من إسرائيل الكبرى إلى الحرب الوجودية

السنوار أكد أن حماس لن تسلم سلاحها
السنوار (غيتي)

حتى السادس من شهر أكتوبر الماضي، كان العدو الصهيوني يعيش وهم إسرائيل الكبرى، حسبما كشفت الخريطة الملصقة بالزي العسكري للجندي النافق، وهي صورة أثارت تفاعلًا كبيرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، في أوساط الشباب العربي بشكل خاص، ذلك أن الأجيال الجديدة تكتشف هذه الجدلية للمرة الأولى، بعد العبث بالمناهج التعليمية في معظم الدول العربية، خلال العقدين الأخيرين، لصالح الخنوع والخضوع والاستسلام، وتغيير العقيدة العسكرية تارة، والإعلامية تارة أخرى، وهو ما أسفر عن تشكيل أجيال لا محل لها من القومية أو العروبة، وربما الإسلام في بعض الحالات.

قد لا يعي البعض، أن عقيدة من النيل إلى الفرات لدى العدو، دينية راسخة، ليست سياسية، وليست صهيونية، هي عقيدة يهودية متطرفة تستند إلى نصوص توراتية مزيفة، تم تدوينها منذ نشأة الكيان، على مدخل الكنيسيت هناك “ولما تجلى الرب على أبراهام منحه الأرض المقدسة من النيل إلى الفرات”، لتشمل حسب أطماعهم، مصر والأردن وسوريا والعراق ولبنان والسعودية، حسبما هو ظاهر في كل خرائطهم، ومقرراتهم الدراسية، وبرامجهم الدينية، “في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقا قائلا: لنسلك أُعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات” (سفر التكوين 15- 18).

   تبـديل العقـيدة

في السابع من أكتوبر، مع غزو حماس للعدوّ في عقر داره، تراجعت هذه العقيدة فجأة إلى ما كان كامنًا في العقل الباطن، وعملوا سنوات طويلة على تجاهله، وهو النهاية الحتمية للدولة اللقيطة، حسبما جاء في نصوص كثيرة لا تقبل التزييف ولا التأويل، النصوص هذه المرة من القرآن الكريم، وتتحدث عن النهاية {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا}. (سورة الإسراء). وقد كانت المطارات والموانئ خير شاهد على الرحيل والهروب، وكانت المقالات الصحفية والبرامج التلفزيونية خير تعبير عن حالة الخوف والهلع، أما ما يدور في الاجتماعات والحجرات المغلقة فحدث ولا حرج. وربما كان التصريح العلني الصادر أمس الأول عن دانيال هاغاري المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، حول استحالة القضاء على حماس يمثل في حد ذاته تطورًا مهمًّا في الصراع بشكل عام.

على مدى تسعة أشهر، هي عمر حرب السنوار مع العدو، لم يعد هناك أي حديث في الكيان عن النيل أو الفرات أو حتى البحر الميت، الحديث طوال الوقت يدور حول ما أطلقوا عليه الحرب الوجودية، صراع البقاء، خصوصًا مع كل عملية عسكرية كبيرة للمقاومة الفلسطينية، ليس فقط، بل المقاومة اللبنانية، خصوصًا ما كشف عنه حزب الله قبل يومين، من عملية تصوير فائقة الجودة والخطورة لميناء ومدينة حيفا على البحر المتوسط، بكل ما تتضمنه من قواعد عسكرية ولوجستية وبنية تحتية ومنشآت مدنية، واعتبار عملية البث مقدمة أولى لمجموعة لقطات ومدن أخرى أكثر أهمية.

