أسئلة وإجابات متشابكة حول وفيات الحج!

مهما بلغت درجة الرفاهة، ومهما توفرت سبل الراحة فإن فريضة الحج، وهي الركن الخامس من أركان الإسلام تحظى بقدر من المشقة، والتكلفة، لكن هناك تفاوتا منطقيا ومفهوما بين من أدى المناسك في خيام وثيرة مكيفة الهواء، ومن راوغ السلطات وتسلل للمشاعر المقدسة ممتطيًا قدميه تحت الهجير بحثًا عن أداء فريضة مشروطة بالاستطاعة المادية والجسدية وبالتنزيه عن أي عمل مخالف.
وقد ارتفعت أعداد المتوفين هذا العام بصورة غير مسبوقة في ظل عدم تعرض الحجيج لحوادث أو حرائق، أو كوارث طبيعية، ولا يملك صاحب نظر موضوعي أن يحيل الأسباب بتحليل سريع غير فاحص إلى سبب واحد دون سواه أو يلقي بمسؤوليتها على طرف واحد، ويستبعد الأطراف الأخرى.
نظام الباقات
أدى الفريضة هذا العام نحو مليون وثمانمائة ألف حاج بينهم حوالي مائتي ألف من المقيمين داخل المملكة العربية السعودية، وفقا لنظام مستحدث تم تطويره وتثبيته بعد انتهاء أزمة جائحة “كورونا” التي عطلت موسم الحج وجعلته قاصرًا على عدة آلاف من الحجيج قبل أربع سنوات.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
يُقسم النظام المستحدث الراغبين في أداء فريضة الحج إلى “باقات” وهو تصنيف للخدمات المقدمة في الإقامة والتنقل بين المشاعر المقدسة وفق أربع درجات تتفاوت سعريًا من الدرجة الاقتصادية وحتى الفاخرة، ويلزم للحصول على تأشيرة الحج من سفارات المملكة حول العالم أو تصريح داخلي بالحج للمقيمين داخلها أن يشترك الحاج في إحدى الباقات، وأن يتم تسجيل بياناته إلكترونيا لحجز مكان له وتنظيم تنقله وإقامته، ويفرض هذا النظام أن تكون هناك شركة مسؤولة عن مجموعات محددة من الحجاج وأن تلتزم بإقامتهم في مكة والمدينة المنورة وفي مناطق منى وعرفات والمزدلفة، وهذه الشركة أو من يمثلها يُعرف بـ”المطوف”.
النظام المتبع
يتركز دخول “المملكة” قبل شهر تقريبا من “عيد الأضحى” على حاملي تأشيرات الحج لكن السلطات السعودية لا تمنع طالبي التأشيرات الأخرى من دخول أراضيها في الفترة ذاتها وتسمح لحاملي تأشيرات الزيارة أو السياحة أو العمل بالدخول لمدن المملكة التي تبلغ مساحتها نحو 2.2 مليون كيلو متر مربع وتحتفظ بحدود برية وبحرية مشتركة مع عشر دول عربية.
ووفقًا للنظام المتبع في “السعودية” لا تسمح السلطات لغير حاملي تأشيرات الحج بدخول منطقة مكة المكرمة لكن مئات الآلاف من الراغبين في أداء فريضة الحج يتسللون لمكة المكرمة بدون تسجيلهم مع مطوف قبل الحج بأسابيع أو بأيام ويتخفون بطريقة غير قانونية في مساكن يديرها مخالفون أيضًا، أو يدخلون خلسة دون ترتيب لمشعر “منى” في يوم “التروية” الذي يسبق يوم “وقفة عرفات” مباشرة.
ومع عدم وجود وسيلة انتقال مخصصة للمتسللين من غير حاملي تأشيرات الحج يضطرون للسير على أقدامهم لأداء المناسك بين منى وعرفات ثم المزدلفة ثم منى مرة أخرى للمكوث حتى رابع يوم العيد لإلقاء الجمرات، ومع عدم وجود خيام مخصصة للمتسللين في منطقة المشاعر يصبح عليهم البقاء في العراء تحت شمس حارقة وحرارة شديدة دون خدمات، أو دورات مياه، وإذا أضفنا إلى ذلك ارتفاع متوسط أعمار الحجاج والمشاكل الصحية المعقدة التي يعانيها معظمهم فيصبح من الطبيعي حدوث وفيات واحتياج لتدخل طبي وإسعافات لنسبة كبيرة منهم لكن المعضلة الرئيسية هنا هي التزام الأطقم الطبية ووحدات الإسعاف بمرافقة الحجاج المسجلين وانشغالها بهم وهم عدد كبير يحتاج لكل جهد وطاقة.
مخالفات قبل الحج
رغم أن السلطات السعودية أعلنت قبل أسبوع من بدء المناسك ضبط أكثر من 300 ألف شخص نصفهم أجانب لا يحملون تأشيرات الحج والباقي من المقيمين الذين لا يحملون تصريحا بالحج إلا أن عددا غير معروف استطاع اختراق كل الحواجز وتسللوا للمشاعر المقدسة رغم تشديد الإجراءات التي أسفرت عن ضبط 140 حملة حج وهمية و64 ناقلا مخالفا، وإعادة 97 ألفا، و664 مركبة مخالفة من مداخل مكة، وهناك أعداد أخرى لم تضبطهم الشرطة وبدؤوا مناسك الحج.
