حين تصبح الدولة رهينة لشخصية الزعيم

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

(1) التفاصيل الصغيرة تصنع الفارق

حين تشاهد مقاطع الفيديو التي تم تداولها في وسائل الإعلام من اجتماع قادة مجموعة السبع في إيطاليا، تشعر للوهلة الأولى بالانسجام والتناغم بين هؤلاء القادة الذين يمثلون سبع دول صاحبة اقتصاديات قوية، وتعد الأوفر حظا في التنمية والرفاهية، وتتبنى النظام الديمقراطي في الحكم، وهو ما يتولد عنه عدد من القيم المشتركة التي تقرب وجهات نظر هذه الدول بالنسبة للسياسة الخارجية وتعاطيها مع القضايا الدولية الراهنة ذات الأولوية بالنسبة لمصالحها.

رغم هذا الانسجام الظاهري يظهر الاختلاف الواضح بين شخصيات الزعماء الحاضرين من حيث الثقافة والوعي ومستوى التعليم، والكفاءة، والطباع والسلوك.

كثيرا ما نتحدث عن أن الدول الديمقراطية لا ينفرد قادتها بالحكم، فهناك مؤسسات قوية وفاعلة ومستقرة تراقب وتتابع وتقوّم أداء الرئيس على عكس الدول ذات الحكم الفردي الاستبدادي.

لكن ذلك لا يمنع التأثير الكبير لشخصية الحاكم في توجهات الدولة ومؤسساتها، فعلى سبيل المثال، العالم كله يلاحظ التغيرات التي حدثت في فرنسا منذ تولي الرئيس ماكرون الحكم، فرنسا التي ظلت لعقود منحازة للطبقة المتوسطة وأقرب إلى الاشتراكية غيّر ماكرون مسارها إلى النيو ليبرالية رغم تأثير ذلك سلبا في الطبقة الوسطى والمحدودي الدخل من الفرنسيين. رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني معروفة بميولها اليمينية، ولها موقف متحفظ من الإجهاض والمثلية الجنسية، وهو يتعارض مع مواقف بعض دول مجموعة السبع وماكرون جاهر بانتقاد موقف ميلوني من الإجهاض وهو ما جعل استقبالها له فاترا. قد تبدو هذه التفاصيل الصغيرة غير مؤثرة في قرارات المجموعة اتجاه الأوضاع الدولية، لكن هذه التفاصيل وتراكماتها ستصنع فجوة تتسع مع الوقت بين دول المجموعة وستؤثر في سياستها الداخلية وقد تؤثر أيضا في سياستها الخارجية نتيجة اختلاف شخصيات زعمائها وتوجهاتهم.

(2) شخصيات القادة ترسم خريطة العالم

في الأنظمة الديمقراطية، يصل الحاكم إلى السلطة نتيجة فوزه في انتخابات حرة مباشرة أمام منافسيه، وعادة ما يكون صاحب تاريخ طويل في العمل العام والسياسي وخبرة في التعامل مع الجماهير لأنه يعرف أنه يحتاج إليهم للوصول إلى أي منصب يأتي نتيجة انتخابات.

ومع ذلك قد يأتي إلى السلطة شخصيات نرجسية أو لها نوازع عدوانية أو عنصرية، كما كان الحال مع الزعيم الألماني هتلر الذي انتخبه الألمان بكامل إرادتهم ودفعوا نتيجة لذلك ثمنا باهظا. في الأنظمة الاستبدادية يتم اختيار الزعيم من قبل النخبة الحاكمة والمؤثرة، ولا يدين بمنصبه لعامة الشعب، ولكن يدين بوجوده لتلك النخبة، والطبيعي أن نجد هؤلاء القادة لا يتخذون القرارات بناء على مطالب وطموحات شعوبهم، بل يتخذونها بناء على رؤيتهم الشخصية أو بناء على توصيات دوائر الثقة المحيطة بهم التي قد تكون مضللة أو فاسدة أو منافقة ولا تتمتع بالكفاءة. وهو ما قد يؤثر في توجه الدولة بكل مؤسساتها، فقد تتحول من اليسار إلى اليمين والعكس من دون دراسة تبعات ذلك مستقبلا؛ لأنها ترضخ لتعليمات الحاكم. أما البلدان ذات القيادة الموروثة، فإن تربية القائد الجديد تؤثر تأثيرا كبيرا في حكم البلاد، فإما أن تعمق هذه التربية فيه إحساسًا بالاستحقاق والمسؤولية يواكبه توزان وثقة في النفس، وإما أن تكرّس التبعية للسلف أو تؤدي إلى التمرد عليهم. وفي كل الأحوال الحكم الوراثي يلتزم فيه الحاكم إلى حد ما بالقيم المتعارف عليها ويحاول أن يحافظ على شعرة معاوية بينه وبين شعبه، كما فعل أسلافه ليحصلوا على استحقاق توارث الحكم والرضا الشعبي، لكن في المقابل هذا الاستحقاق قد يؤدي إلى عدم رسم خط فاصل بين حقوق الدولة وحقوق الحاكم، وهذا الخلط قد يؤدي إلى كوارث إذا وصل إلى الحكم حاكم أهوج نرجسي الطباع.

