سد النهضة الإثيوبي.. جدل الملء الخامس

مشهد لسد النهضة الإثيوبي والأعلام الإثيوبية على مبنى بالقرب من محطة ضخمة للطاقة الكهرومائية (الأناضول)

أيام قليلة ويبدأ الجدل السنوي والحاد في مصر.

ففي شهر يوليو/تموز من كل عام، يبدأ الحوار المجتمعي الواسع الذي يأتي بالتزامن مع عملية ملء سد النهضة الإثيوبي، وهي العملية التي تبدأ مع موسم الفيضان في شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب من كل عام.

جدل العام الخامس يأتي بعد أن ملأت إثيوبيا سدها لمرات أربع، وتتحرك الآن في اتجاه الخامسة.

في قضية وجودية بالنسبة لمصر وشعبها ومستقبلها، يبدو الجدل الحاد الذي يدور بشكل سنوي صحيًّا وضروريًّا ومطلوبًا، حتى لو تحوّل في بعض المرات إلى اتهامات متبادلة بين السلطة ومعارضيها!

جدل مصري إثيوبي حول الحق في المياه

سد النهضة الإثيوبي الكبير هو مشروع ضخم بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وادعت أنه بهدف توليد الكهرباء، إلا أن الكمية الكبيرة من المياه التي ترغب إثيوبيا في تخزينها في السد (74 مليار متر مكعب) يشكك في نيات الدولة الإفريقية، فليست هناك حاجة إلى هذا الكم الهائل من المياه إذا كان المقصود هو مجرد توليد الكهرباء لاستخدامها في الصناعة والتنمية!

السد أثار قلقًا كبيرًا لدى مصر التي رفضت وبشكل حاسم في مختلف العصور السابقة فكرة بناء سدود على النيل الأزرق، وتمسكت بحجتها القوية التي تؤكد أن هذه السدود ستصيبها بأضرار فادحة بصفتها دولة مصب، وستقلل من حصتها التاريخية في مياه نهر النيل البالغة نحو 55 مليار متر مكعب.

والمؤكد أن مصر تعتمد بشكل كبير على مياه النيل لتلبية احتياجاتها المائية والزراعية، بما يعني أن هذا الملف يشكل تحديًا وجوديًّا هو الأخطر الذي تواجهه الدولة المصرية منذ مئات السنين.

وبينما تتمسك مصر باتفاقية مياه النيل لعام 1959 التي تمنحها حقًّا في كمية المياه التي تصل إليها، تقول الحكومة الإثيوبية إنها لا تعترف باتفاقيات “وضعها الاستعمار”، وتَعُدها ظالمة وغير منصفة.

خطورة السد على مصر ومستقبلها

حسب الأرقام الرسمية، فإن 95% من المصريين يعتمدون على مياه النيل في الشرب والزراعة والصناعة، والمعنى في هذه النسبة الكبيرة أن تأثيرًا خطيرًا سيطال ملايين المواطنين، فضلًا عن تأثيرات مرعبة في قطاعات الصناعة والزراعة، وهو أمر يمثل تهديدًا للأمن القومي لبلد تجاوز تعداد مواطنيه 100 مليون شخص.

في تراجع كمية المياه الذي سيحدث بسبب السد الإثيوبي تأثير اقتصادي كبير على الصناعة والزراعة وفرص العمل وغيرها، مما سيزيد من ركود الاقتصاد ويضاعف نسب البطالة المرتفعة أصلًا.

جهود دبلوماسية لم تقدّم جديدًا

خلال الأعوام الماضية، فشلت كل الجهود الدبلوماسية في التوصل إلى حل لأزمة سد النهضة، وانتهت جولات التفاوض التي جرت بين مصر وإثيوبيا والسودان على مدى سنوات إلى لا شيء!

في يوليو 2021، اكتفى مجلس الأمن الدولي بعد جلسة عقدها بناءً على طلب مصري بتشجيع مصر وإثيوبيا والسودان على “الانخراط في عملية تفاوض إيجابية برعاية من الاتحاد الإفريقي”، وحتى الآن لم تصل المفاوضات التي رعاها الاتحاد إلى جديد على مستوى الطلب المصري والسوداني بالوصول إلى اتفاق ملزم حول عملية الملء والتشغيل والإدارة الخاصة بسد النهضة.

