“الهدهد” والعد التنازلي لإسرائيل؟!

حزب الله ينشر فيديو من مسيرة "الهدهد" لسماء إسرائيل ويرصد المواقع العسكرية في حيفا
حزب الله ينشر فيديو من مسيّرة "الهدهد" لسماء إسرائيل ويرصد المواقع العسكرية في حيفا (الجزيرة مباشر)

التأكيد على ترسيخ معادلات الردع الجديدة التي نشأت منذ طوفان الأقصى، هذه هي الرسالة الأهم الموجهة إلى إسرائيل من خلال فيديو التصوير الجوي الذي التقطته “مسيّرة الهدهد” لأماكن استراتيجية وعسكرية في مدينة حيفا في الداخل الفلسطيني المحتل.

لقد جرى بث فيديو التصوير الجوي لمدينة حيفا قبل يوم واحد من خطاب الأمين العام لحزب الله حسن نصر، الذي أكد فيه أن من يريدون فتح جبهة قتال مع لبنان عليهم أن يراجعوا أنفسهم وحساباتهم.

رسائل حزب الله اللبناني ببث فيديو حيفا لم تكن موجهة إلى إسرائيل وحدها، ولكن كانت رسائل إلى أمريكا الراعي الأول لإسرائيل، ومعها باقي الرعاة الغربيين.

بدأ العد التنازلي لإسرائيل وداعميها

ليس من قبيل التمني أو إفراطا فيه، القول بأن معادلات الردع التي تترسخ يوما بعد آخر، تأتي في سياق تأكيد قرب انتهاء زمن إسرائيل، وبَدْء العدّ التنازلي لدولة الاحتلال، التي تمثل مشروعا استعماريا غربيا، لا علاقة له باليهودية، والمعطيات جميعها تؤشر إلى هذه النتيجة، طال الوقت أو قصر، والمشروع الصهيوني سيلفظ أنفاسه الأخيرة أمام الصخرة الكؤود لغزة وقوى المقاومة.

وليس من قبيل المبالغة أيضا، القول بأنه قد بدأ العد التنازلي لداعمي إسرائيل ورعاتها الغربيين خاصة أمريكا الراعي الأساسي، إذ تفيد العديد من المؤشرات بأن جيش أمريكا الذي طالما أرهبت به الآخرين، أصبح ضعيفا، ولا يقدر على خوض صراع كبير، خاصة مع تفاقم أزمة حادّة في التجنيد، وتراجع في مستويات الاستعداد والقدرة للفروع الرئيسية، لمصلحة روسيا والصين، وذلك وفقا لدراسات أجرتها مؤسسات بحثية أمريكية، وهذا موضوع فيه مزيد من التفصيل، نعالجه في مقال آخر بإذن الله.

إسرائيل ومرحلة الهدم الوجودي

تؤكد الأحداث أن إسرائيل بصورتها التي نُسجت عبر عقود إلى زوال، وقد انتقلت إسرائيل عمليا من مرحلة الخطر الجودي إلى مرحلة الهدم الوجودي، حيث بدأت أركان وجودها تتهاوى.

إن إسرائيل دولة مصطنعة، لا جذور لها ولا تاريخ، وهي كيان مهزوم بذاته، ولم تتمكن منذ نشأتها عام 1948 من أن تعيش بوضع طبيعي في محيطها الإقليمي، ولا يمكنها ذلك بحال من الأحوال.

في ظل أزمتها الحالية بعد طوفان الأقصى، أصبحت حكومة إسرائيل، تلهث وراء صورة أي نصر كاذب، تقدمه لمجتمع أصبح مزلزلا، وأصبح فاقدا لدوافع الوجود في الأرض المحتلة التي هاجر إليها، على وعد بأنها أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، سيجد فيها الأمن والرفاهة والاستقرار.

وعلى مدار أشهر منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يحقق الاحتلال الإسرائيلي أي هدف استراتيجي من حربه الوحشية على غزة.

تقهقر إسرائيلي

ومنذ طوفان الأقصى، يتسارع التقهقر الإسرائيلي، في الوقت الذي تتواصل فيه المقاومة؛ مما يزيد من إنهاك دولة الاحتلال وجيشها، ويُسرع الانهيار والهدم الوجودي لإسرائيل.

