مصداقية بيجين وواشنطن بين مجازر غزة والروهينغا!

الأسيرة الإسرائيلية المحررة (منصات التواصل)

طعن رجل صيني أربعة أمريكيين، خلال زيارتهم لأحد المعابد المجاورة لحديقة “بيشان” العامة في مدينة جيلين أقصى شمال شرق الصين. أصابت السكين شابًا صينيًا كان يرافق المدرسين المنتسبين بجامعة “كورنيل” في ولاية” آيوا” الأمريكية، الذين أتوا إلى المنطقة القريبة من الحدود الروسية الكورية، في رحلة تبادل طلابي بين جامعتي كورنيل و”بيهوا” الصينية.

أسرعت قوات الشرطة إلى موقع الحادث ونقلت المصابين الخمسة إلى المستشفى لعلاج 3 منهم من آثار طعنات خطرة. أسهم مواطنون في نشر “فيديو” مصور للحادث الدموي على موقع “ويبو” المناظر للـ”فيسبوك” داخل البلاد، وروّجه آلاف الأشخاص ممن يرون أن الولايات المتحدة تسعى إلى حصار بلدهم وتدمير نهضتها وقدراتها العسكرية.

بيّنت التحقيقات الأولية أن أحد المصابين -الأقل تضررًا- شقيق آدم زابنر عضو مجلس النواب الأمريكي عن ولاية آيوا، وأن دوافع المشتبه به غير معروفة، خاصة أنه وقع في مدينة سياحية، يعكس طقسها الثلجي أغلب العام هدوء سكانها القليلين.

حوادث الطعن

تشهد الصين العديد من حوادث الطعن، يرتكبها بعض العاطلين ويائسون فقدوا السيطرة على عقولهم، تحت ضغوط مادية واجتماعية، تودي أحيانًا بحياة مارة أبرياء، ولكن مصادفة وجود شقيق نائب أمريكي أحالت الحادث إلى قصة خبرية أولى داخل الولايات المتحدة.

وصفت أشلي هينسون عضو مجلس النواب عن آيوا الحادث بأنه “طعن وحشي أشعرها بالرعب”. تضامن النائب الجمهوري عن الولاية جوني إرنست والنائبة ماريانيت ميكس وحاكمة الولاية كيم رينولدز بمطالبة السفارة الأمريكية في بيجين، لمتابعة التحقيقات والعودة الآمنة لوطنهم.

لم يغب جيك سوليفان مستشار الأمن القومي الأمريكي المتعصب الصهيوني، ومسؤولو الخارجية الأمريكية عن المشهد، الذين طالبوا، في لغة آمرة، بـ”ضمان تلبية احتياجات الضحايا واتخاذ الخطوات المناسبة لإنفاذ القانون”.

تلقفت الصحف الإسرائيلية القصة، وخرجت برؤية متفردة، حيث رأت أن “الحادث الإرهابي جاء عنوانًا لحملة الكراهية المنتشرة بين الصينيين، ضد الأمريكيين والإسرائيليين، منذ 7 من أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما رفضت الحكومة الصينية إدانة عملية “طوفان الأقصى”، بينما تدين العمليات العسكرية الإسرائيلية على غزة، وتهاجم الدعم الأمريكي لها بالمال والسلاح لتحط من شأن واشنطن.

الفتاة نوعا أرغوماني

لم يأت الاهتمام الصهيوني من فراغ، فقد وقعت الواقعة، ظهر 10 من يونيو/حزيران الجاري، بعد 48 ساعة من مجزرة النصيرات، التي أسفرت عن قتل أكثر من 280 شهيدًا، وإخراج 4 إسرائيليين من الأسر، من بينهم الجندية نوعا أرغوماني. أثارت المجزرة صدمة عالمية، نشرت وسائل الإعلام الصينية بعض أحداثها، حيث رأت أن الجريمة التي ارتكبها جيش الاحتلال، لا تبرر ما حققه من انتصار زائف استهدف تحرير عدد محدود من الرهائن، كان يمكن إخراجهم وبعدد أكبر عبر التفاوض السلمي.

تلقف الصينيون صور الفتاة نوعا أرغوماني التي تحمل جواز سفر صينيًا عن أمها المولودة في مدينة ووهان، تظهرها جميلة الطلة وبصحة جيدة أفضل من أقرانها في تل أبيب وبيجين، ليقارنوا بين ما يلقاه الفلسطينيون من قتل وترويع وتجويع، وما تحصلت عليه هذه الفتاة من حرية ورعاية بين الأسر الفلسطينية طوال 8 شهور، جعلتها تبدو أجمل من مذيعات التلفزيون.

