الجانب الإنساني في خطبة الوداع

الكعبة (الأناضول)

دعونا في أكثر من مقال على الجزيرة، إلى ما أطلقنا عليه “السيرة النبوية المقارنة”، وهو تناول حدث معين من السيرة، لكن من خلال رصد الزوايا التي نظر إليها مفكرون وعلماء اهتموا بدراسة السيرة النبوية، سواء كانوا عربا أم غربيين، مسلمين أو غيرهم، وأنه عند رصد مجمل هذه الزوايا ستتكون لدينا صورة كبرى ومهمة عن هذا الحدث النبوي، ولو كان لا يستغرق في صفحات التاريخ سوى عدة أسطر.

ومن أجواء الحج ونسماته التي نحياها، فإن هناك حدثا من هذا النوع، القليل الأسطر، العظيم الأثر، وهو خطبة الوداع التي خطبها النبي صلى الله عليه وسلم في المسلمين، وسميت بذلك لأن الحجة نفسها أُطلق عليها حجة الوداع، إذ بعدها لم يحج النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، كما كانت خطبته خطبة مودع، وقد قال في بدايتها: أيها الناس، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا.

فالسيرة النبوية لم يهمل كتابها -حتى في العناوين- الجانب الإنساني، ومراعاته، على خلاف ما يروج له بعض قساة المتدينين، أو بعض متشددي الدعاة، فنجد عام وفاة السيدة خديجة وعمه أبي طالب، يسمى عام الحزن، والخطبة التي خطب فيها -رغم أنه خطب بعدها على المنبر خطبا أخرى- تسمى خطبة الوداع، وهما عنوانان يدلان على المشاعر الجياشة، والأحاسيس المرهفة، التي تحفر في ذاكرة الإنسان، ولذا كان من القصور الذي عاشته بعض كتابات السيرة خلوّها من تناول الجانب الإنساني عند محمد صلى الله عليه وسلم، إلى أن كتب بعض المعاصرين في ذلك كتابات في غاية الأهمية، مثل: إنسانيات محمد لخالد محمد خالد، ونبي البر لإبراهيم الإبياري، وغيرها.

وهذا الجانب الإنساني المهم، لا تخلو منه فقرة من خطبة الوداع، فالخطبة كلها توجيهات متعلقة بالإنسان، وحياته، وكيف يحيا إنسانا مؤمنا، ينشر الخير، ويجتث الشر من جذوره، سواء على مستوى علاقة الإنسان بربه، أو علاقته بأخيه الإنسان، أو علاقته بزوجه، من حيث العلاقات الإنسانية، في خطاب يركز على هذه الحقوق الإنسانية، ويحذّر من أن يستغل الإنسان، أو يهضم حقه، سواء كان حقا ماديا أو معنويا، في خطاب إنساني كان غريبا على سمع العرب والبشرية آنذاك.

الأبعاد الإنسانية لخطبة الوداع

بهذا العنوان تناول الشيخ الغزالي رحمه الله، أبرز ما ورد في خطبة الوداع، إذ رأى أن الخطبة لم تأت بجديد غير ما بثه النبي صلى الله عليه وسلم طوال حياته من مبادئ، فليس فيها حكم جديد، ولا بيان جديد، بل لخصت الإسلام، وبخاصة في موقفه من التجاوز في حقوق الإنسان، يقول الغزالي:

“الوصايا التي أودعها النبي صلى الله عليه وسلم ضمائر الناس لا تتضمن قضايا فلسفية، ولا نظرات خيالية، إنها مبادئ سيقت في كلمات سهلة سائغة، لكنها استوعبت جملة الحقائق التي يحتاج إليها العالم ليرشد ويسعد. وهي على وجازتها أهدى وأجدى من مواثيق عالمية طنانة.

ذلك أن قائلها كان عامر الفؤاد بحب الناس والعطف عليهم، شديد الحرص على ربطهم بالله، وإعدادهم للقائه، عميق الشعور بعبء البلاغ الذي أخذه على عاتقه، موقنا بأن الحياة الصحيحة يستحيل أن تتم بعيدا عن الله ووحيه”.

من أهم ما تناولته خطبة الوداع من الناحية الإنسانية -كما فصل الغزالي- قضية الأشهر الحرم، وأنها وسيلة لبث روح السلام في المجتمع، وأننا نحن المسلمين نود أن يملأ السلام أرجاء الأرض، ويستغرق أعمار البشر، وأنى لنا ذلك؟ في كل صلاة نهتف من أعماقنا: “السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين”، وفي كل صلاة نتلفت يمينا ويسارا لنوزع السلام حوالينا!

مسؤولية بلاغ الإنسان

من المعاني الإنسانية المهمة في خطبة الوداع، التي التقطها المفكر الكبير خالد محمد خالد، في كتابه: “عشرة أيام في حياة الرسول”، وقد جعل اليوم العاشر بعنوان “يوم الوداع”، انتباهه لمسألة الحرص على بلاغ الإنسان، وأنها مسؤولية كبرى اتجاه بني البشر، بل طلبه منهم الشهادة له بذلك، يقول خالد محمد خالد: “ثم احتوى النبي صلى الله عليه وسلم الجموع الحاشدة بعينيه الثاقبتين، ونادى: اللهم هل بلغت؟ وارتج السهل العريض بالأصوات العالية تنبعث من حناجر مئة وعشرين ألفا تجيب الرسول: اللهم نعم.

ومضى على ذلك اليوم المجيد ألف وأربعمئة عام، وستمر ألف وأربعمئة عام أخرى، ستمر آلاف الأعوام، ما أذن الله لهذه الأرض أن تبقى وتدوم، وخلال ذلك الزمان -ما بقي الزمان- سيظل رشد الإنسان وضمير الحياة ينبضان بسؤال الرسول: هل بلغت؟ وسيظل كل شيء في دنيا الناس يؤوب ويشهد، ويجيب: اللهم نعم، اللهم نعم”.

إن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الفقرة، لا يقف عند حد بلاغ رسالة الله للناس فيما يتعلق بالإنسان، وما له من حقوق، وما عليه من واجبات، بل يريد تبرئة ساحته أولا، بأنه عاش برسالته ثلاثة وعشرين عاما، لم يكن له شاغل يشغله سوى الإنسان، ليصله بتعاليمه بربه، فإن أبى أن يتبع دينه، فليحفظ له كرامته الإنسانية، وليترك له حق الاختيار.

ولذا كان حريصا على إشهاد وإقرار الناس، رغم مغفرة الله تعالى له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولكن لأن رسالته كانت للبشر، فكان مهما أن تصل إليهم، وأن تكون شهادتهم وإقرارهم له بأنه أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، ونصح للأمة.

المصدر : الجزيرة مباشر