بيد أن ما كشفت عنه هذه الحرب تحديدًا، هو أن دولة الكيان في حد ذاتها لا تستطيع الصمود أمام المقاومة عدة أسابيع أو ربما عدة أيام، من دون دعم أمريكي وعربي في الوقت نفسه، ذلك أن الدعم العربي خلال أشهر الحرب، اقتصاديًّا وتجاريًّا وعسكريًّا ولوجستيًّا، بل سياسيًّا أيضًا، لم يعد سرًّا. وبينما تصدّت عواصم غير عربية من قارات مختلفة، لتجاوزات العدوّ أمام المحاكم والمنظمات الدولية، لم تجرؤ دولة عربية واحدة من دول التطبيع، على الحد من العلاقات التجارية مثلما فعلت تركيا، أو العلاقات الاقتصادية بشكل عام مثلما فعلت كولومبيا، أو حتى العلاقات السياسية مثلما فعلت البرازيل، بل إن حركة الشارع وطلاب الجامعات في الولايات المتحدة وأوروبا، كانت بمثابة حكم بالتعذير على الشعوب العربية التي التزمت الصمت، إلا ما ندر، من المحيط إلى الخليج.

مقاومـة الاندثـار

ولأن دولة الاحتلال ترزح الآن تحت إدارة حكومة إرهابية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فإنها تكابر طوال الوقت أمام المطالب الدولية بتطبيق قراري مجلس الأمن رقمي 242 و338 اللذين يتحدثان عن دولتين فلسطينية وإسرائيلية على حدود الرابع من يونيو/حزيران عام 1967، على خلاف ما يدور في الأروقة الشعبية والرسمية هناك، حول العد التنازلي للكيان، بحكم سير الأحداث على أرض الواقع من جهة، وبحكم النبوءات والنصوص الدينية من جهة أخرى، وهي النصوص التي تكشف فساد وزيف عقيدة “من النيل إلى الفرات” التي تحطمت على صخرة المقاومة الفلسطينية، وحزب الله اللبناني، وجماعة أنصار الله اليمنية.

مقاومة الاندثار والنزوح ونهاية أساطير الكذب، هي الشغل الشاغل للكيان الصهيوني الآن ومن والاهم من قوى عظمى -أمريكية وبريطانية- على وجه الخصوص، فضلًا عمن سقط من العرب في وحل التبعية والانبطاح، وهو أمر لو تعلمون عظيم، ذلك أننا أمام تحول تاريخي، بعد ما يقارب ثمانية عقود من الظلم والقهر والقتل وسفك الدماء والاغتيالات والإفساد في الأرض، على أمل أن يعود الحق إلى أصحابه، ويعود الأمن إلى المنطقة، ويسود السلام في ربوع العالم، ذلك أننا أمام آخر حالة استعمار في التاريخ، خاصة إذا علمنا أن الأزمة الروسية الأوكرانية، هي الأخرى صناعة أمريكية، وقد تكون يهودية في المقام الأول.

لا عجب إذن أن نجد على سترات جنود الاحتلال من الآن فصاعدًا عبارة “الحرب الوجودية” بديلًا لـ”إسرائيل الكبرى” ليكون يحيى السنوار بذلك قد شكل حالة تاريخية فارقة من التحول في الفكر الصهيوني، لن يستطيع مؤرخو الغرب استمرار تجاهلها، كما هو حادث الآن، بعد أن حفر موقعه بين عظماء حركات التحرر في العالم، نيلسون مانديلا، جيفارا، سيمون بوليفار، غاندي، نهرو، وغيرهم، بل هناك من المؤرخين العرب، من يضعه في مصاف القادة العسكريين في صدر الإسلام، خالد بن الوليد، عقبة بن نافع، أو حتى محمد الفاتح، والناصر صلاح الدين.

على أية حال، ربما يراها البعض حالة من إطلاق العنان للخيال، إلا أننا فقط نحسن الظن بالله، ولن يخلف الله وعده، ذلك أن الخيال لم يكن يصل ذات يوم إلى حد تحرير القدس من حكم الصليبيين، ولا تحرير القسطنطينية من الإمبراطورية البيزنطية، أو طرد الاستعمار الأجنبي من أنحاء القارة الإفريقية، وهو ما أدركته المقاومة الإسلامية في فلسطين الآن، في الوقت الذي بلغ فيه التشرذم العربي والإسلامي مبلغًا غير مسبوق، بما يشير إلى أنها مشيئة الله، ذلك أننا أمام أُمَّة بيت المقدس، وأكناف بيت المقدس، “على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم”.

المصدر : الجزيرة مباشر