حقوق الإنسان.. ضرورة هنا وتوظيف هناك

الشرطة الفرنسية ترتدي معدات مكافحة الشغب بجوار متظاهرين متضامنين مع فلسطين، بالقرب من مدخل معهد الدراسات السياسية (الفرنسية)

قدم طوفان الأقصى دليلًا جديدًا أكثر نصوعًا لسقوط الغرب في اختبار حقوق الإنسان.

سقط خلال الأشهر الماضية ما تبقى من ورق توت كان الغرب يستر بها ادعاءاته حول حقوق الإنسان.

اقرأ أيضا

list of 4 itemsend of list

لم يحدث هذا السقوط الغربي في تعامله مع بلداننا وشعوبنا العربية الإسلامية، بل إنه سقط في عقر داره، ومع مواطنيه حين تصدى للمتظاهرين الرافضين للعدوان الإسرائيلي، وحين فرض قواعد صارمة ضد حرية التعبير تجاه هذا العدوان.

لم تقتصر تلك القيود على مواجهة وتقييد حق التظاهر الذي كان أبسط حقوق المواطن الغربي، لكنه تعداه إلى الحريات الأكاديمية بملاحقة الباحثين الذين يتبنون مواقف مخالفة للرواية الإسرائيلية، وكذا تعداه إلى قمع الأصوات المستقلة في الإعلام التي أعلنت رفضها للرواية الإسرائيلية، حيث تم فصل العديد من المذيعين ومقدمي البرامج والصحفيين لهذا السبب.

كانت حقوق الإنسان هي البضاعة المغشوشة التي قدمها الغرب للشعوب العربية والإسلامية، وظل يفاخر بهذا المنتج الحضاري، ويلوي من خلاله أذرع العديد من الحكومات لإلزامها باحترام تلك الحقوق، كان الكثيرون في الشرق يطربون لذلك، لأنهم يعانون مظالم وقمعًا واسعًا لا يستطيعون مجابهته بمفردهم فكان الضغط الغربي بورقة حقوق الإنسان يخفف عنهم هذا القمع، مع الوقت اكتشفت الشعوب الإسلامية أن سلاح حقوق الإنسان هو أحد الأسلحة الناعمة التي يستخدمها الغرب لاستمرار فرض هيمنته واستمرار استعماره الناعم بدلًا من الاستعمار الخشن الذي دام عقودًا وانتهى بعد معارك التحرر التي خاضتها شعوب المنطقة ضده.

احتضان غربي للاستبداد

منذ اليوم الأول لاندلاع طوفان الأقصى كان الانحياز الغربي جليًا للرواية الإسرائيلية الكاذبة حول قتل الأطفال واغتصاب النساء دون التزام بأدنى معايير المهنية الإعلامية، ودون تحقق من تلك الروايات التي ثبت للجميع كذبها، ونظم الغرب حملات قوية لتسويق الرواية الإسرائيلية ليس فقط عبر إعلامه الذي كان يباهي بحريته واستقلاله من قبل، بل إنه عاد لاحتضان الحكومات العربية الاستبدادية، والتي كان يندد بانتهاكاتها لحقوق الإنسان من قبل، وكان يتخذ ضدها بعض الإجراءات العقابية بسبب تلك الانتهاكات.

بين عشية وضحاها أصبحت تلك النظم صديقه وحليفة فوق العادة للغرب، وبعد أن كانت القروض والمنح الغربية قد توقفت إذ بها تنهال مجددًا بطريقة فاجأت هذه الحكومات نفسها، وكان الهدف هو ضمان بقاء موقف هذه الحكومات ضد المقاومة ولو بطريقة مستترة، بل كانت هناك رغبة غربية في إقناع دول الجوار بقبول اللاجئين من غزة نظير مكافآت مالية ضخمة كافية لسداد الديون الخارجية أو جزء كبير منها.

هل نكفر بحقوق الإنسان؟

هل يعني هذا كفرًا بحقوق الإنسان؟! كلا.. بل المقصود هو كشف زيف الإدعاءات الغربية حول حقوق الإنسان وتوظيفها لخدمة أغراض الغرب ومشاريعه في الهيمنة الناعمة على المنطقة بشعوبها وثرواتها، لكن حقوق الإنسان ذاتها ستظل محل تقدير، بل محل تقديس انطلاقًا من تراثنا الإسلامي، الذي تحدث عن هذه الحقوق باعتبارها ضرورات إنسانية وليست مجرد حقوق هامشية.

