بعد مئة عام من سقوط الخلافة؟!

مر على البلاد العربية حكام كثيرون من أجناس مختلفة، عبر حِقبٍ تاريخية ممتدة، لكن المفارقة اللافتة أن أطول مدة خلافة حُكٍمت تحت رايتها معظم البلدان العربية مجتمعة كانت من عاصمة عريقة تقع خارج حدود العالم العربي هناك على أطراف الشمال الغربي لهضبة الأناضول في مدينة قديمة مكتظة تطل على مضيق البوسفور بعيدًا عن الخليج وغير قريب من المحيط.

من الأستانة أو القسطنطينية أو إسطنبول حيث يقع قصر الحاكم (الباب العالي) انطلقت راية العثمانيين لترفرف في أرجاء الدولة المترامية بين قارات ثلاث لتشمل حوالي خمسين دولة بينها معظم البلاد العربية التي مثلت القومية الأكبر التي حكمها السلاطين العثمانيون عبر مئات السنين.

وقعت البلاد العربية تحت حكم العثمانيين بعد انتصارهم على المماليك في معركتي “مرج دابق” بالشام سنة (1516م) و”الريدانية” في مصر سنة (1517م) وبسطت الدولة العثمانية نفوذها على معظم أنحاء الوطن العربي لعدة قرون حتى سقوط “الخلافة الإسلامية” وإلغائها على يد “مصطفى كمال أتاتورك” قبل مئة عام في 1924.

الإسلام والدولة

لا تنتمي تركيا الحديثة التي كانت تعرف ببلاد الأناضول إلى الكتلة الجغرافية الرئيسية للبلاد العربية وإن كانت تنتمي للكتلة الأكبر المكونة لبلدان العالم الإسلامي التي تمتد شرقًا إلى جنوب ووسط آسيا وغربًا إلى شاطئ المحيط الأطلسي في إفريقيا.

سهلت وحدة الدين للعثمانيين البقاء والسيطرة على البلاد العربية لنحو أربعة قرون رغم اختلاف اللغة حيث كانت التركية هي اللغة الأساسية لدواوين الحكم لكنها كانت تُكتَب بالحروف العربية، كما أدى الاهتمام بحفظ القرآن وتعلم اللغة العربية لاختلاط مفردات كثيرة هنا وهناك بعضها لا يزال مستخدمًا حتى يومنا هذا.

لم تشهد البلاد العربية الواقعة تحت ولاية السلطان العثماني أي مظهر للتنمية أو التجديد أو التطور وخرج العالم العربي من ظلام أمراء المماليك في مصر والشام وحكام الإمارات الصغيرة المتناثرة في العالم العربي، إلى ظلام العهد العثماني الذي اتسم بالاضمحلال فقد أهمل الإدارة الفعالة واهتم بالاستمرار فقط في بسط سيطرته وتقوية المركز على حساب الأطراف دون محاولة جادة لتطوير الركائز الأساسية والبنية التحتية اللازمة لبناء البلاد والعباد، فلم يهتم بالخدمات الأساسية إضافة لفرض ضرائب فوق الاحتمال، وتمييز الأتراك عن العرب والطبقية الواضحة، ونقل العمال والصناع المهرة لعاصمة الإمبراطورية، كما ارتكب العثمانيون عدة مذابح في بعض البلدان العربية وفي الأناضول نفسها جعلت صورة الحكم العثماني ملطخة بالدم منذ اليوم الأول.

بدايات التغيير

في أوائل القرن التاسع عشر، بدأ العرب يشعرون بضرورة الإصلاح والتغيير، ولكن دون التفكير في الانفصال فتحول الحكم العثماني إلى ارتباط اسمي فقط بعد أن نشأت دول شبه مستقلة احتفظ قادتها برابطة رمزية مع السلطان العثماني مثل محمد علي وأبنائه في مصر والأئمة الزيديين في اليمن وشيوخ القبائل العربية في الخليج ونجد والدايات في تونس والبايات في الجزائر.