ولأول مرة منذ نشأة الكيان المحتل، جرى إجلاء عشرات الألوف من المستوطنين، جراء الحرب على غزة، وأصبح ما يزيد على مئة ألف مستوطن تحت التهديد المباشر لصواريخ حزب الله في لبنان، بل إن غالبية الأراضي المحتلة صارت في مرمى نيران حزب الله، ومحور المقاومة على وجه العموم.

لم تعرف إسرائيل منذ تاريخ زرعها في المنطقة خسائر أفدح من تلك التي تتكبدها على يد المقاومة الفلسطينية على الجبهة الجنوبية في غزة، والخسائر من ناحية الجبهة الشمالية على يد حزب الله.

لقد تأكد أن الجيش الإسرائيلي الذي روج الإعلام أنه لا يُقهر، هو أضعف ما يكون، ولا يمكنه المواصلة بذاته، في مواجهة حركة مقاومة لا وجه للمقارنة بينه وبينها عدة وعتادا، دون دعم أمريكي وغربي، وتخاذل عربي، فكيف هو الحال لو كان في مواجهة جيوش نظامية؟!

بدا واضحا أن جيش الاحتلال الإسرائيلي جيش حروب قصيرة، وليس جيشا مستعدا للحروب الطويلة، وقد تآكلت منظومته القتالية خلال فترة الحرب المستمرة على غزة منذ ثمانية أشهر.

فشل استراتيجي

إن المعطيات على الأرض تؤشر إلى أنه لا مجال للحسم في غزة؛ فرغم استخدام الاحتلال الإسرائيلي قدرات تدميرية غير مسبوقة، فإنه تأكد أن القضاء على المقاومة وتركيعها ضرب من الأوهام، وفشلت إسرائيل استراتيجيا.

وعلى جانب آخر، فإن أي محاولة إسرائيلية لشنّ حرب على لبنان، تُعدّ مقامرة، ستجر إلى حرب إقليمية، وستدفع إسرائيل فيها ثمنا باهظا، وستنتقل إلى وضع أشد صعوبة، يتواصل معه استنزافها؛ مما يصبّ في طريق تسريع انهيارها.

لن تنجح إسرائيل في تحقيق نصر استراتيجي على هذه الجبهات المتعددة، ولن يمكنها استعادة قوة الردع اتجاه حزب الله وإيران، أو استعادة شرعيتها التي فقدتها، وهذا يعني عدًّا تنازليًّا لوجود دولة إسرائيل.

وفضلًا عما سبق، فإنه ليس هناك من دولة توجد عوامل زوالها في ذاتها كما هو حال إسرائيل. ومن هذه العوامل العديدة، أن إسرائيل دولة مصطنعة، وذراع استعماري، قامت على اغتصاب الحق الفلسطيني، ويرتبط وجودها بحبل سرّي مع الخارج، الذي سيتوقف دعمه لا محالة في وقت ما، خاصة أن إسرائيل تتجه إلى أن تصبح عبئا إستراتيجيا على داعميها، وخاصة الولايات المتحدة.

إلى جانب ذلك، فإن ممارسات إسرائيل المنتهكة لكل الأعراف منذ نشأتها، أوجدت بيئة معادية لها، وصارت عداوتها تتوارثها الأجيال.

وفي ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية، والعسكرية والديموغرافية، فإن عامل الزمن يصبّ في صالح العد التنازلي لوجود إسرائيل.

ختامًا، إن المقاومة في غزة وفلسطين تخوض حرب تحرير ضد المحتل الإسرائيلي، هي في جوهرها حرب تحرير ضد الاستعمار الغربي، الذي ما زال يهيمن على المنطقة بقيادة أمريكية.

تجارب التاريخ تنبئنا أن حروب التحرير لا ينهزم فيها العدو، ولكنه يزداد إرهاقا حتى ييأس من تحقيق مخططاته.

ويوم تتحرر فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي، وهو اليوم الذي نراه قريبا، فإن ذلك سيكون إيذانا بانتهاء الاستعمار الغربي للمنطقة.

وكما جاء “هدهد سليمان” من سبأ “بنبأ عظيم” فقد جاءت “طائرة الهدهد المسيّرة” من حيفا بكنز عظيم من الأهداف والمعلومات، تحمل رسالة مفادها بدء العد التنازلي لإسرائيل.

المصدر : الجزيرة مباشر