فالقرآن الكريم تحدث عن تكريم الله للإنسان “ولقد كرمنا بني آدم”، وجعل عزة الإنسان قرينة لعزة الله ورسوله “ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين” ورفع قدر الموت دفاعًا عن الدين أو النفس أو العرض والمال إلى درجة الشهادة، والله تعالى هو القائل في الحديث القدسي “إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا” ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل “الظلم ظلمات يوم القيامة” وأمير المؤمنين عمر بن الخطاب هو القائل ” لا تضربوا الناس فتذلوهم، ولا تحرموهم فتكفًروهم” “و”متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”.

هكذا وضع الإسلام الأساس المتين لحقوق الإنسان قبل قرون من صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (العاشر من ديسمبر/كانون أول 1948)، وبما أن تلك الأسس وردت في القرآن والسنة فهي عبادة يتعبد بها المسلم لربه، يثاب على فعلها، ويعاقب على انتهاكها، بخلاف الإعلان العالمي الذي لا يزال محل أخذ ورد، وقبول من البعض وتجاهل من البعض بمن في ذلك الموقعين عليه.

ضرورات لا حقوق

يقول المفكر الراحل الدكتور محمد عمارة في كتابه الإسلام وحقوق الإنسان الصادر في العام 1985 ضمن سلسلة عالم المعرفة ص 14 “إن الإسلام قد بلغ في الإيمان بالإنسان، وفي تقديس حقوقه إلى الحد الذي تجاوز بها مرتبة الحقوق عندما اعتبرها ضرورات، ومن ثم أدخلها في إطار الواجبات، فالمأكل والملبس والمسكن والحرية في الفكر والاعتقاد والتعبير، والعلم والتعليم، والمشاركة في صياغة النظام العام للمجتمع، والمراقبة والمحاسبة لأولياء الأمور، والثورة لتغيير نظم الضعف، أو الجور والفسق والفساد الخ، كل هذه الأمور في نظر الإسلام ليست فقط “حقوقًا” للإنسان من حقه أن يطلبها ويسعى في سبيلها، ويتمسك بالحصول عليها، ويحرم صده عن طلبها، إنما هي “ضرورات واجبة” لهذا الإنسان.. بل إنها واجبات عليه أيضًا، إنها ليست مجرد حقوق من حق الفرد أو الجماعة أن يتنازل عنها أو عن بعضها، وإنما هي “ضرورات” إنسانية فردية كانت أو اجتماعية، ولا سبيل إلى حياة الإنسان بدونها” انتهى.

صحيح أن العالم العربي ضمن المناطق الأكثر انتهاكًا لحقوق الإنسان، ولكن ذلك ليس لغياب الأساس العقدي، ولكن بسبب النظم الاستبدادية التي تحكمه، والتي لا تحترم ذلك الأساس العقدي، وفي الوقت نفسه تجد دعمًا قويًا من الغرب، بحسبانها وكلاء له في المنطقة تحمي مصالحه، وتنفذ أجندته مقابل الحماية الغربية لها، وصحيح أيضًا أن الشعوب العربية لا تقل عشقًا للكرامة والحرية عن غيرها من الشعوب، وقد سعت لنيل تلك الحرية والكرامة عبر موجات الربيع العربي المتتالية، لكن الغرب المتاجر بحقوق الإنسان هو الذي ظاهر وناصر الثورات المضادة وقدم لها أسلحة وأدوات التعذيب والمراقبة والتجسس على هذه الشعوب لقمعها وحرمانها من حقوقها.

الدرس الأبرز من انكشاف الزيف الغربي في قضية حقوق الإنسان هو تحرك الشعوب لنيل حريتها وكرامتها مهما كلفها ذلك من أثمان دونما انتظار مساعدة الغرب أو غيره، فما حك جلدك مثل ظفرك فتولى أنت جميع أمرك.

المصدر: الجزيرة مباشر

إعلان