المحصلة شبه النهائية أن هذا الموسم شهد وفاة 1301 حاجًا 83٪ منهم غير حاصلين على تأشيرة حج أو تصريح به، وفقا لوزارة الصحة السعودية، ويُعتقد على نطاق واسع أن السبب الرئيسي وراء وقوع هذا العدد هو ارتفاع الحرارة بعد أن وصلت إلى 51.8 درجة مئوية في الظل بمكة المكرمة.
الأسئلة اللازمة
هناك أسئلة بديهية بشأن تسلل الحجاج غير النظاميين مثل: ما الذي دفعهم لتعريض أنفسهم للموت؟ ولماذا لا ينضوون تحت ألوية الحج النظامي؟ وهل هناك أسباب أخرى لارتفاع أعداد من قضوا في الرحاب المقدسة هذا العام فوق المعدل المعتاد سنويا؟
تتراكم الأسئلة بينما تطل الأزمات الاقتصادية التي تعصف بعدة بلدان عربية على خلفية أوضاع داخلية وإقليمية معقدة أدت لانخفاض قيمة العملات المحلية في عدة دول عربية وزيادة التضخم، كما رافق ذلك ارتفاع عالمي في أسعار الطيران، والنقل والطاقة. ومن المؤكد أنه لا يمكن تجاهل أن ارتفاع أعداد المتسللين سببه الرئيسي ارتفاع تكلفة الحج وعدم الاستطاعة المادية وفق الأسعار الجديدة.
ويلفت النظر أن الرقم الأكبر بين الحجاج المتوفين من الدول العربية هو 672 من مصر يليه 99 من الأردن، ورغم ذلك فإن تكلفة الحج بالطيران من مصر تبلغ نحو 4000 دولار في حدها الأدنى ونحو 4400 دولار في الأردن. وإذا تتبعنا متوسط أسعار الحج في باقي الدول العربية القريبة من السعودية فسنجد أن مصر والأردن بين أقل الدول في تكلفة الحج حيث يبلغ الحد الأدنى للحج من سوريا 5700 دولار، ومن فلسطين 5000 دولار، ومن قطر 7600 دولار، ومن الكويت 9000 دولار. أما الحج الداخلي للمقيمين في السعودية فيتراوح بين 1670 إلى 1700 دولار، وهو ما يوضح أن التكلفة من داخل السعودية تعادل 39% فقط من تكلفة الحج للمسافرين من مصر، ونحو 35% للقادمين من الأردن، وهو ما يفسر أسباب لجوء مواطنين للسفر بتأشيرة سياحة أو زيارة بحثا عن فرصة للحج بسعر مغر لأنه أقل، لكنه يظل غير قانوني.
ووفقا للجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء المصري فإن معدل البطالة في مصر بلغ 6.7% بينما بلغ التضخم نحو 28% في الربع الأول من عام 2024. ووفقا لدائرة الإحصاءات العامة الأردنية فقد بلغ معدل البطالة 21.4% وهو رقم كبير حتى مع تحقيق التضخم نسبة 1.3% في إبريل الماضي.
يفسر الوضع الاقتصادي الصعب على سبيل المثال لا الحصر في مصر والأردن لجوء بعض راغبي الحج للتهرب من الاشتراطات المالية التي وضعتها السلطات السعودية للحج النظامي المكلف إضافة إلى تشدد السلطات السعودية غير المسبوق في إبعاد المخالفين حيث تتضح الصورة. أكثر لكن رغم ذلك هناك أسئلة لابد أن تصاحبنا، ونحن نبحث بعمق عن مجمل الأسباب المؤدية لما حدث:
حكم الدين
من الناحية الدينية، هل تجوز مخالفة النظام المعمول به بما يعرض الإنسان نفسه وآخرين لخطر الموت؟ وهل الرغبة في أداء الفريضة تبرر أن تتم بطريقة تدفع إلى التهلكة؟ ومن الناحية الاقتصادية هل يصبح الحج قاصرًا على الأغنياء أو القادرين فقط؟ وهل نحتاج لجهود أكبر من الدول العربية والإسلامية، في تيسيرالحج وجعله مستطاعا لعموم المسلمين كما كان في السابق آخذين في الاعتبار وضع الاقتصاد العالمي الصعب المنعكس بالضرورة على الدول العربية والإسلامية؟
الإجابات متشابكة كما الأسئلة ولا يمكن اختزالها في أن الحرارة ارتفعت وكفى، دون حديث جدي وصريح عن قلة الوعي الديني والقانوني من جانب الحجيج وعن ارتفاع الأسعار لما فوق طاقة العامة، وعن عدم وجود تفكير حقيقي من جانب الحكومات في خدمة الذين تتعلق قلوبهم بالمشاعر المقدسة بينما جيوبهم خاوية لا شيئ فيها يمكنهم من الإنفاق على رحلة ليسوا مضطرين للتهرب من تكلفتها، بعد أن فرضها الله تعالى “لمن استطاع إليه سبيلا”.