ومع تراجع قبضة الدولة العثمانية ظهرت دعوات للتحديث والتنوير في العواصم القديمة مثل القاهرة ودمشق وبغداد وشاركت لبنان والمغرب في حركة النهضة الفكرية العربية خاصة بعد ظهور الطباعة وانتشار الصحافة التي عملت على نشر المعرفة وساهمت في النقاش حول قضايا الفكر، والثقافة، والعلاقة مع الدين ومع الحضارة الغربية.

وبدون الدخول في جدل وجود القصد أو انعدامه فقد ساهمت الحملة الفرنسية التي قادها “نابليون بونابرت” على مصر والشام (1801:1798م) في تعرف الشرق على أنماط من الحداثة والمعرفة حملتها معها الحملة العسكرية الفرنسية كالمطبعة، وفرق العلماء والباحثين، وشهدت المراكز الحضارية التقليدية بعدها إنشاء المدارس والجامعات وإرسال البعثات الطلابية إلى أوروبا واستقدام خبراء في مجالات متنوعة بحثًا عن تجارب ثرية تستفيد منها المجتمعات العربية التي عانت الانغلاق.

وبالتزامن مع ارتخاء قبضة “الباب العالي” القوية نشطت حركة الترجمة من اللغات الأوروبية وتمازج الأدب العربي مع الآداب الغربية، ونوقشت قضايا الحرية والمساواة والاستقلال عن الدولة العثمانية وظهرت تأثيرات الثورة الفرنسية ومدارس الفلسفة الغربية وحركة النهضة الأوروبية في استجابات الفنون والآداب في العالم العربي للمدارس الرائدة في أوروبا.

النهاية الفعلية

انتهى حكم العثمانيين فعليًا في بدايات القرن العشرين مع خلع السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1909م على يد رجال جمعية “الاتحاد والترقي” التي تأسست كمنظمة سرية للمطالبة بالديمقراطية والعلمانية (فصل الدين عن الدولة) ثم تم تعيين شقيقه السلطان محمد الخامس في ذات المنصب الذي احتفظ برمزية الحكم دون تفاصيله أو نفوذه حتى قام “أتاتورك” بإلغاء الخلافة الإسلامية رسميًا عام (1924 م) وعزل السلطان عبد المجيد الثاني آخر خليفة عثماني.

استخدم عدد من المؤرخين العرب المعتبرين لفظ “الاحتلال العثماني” ومنهم المؤرخ المصري الدكتور عاصم الدسوقي متكئًا على ما كتبه مؤرخون عاصروا دخول العثمانيين لمصر مثل “محمد بن إياس الحنفي” الذي وصف فظائع هجومهم على القاهرة والمجزرة التي ارتكبوها وشبهها بيوم دخول التتار لبغداد (1258 م) كما اعتبرها المؤرخ المصري” ابن زنبل الرمال” (1572:1500م)، في كتابه “انفصال دولة الأوان واتصال دولة بني عثمان” بأنه “أشأم الأيام على أهل المملكة”.

ورغم أن كتب التاريخ تمتلئ بتفاصيل المذابح والممارسات والظلم والإعدام باستخدام الخوازيق لكن مناهج الدراسة في البلاد العربية استخدمت مصطلح “الحكم العثماني” أو “الفتح العثماني” حتى سنوات قليلة مضت حينما تقاطعت المصالح السياسية والرؤى الحاكمة فظهر في الإعلام العربي مصطلح “الاحتلال العثماني” ليس بسبب تقييم موضوعي للفترة العثمانية ولكن كبديل يُفرغ شحنات الساسة الغاضبين من توجهات النظام التركي منذ وصول حزب العدالة والتنمية ذي الخلفية الإسلامية بزعامة “رجب طيب أردوغان” للحكم سنة 2003م.

 

المصدر : الجزيرة مباشر