تبنت السلطة المصرية منذ أكثر من عشر سنوات دبلوماسية ناعمة ومترددة سمحت لإثيوبيا بالتمادي في بناء السد دون الالتفات إلى كل الضغوط التي تمارسها مصر والسودان، بل انتقلت إثيوبيا من فرض السد أمرًا واقعًا إلى ضرب عرض الحائط بالاتفاقيات الدولية التي تنظم حصة المياه الخاصة بكل دولة من دول حوض النيل.

في التعامل المرن أكثر من اللازم، الذي افتقد الخشونة والحسم المطلوبين في أزمة وجودية مثل سد النهضة، خطأ استراتيجي فادح قد يدفع البلد ثمنه لسنوات طويلة، فعدم التهديد باستخدام القوة العسكرية حلًّا أخيرًا لتلك الأزمة الخطيرة كشف للطرف الإثيوبي أن الموقف المصري لن يتعدى حدود الاشتباكات الدبلوماسية والسياسية، وهي مساحات تستطيع إثيوبيا التعامل معها بل تجيدها أيضًا.

الخطأ في إدارة ملف سد النهضة لم يقف عند حدود الاكتفاء بالتعامل الدبلوماسي الناعم بل كانت اتفاقية المبادئ التي وقعتها مصر وإثيوبيا والسودان في القاهرة عام 2015 خطأً جديدًا، فبحسب نصوصها لم تصبح هناك فرصة لأي صيغة تحكيم دولية إلا بموافقة الأطراف الثلاثة، هذا النص الغريب كبّل إمكانية لجوء مصر إلى محكمة العدل الدولية، أو طلب التحكيم الدولي، ومنح الطرف الإثيوبي اطمئنانًا بعدم قدرة دولتي المصب -مصر والسودان- على الحصول على أحكام دولية ملزمة، أو حشد رأي عام دولي ضد سياسة فرض الأمر الواقع، شجع إثيوبيا على استكمال بناء السد بصرف النظر عن الأضرار الكبيرة التي ستلحق بالشعبين المصري والسوداني.

نقطة ايجابية

في إدارة ملف سد النهضة طوال سنوت مضت نقطة واحدة تبدو إيجابية، ويمكن استخدامها إذا ما قررت السلطة في مصر أن تستخدم دبلوماسية أكثر خشونة وحسمًا في التعامل مع ملف السد الإثيوبي.

فحتى اللحظة لم يوافق البرلمان المصري على نصوص اتفاقية المبادئ التي وُقعت في عام 2015.

وبالمعنى الدستوري، فإن الاتفاقية ليست سارية ولا ملزمة للدولة المصرية ما دام البرلمان لم يوافق عليها بشكل نهائي.

فإذا رفض البرلمان نصوص الاتفاقية بشكل نهائي تحررت السلطة من كل القيود التي فرضتها، وجاز لها أن تلجأ إلى المحاكم الدولية وفقًا لنصوص القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 الخاصة بالأنهار الدولية التي تلزم الدول بعدم الإضرار بغيرها ممن يتشارك معها في الأنهار الدولية، فضلًا عن وجود اتفاقيات تاريخية تحفظ لمصر حقها في كمية مناسبة من المياه تناسب احتياجاتها التي لن تقل في كل الأحوال عن الـ55 مليار متر مكعب، وهي أسانيد قوية في أي خطوة يخطوها البلد باتجاه المحاكم الدولية.

ورغم الأزمة الكبيرة والوقت الذي يضيق كل يوم، فما زال بإمكان السلطة في مصر أن تكسر القواعد القديمة في التعامل مع ملف سد النهضة، وأن تستبدل بها أخرى أكثر حسمًا وتأثيًرا، لكن البداية تكون برفض البرلمان لاتفاقية المبادئ، والتحرر من نصوصها المقيدة لحركة الدولة.

المصدر : الجزيرة مباشر