تلقف الناشطون القوميون ما كتبه بعض كبار الصحفيين المنسوبين للسلطة، حول مبررات عدم اهتمامهم بدعم سفارة إسرائيل التي دعتهم إلى مطالبة “حماس” بالإفراج عن الجندية في جيش الاحتلال “نوعا” منذ بداية العدوان على غزة، باعتبارها صينية الأصل، مؤكدين أنها تحمل الجنسية الإسرائيلية عن والدها ضابط المخابرات السابق بالجيش، الذي تزوج من صينية منذ ربع القرن، وعاد بها إلى تل أبيب وانتهت علاقة الأسرة بدولة الصين.

غضب صيني

يدرك الإعلام الصهيوني أن محاولات الزج بالصين في قضية تبادل الأسرى دون وقف شامل ومستمر لإطلاق النار في غزة باءت بالفشل، لذلك تحوّل إلى الهجوم على السلطات في بيجين باعتبارها داعمة لـ”حماس الإرهابية” وتحض على كراهية الغرب الذي تقوده الولايات المتحدة.

يصطاد الصهاينة في الماء العكر، لذا لم تتوقف الحملات عند حادث الاعتداء الذي ارتكبه مسن -55 عامًا- من قومية “الهان” غير مسلم ولا ينتمي لأي جماعة دينية، ولكنه من فئات الشعب الغاضبة، التي بدأت تشعر بخطورة دعمها المطلق لإسرائيل خلال العقدين الماضيين، على مستقبل البلاد. وصف رئيس وزراء دولة الاحتلال منتصف العام الماضي، العلاقة بين الصين وإسرائيل بأنها “صداقة ولدت في الجنة”.

عمّق الإعلام الذي تحركه القوى الصهيونية في تل أبيب وواشنطن، الأزمة بإعادة نشر ملفات ساخنة، حول المجازر التي ارتكبها الجيش ضد مظاهرات الطلاب والقادة الإصلاحيين بالحزب الشيوعي، في ميدان تيانانمين السماوي وسط بيجين عام 1989.  كشفت ملفات قديمة وقعت أحداثها منذ 35 عامًا، عن توجه السلطة للعنف والاستبداد بما أهّلها لدعم “إرهاب حماس” والأنظمة الاستبدادية، التي تحاول الخروج على النظام الدولي الذي تفرضه الولايات المتحدة، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانفردت به منذ 1992.

تناولت الحملة دور بيجين في دعم الانقلاب العسكري بدولة ميانمار أدى إلى مقتل مئات الآلاف من مسلمي الروهينغا وبقاء مليون شخص محاصرين بالحرب الأهلية، وتشريد مليونين آخرين “يعيشون في مخيمات بائسة بين جزر تضربها الأعاصير بخليج البنغال، وسط تصاعد العنف وكراهية الأجانب وشح المعونات”.

احتفى الأمريكيون في يوم اللاجئ العالمي الأسبوع الماضي بدفع 40% من حجم تبرعات بلغت 4 مليارات دولار منذ عام 2017، للفارين من الحكم العسكري وعصاباته التي تلاحق مسلمي الروهينغا، مع وعد بإعادتهم إلى موطنهم بولاية “راخين”، التي كانت تضم 3.3 ملايين مسلم، ولم يتبق منهم سوى 600 ألف شخص فقط.

الهروب للأمام

من الملفت أن الحملة الصهيونية آتت أكلها، حيث اندفعت السلطات الصينية إلى محو الأفلام المصورة والمعلومات حول حادث الطلاب والفتاة “نوعا” من وسائل التواصل وحظرت نشر التحقيقات بالصحف، فلم يبق لها أثر إلا ما تسرب عنها للخارج، قبل سريان الحظر.

حادث صغير يثير حجم الأزمة الأخلاقية التي تدير بها الدول الكبرى سياساتها الخارجية، فالدولة الراعية للنظام العالمي الليبرالي، لا تتورع عن دعم نظام صهيوني عنصري، يقتل -على مرأى العالم ومسمعه– آلاف البشر ويشرد مليوني مسلم، وترعى أنظمة استبدادية داعمة أو شريكة للقاتل. الدولة المناوئة تهرب من مواجهة أزمة أخلاقية بحثًا عن مصالح اقتصادية، لتترك الساحة أمام واشنطن، تتباهى برعاية مليوني مسلم آخرين فروا من مجازر جماعية، يرتكبها “حكام فاشيون يدعمهم نظام استبدادي” مناوئ للغرب.

 

المصدر : الجزيرة مباشر