعراض الناس وعدم الخوض فيها، أمّا الأموال فقد نظمت الشريعةُ توزيع الثروة عبر الميراث وإحياء الموات والإقطاع وغيرها، ثم نظمت إعادة توزيع الثروة، عبر الزكاة والوقف والحمى وغيرها، ثم وضعت الأحكام المنظمة للمعاملات المالية بشتى أنواعها: البيوع والإجارات والشركات والتبرعات وما يحفّها من وسائل التوثيق والإثبات؛ فنشأ المجتمع طاهرًا نقيًّا قويًّا فتيًّا، ثم جاءت خطبة الوداع لتضع اللمسة الأخيرة على هذا البناء الشامخ الحصين: (إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا ..).

اللبنات القوية ضمانة لسلامة البنيان

الأسرة هي اللبنة الأولى الأولية في بناء الأمة؛ لذلك اعتنى الإسلام بتقويتها وتمتينها؛ عبر أحكام شرعية ثابتة، واردة في محكم التنزيل، بدءًا من الخطبة ومرورًا بالمحرمات من النساء ثم أحكام النكاح وما يتصل به من مهور وحقوق ونفقات، وأحكام لتنظيم العلاقة بين الزوجين وتحديد واجبات وحقوق كل منهما تجاه الآخر، وانتهاءً بإنهاء الحياة الزوجية رفعًا للضرر، بالطلاق أو الخلع أو الفسخ، وما يرتبط بذلك الإنهاء من أحكام الحضانة والرضاعة وعِدَدِ النساء، ثم جاءت السنة لتملأ جميع المساحات التي تركها القرآن بحيث لا يبقى في الأسرة زاوية يلفها الغموض، ولأنّ ميزان الاعتدال يتمثل في القاعدة القرآنية (ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف) جاءت اللمسة الأخيرة على بناء الأسرة متساوقة مع هذه القاعدة الفذّة: (لكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف) لكنّ اللمسة اتسعت لتتوافق مع اتجاه القرآن في التأكيد على حقوق الزوجة؛ باعتبارها الطرف الضعيف: (فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله).

مناط الرشد السياسيّ

لكل نظام سياسيٍّ منظومةٌ قيميةٌ وحكميةٌ ودستوريةٌ يقوم عليها، وبقدر ما يستمدّ النظام هذه المنظومة من عمق ثقافته يكون معبرًا عن شعبه وممثلًا له ووثيقَ الصلة به؛ لذلك يجب أن يكون النظام السياسي الذي يظلل المسلمين قائمًا على دستور مستمدٍّ من الكتاب والسنة، وهذا هو المقصود من اللمسة الخاطفة التي جاءت في خطبة الوداع على هذا النحو البسيط المتدفق: (وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنتي)، أمّا النظام الاقتصادي فتكفي في ترشيده هذه اللمسة الدقيقة: (وربا الجاهلية موضوع)، وأمّا النظام القانوني وفلسفة التشريع فتتوجه إليهما هذه الإشارة التي تكسبهما استقلالية وتعفيهما من التقليد والتبعية: (ودماء الجاهلية موضوعة)، وأمّا النظام العقديّ التصوريّ الثقافيّ فهو نظام قائم من الأساس على نبذ الأعراف والأوضاع الجاهلية؛ لذلك كانت اللمسة الأخيرة متمثلة في هذه الجملة العميقة: (كل أمر من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع).

اللمسة القرآنية الجامعة

لكل لمسةٍ من تلك اللمسات دورٌ تؤديه، وتتوزع الأدوار لتشمل الأسرة والمجتمع والدولة، وتتخصص كل لمسة في ميدان لتغطي بمجموعها جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية، كل هذا في خطبة قصيرة وجيزة أطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحج الأكبر من فوق القصواء، أمّا اللمسة الجامعة على الدين كله فقد وضعها القرآن الكريم بنفسه: «الْيَوْمَ ‌أَكْمَلْتُ ‌لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً»، وهكذا كمل الدين وتمت النعمة، ورضي الله لنا الإسلام دينًا؛ وإنّها لنعمة نفرح بها ونشدو: «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ ‌مَوْعِظَةٌ ‌مِنْ ‌رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ»؛ من أجل ذلك نُكَبِّرُ في عيدنا الأكبر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله .. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

المصدر : الجزيرة مباشر