(3) الحاكم قد يرفع دولته أو يدمرها

كل قائد هو شخص فريد من نوعه، تؤثر بيئته الاجتماعية والمادية في أفعاله وردوده.

لا تقتصر القيادة على السياسات أو الاستراتيجيات العامة فقط، بل ترتبط ارتباطًا جوهريا بشخصيات من هم في السلطة. يمكن لشخصية القائد أن تشكل المشهد السياسي لبلد ما بشكل عميق، وتؤثر في كل شيء بدءًا من بناء الثقة والرضا الشعبي الداخلي والإقليمي وحتى العلاقات الدولية. يمكن لشخصية القائد أن توجه مصير الأمة إلى العلو والارتقاء أو تسير بها إلى الهاوية والحضيض، وهذا يتوقف على ما إذا كان القائد يتعاطف حقًّا مع شعبه ويعمل على تحقيق طموحاته والمصلحة العليا لبلاده أو يخدم مصالحه الخاصة ومصالح الجماعات التي ساندته للوصول إلى الحكم.

يقدم التاريخ أمثلة أدت فيها شخصية القائد إلى الارتقاء بالأمة أو تدميرها. الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، كان تفاؤله وعزمه أثناء أزمة الكساد الكبير والحرب العالمية الثانية سببًا في تحفيز الروح الأمريكية إيجابيا، مقارنة بشخصية أدولف هتلر الذي كان له تأثير كبير في الألمان، وكان يحفز الروح الألمانية سلبيا حيث روّج للعنصرية وهيمنة الجنس الآري وقاد بلاده إلى الهاوية.

الكاريزما التي يتمتع بها القائد تساهم في حشد الدعم وتعزيز الوحدة المجتمعية والارتقاء بالأمة. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي ذلك إلى الولاء الأعمى والسلطة المستبدة. وغالبًا ما يتمتع الزعماء الكاريزميون بنفوذ كبير، وقد يكون هذا التأثير إيجابيا، كما رأينا في النهج التصالحي الذي تبناه نيلسون مانديلا في مرحلة ما بعد الفصل العنصري، أو ضارا، كما يتضح من السياسات المثيرة للانقسام التي انتهجها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، حيث أثرت شخصيته الاستقطابية في السياسة الأميركية وأدت إلى الانقسام الداخلي وأثارت مخاوف لدى حلفاء بلاده.

العالم في مفترق طرق ومقدم على تغيير كبير في النظام العالمي وهو بحاجة ماسة إلى حكام يتمتعون بالحكمة والشجاعة والرشاد والحزم والأمانة والإخلاص وتغليب المصلحة العامة على المصالح الفردية وشهوة السلطة. العالم يحتاج إلى قادة يتخذون قرارات تفيد شعوبهم في المقام الأول وفي نفس الوقت لا تتجاهل جيرانهم في محيطهم الإقليمي والدولي. العالم يحتاج إلى زعماء يستحقون مكانتهم بحرصهم على القيم الإنسانية النبيلة، زعماء يستحقون أن يكونوا قدوة لشعوبهم ولشعوب العالم.

المصدر : الجزيرة مباشر