بوتين وكيم ونظام عالمي جديد.. لماذا تخاف أمريكا؟!

دونالد ترمب (رويترز)

كانت النتيجة التي توصل إليها سايمون تسدال في مقاله الذي نشرته جريدة الغارديان هي أن النظام العالمي المبني على ميثاق الأمم المتحدة يموت أمام أعيننا؛ حيث يشهد العالم تحالفا بين روسيا وكوريا الشمالية، ويرى كيم وبوتين أن مهمتهما في الحياة هي الانقلاب على النظام العالمي الذي تشكل عقب الحرب العالمية الثانية، والذي تقوده الولايات المتحدة.

ولقد تزايدت المخاوف بعد قمة بيونغ يانغ بين بوتين وكيم؛ حيث وضعا أساسا لنظام عالمي جديد بالتقارب مع الصين وإيران، ويعتقد بوتين أن تحالفه الجديد يمكن أن يشمل دولا أخرى مثل الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا.

من حق أمريكا أن تخاف!

وأكد الزعيمان الروسي والكوري في قمتهما وقوفهما ضد الهيمنة الإمبراطورية الغربية، وأوضح بوتين أنه حقق إنجازا بعقد الاتفاقية الاستراتيجية الجديدة مع كوريا الشمالية؛ فروسيا تحارب سياسة الهيمنة الإمبريالية التي تنتهجها الولايات المتحدة وحلفاؤها منذ عقود.

وفي مقال كتبه بوتين ونشرته وسائل إعلام كوريا الشمالية قال: إننا نطور آليات بديلة للتجارة لا يتحكم فيها الغرب، ونقاوم معًا العقوبات غير الشرعية التي يفرضها الغرب علينا، وسنعمل معًا على بناء أمن أيوراسيا بالرغم من العقوبات والتهديدات الأمريكية، وقال إن أمريكا تقوم بعملية ابتزاز.

وهذا يعني أن هدف قمة بوتين وكيم ليس مجرد تبادل المصالح، أو تقوية العلاقات بينهما، بل بناء تحالف يشكل خطرا حقيقيا على أمريكا وحلفائها مثل كوريا الجنوبية واليابان؛ فكيم -الذي تصفه أمريكا بالدكتاتورية وعدم المسؤولية- لا يكف عن إطلاق تهديداته للغرب، واختبار صواريخه القادرة على حمل رؤوس نووية، والوصول إلى الساحل الغربي للولايات المتحدة.. وهذه التهديدات يمكن أن تتحول إلى واقع، فالحرب أولها كلام، وأمريكا تدرك خطورة التهديدات خاصة على حليفتها كوريا الجنوبية، التي لا تقل رغبة كيم في احتلالها عن رغبة بوتين في السيطرة على أوكرانيا.

فشل سياسة ترمب!

وكان ترمب قد حاول تطبيع علاقات أمريكا مع كوريا الشمالية، لكن كيم رفض الشروط الأمريكية بتفكيك برنامجه النووي؛ لذلك لجأت أمريكا إلى تشديد العقوبات عليه، لكن تلك السياسة كان لها نتائجها السلبية على الولايات المتحدة؛ إذ لجأ كيم إلى روسيا التي ساعدته على تطوير برنامجه النووي وصواريخه، وعلى زيادة قدراته في مجال تكنولوجيا الفضاء، وبذلك تزايدت قوته، وخطورة تهديداته التي يجب أن تكفّ أمريكا عن تجاهلها.

ولقد أثبت كيم أنه حليف قوي يمكن الاعتماد عليه، حيث قدم لبوتين الصواريخ والأسلحة المتنوعة والذخائر، وساعده على احتلال دونيستك ولوهانسك، وتعتقد أمريكا أن المساعدات الكورية مكنت بوتين من الصمود في حربه الطويلة ضد أوكرانيا.

يرى سايمون تسدال أن العقوبات الأمريكية لكوريا الشمالية أقنعت كيم بأنه يجب أن يبحث عن حلفاء، ويعمل لبناء محور جديد، ويدعم بوتين في حربه ضد أوكرانيا.

في الوقت نفسه يتعرض بوتين لعقوبات غربية أدت إلى زيادة أزمته الاقتصادية، كما أصبح يحتاج إلى السلاح الكوري، وبذلك أسهمت العقوبات الغربية في زيادة حاجة كيم وبوتين إلى التحالف، والعمل معًا لبناء محور جديد يواجه الغرب.

كما أن العقوبات أدت إلى عدم خوف روسيا وكوريا الشمالية من الغرب، فقد أثبتت هذه العقوبات أن تأثيرها السلبي في دول أوروبا أكبر من تأثيرها في روسيا، وقد ظهرت خطورة تلك العقوبات في تقوية العلاقات بين روسيا وكوريا، وتبادل المصالح بينهما، ويمكن أن يتحول هذا التحالف إلى قوة عالمية تحقق توازن الرعب مع الولايات المتحدة.

وهذا يشكل إضعافا لأهم الأسلحة التي تستخدمها الولايات المتحدة وهي العقوبات التي يمكن أن يرتد تأثيرها إلى صدور الدول الغربية، وتدفع إلى بناء تحالفات جديدة ضد الغرب، وبذلك يفقد النظام العالمي قدرته على الصمود.

مساحة استراتيجية

هناك باحث في معهد سيول للأمن القومي يلفت الأنظار إلى جانب مهم هو أن زيارة بوتين لكوريا الشمالية جزء من حملة روسيا لتأمين مساحة استراتيجية في شمال شرق آسيا لمواجهة النفوذ الأمريكي في المنطقة، فالرئيس الروسي سيتجه إلى فيتنام بعد زيارة كوريا.

وهذا يشير إلى أن الكثير من الدول وعلى رأسها الصين وإيران يمكن أن تجد أن تحقيق مصالحها الاستراتيجية يعتمد على انضمامها إلى هذا التحالف؛ فالولايات المتحدة تتعامل باستكبار مع الدول، ويتزايد العداء لأمريكا حتى في الدول الأوروبية التي بدأت تدرك خطورة الإصرار الأمريكي على هزيمة روسيا في الحرب ضد أوكرانيا، لكن سقوط أوكرانيا يشكل هزيمة قاسية لأمريكا وأوروبا.

المشكلة تزداد تعقيدا، ولا يمكن مواجهتها بتلك السياسة الأمريكية القائمة على احتقار الدول، واستخدام القوة الغاشمة في إخضاع الدول للهيمنة والسيطرة، وربما يكون تحالف روسيا وكوريا الشمالية بداية مرحلة جديدة، فروسيا أصبح من الصعب أن تتعرض لهزيمة في أوكرانيا، وقد تمكنت من الحصول على بدائل تعوضها عن العقوبات الغربية، ويمكن أن تجد حلفاء من الساخطين على السياسة الأمريكية التي يصفها بوتين بالإمبريالية.

لذلك يجب أن تدرك أمريكا أن النظام العالمي الذي تسيطر عليه لم يعد قابلا للحياة، فالأمم المتحدة أضحت ضعيفة، وغير قادرة على مواجهة الصراعات العالمية التي تتزايد حدتها، وتتسع رقعتها.

وتحالف روسيا وكوريا الشمالية يشكل تحديا لأمريكا وأوروبا يحتاج إلى أفكار جديدة.. لكن هل فقدت أمريكا خيالها السياسي وقدرتها على التخطيط الاستراتيجي؟!

المصدر : الجزيرة مباشر