استفاقة حقيقية متأخرة.. أم شجاعة موجهة مزيفة؟!

الإعلامي عمرو أديب وزوجته الإعلامية لميس الحديدي (منصات التواصل)

عندما يحدث ويقسو الجوع على شخص ما، وهو دائما كان شبعان، فإنه سيفهم معنى أن تكون المعدة خاوية، وسيتعاطف مع الجائعين، وينافح عنهم.

ولمّا يشتد المرض على الشخص بعد الصحة، فإنه سيدرك أنات المعذبين من المرض، وهو لم يكن يعبأ بهم من قبل عندما كان في عافية.

ولن يعرف قيمة الحرية ويدافع عنها إلا من يفقدها، ويجد نفسه مسلوب الإرادة، وهو قد لا يهتف مجددا لمن ينتزعها ويحرّمها عليه وعلى غيره.

وهكذا، كل إنسان عندما يكون في نعمة فإنه قد لا يدرك ماذا يعني حرمان الآخرين منها فيمر عليهم دون أن يلقي لهم بالا، ولا يشعر بقيمتها إلا إذا فقدها.

لكن المهم أن يستوعب الإنسان الدرس ويتمسك به ولا يتخلى عنه مهما امتلأت المعدة من طعام، أو ازدادت الصحة تحسنا، أو استعاد حريته، أوغير ذلك من أمور دنيوية؛ مادية أو معنوية.

والفارق هنا بين شخص لديه مبدأ لا يحيد عنه مهما بذل من تضحيات، وترك من مغريات، وشخص آخر لا مبدأ له، ولا قيمة عنده، وإذا اضطر إلى اتخاذ موقف ما في موضوع ما فربما يكون ذلك لحسابات شخصية وقتية، أو بتوجيهات لأهداف يريدها من يقوم بتحريكه.

ولكن، حسنا إذا كان الموقف نابعا من ضمير عادت إليه الحياة، أو روح استفاقت بعد سبات، وهنا يكون جديرا بمقولة أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي أبدا.

غضبة عمرو ولميس

ولهذا عندما عاش عمرو أديب وزوجته لميس الحديدي -وهما إعلاميان معروفان وقريبان من السلطة ومن كل سلطة- ومَن على شاكلتهما، مصاعب انقطاع الكهرباء، فإنهما خرجا يعبّران عن الغضب من ذلك، ويوجهان النقد للحكومة بأكثر مما يغضب وأشد مما ينتقد الذين لهم مواقف واضحة منذ البداية غير متحمسة للسياسات العامة المتخبطة غير المدروسة التي لا تضع في حسبناها أهمية دراسات الجدوى والتحسب لمآلات القادم وما قد يحمله المستقبل من مفاجآت وأحداث طارئة سلبية ومؤرقة وتأزيمية، ومنها التغني بإنجازات الغاز والكهرباء ثم يتبين أن الواقع كان بعيدا عن التصريحات الرنانة.

هل هذا الغضب وذلك النقد وتلك الشجاعة التي ظهرت فجأة على هذا الثنائي، تعبير عن موقف جديد ينظر إلى واقع الناس ويرصد المشكلات والأزمات على حقيقتها دون تزييف أو تضليل، أم مجرد حالة وقتية من أثر عدم الاعتياد على غياب الكهرباء ساعات قليلة عنهم، أم هو توجيه داخلي بتمثيل هذه الحالة من التململ لامتصاص جانب من الاحتقان الشعبي المتصاعد، ليس من أزمة الكهرباء فقط، بل معها قائمة طويلة من الأزمات الاجتماعية والمعيشية والحياتية غير المسبوقة ولا المعهودة بهذا الشكل من الشدة، بخلاف الانسداد والعقم السياسي.

أستبعد تفسير البعض بأن هناك توجيها خارجيا فيما قاله أديب ولميس، وليس وحدهما في هذا الموقف الحاد في موضوع الكهرباء وكذلك الأسعار والغلاء، هناك آخرون في الإعلام الموجَّه وتيار الموالاة ينتقدون أيضا، لكن ببعض الخجل، ذلك أن المبررات استُهلكت، ومطالبة الناس بالتحمل صارت أسطوانة سمجة، والمقارنات مع دول أخرى بات أمرا مثيرا للسخرية.

الخارج هنا من نسج خيال أشخاص يتصورون أن منظومات الحكم العربية قد تلعب ضد بعضها بعضا أو تقوم بتصفية حسابات من أبواب خلفية، فكلها في المركب ذاته، وجميعها على قلب رجل واحد، والربيع العربي كاشف لهذا الاستنتاج، فلم تطمئن المنظومة إلا بعد كسر هذا الربيع.

أتصور أن “الكمبوند” الذي يقطن فيه عمرو ولميس -وكل ثنائي مثلهما أو فرد أو جماعة من هذه الفئات التي لا تعيش إلا حول السلطة حيث منافعها كثيرة- أتصور أن الكهرباء إذا ظلت متوفرة لديهم فلم يكونا يهتمان كما هما اليوم، وإلا فهناك عشرات القضايا والأزمات الجديرة بالنقاش الجاد والصريح، وهما وغيرهما في منظومة الإعلام لا يتطرقون إليها، وإذا اقتربوا منها فيكون ذلك على الخفيف دون الدخول في العمق ودون تحديد المسؤوليات بشجاعة.

ادعاء البطولة

من يدعي البطولة اليوم في موقف واحد لأنه تأثر به واكتوي بناره لن يكون بطلا، ومن يركب قطار النضال بعد أن قطع شوطا طويلا على سكته وكان متاحا أمامه أن يركبه مبكرا لن يكون مناضلا، ومن ينحاز اليوم إلى الجمهور العام في عذابات حياته لأن قليلا من هذا العذاب اقترب منه أو مسه لن يكون مدافعا عن الناس ولا متقدما صفوفهم.

من يأتي إلى الحرب في نهايتها لا يتساوى أبدا مع الذي بدأها وخاض غمارها وواجه أخطارها، ومن ينضم إلى عمل شعبي جماعي بعد نجاحه ليس زعيما.

مع هذا، فمن الجيد أن الأزمة عندما تلهب ظهر إنسان ويمتلك منصة تأثير أو قدرة على التعبير بأي وسيلة ويقوم بدوره ويتحدث ويعبّر دونما رياء للجمهور العام أو القيام بدور وظيفي وتوجيهي جديد أو عدم ركوب موجة شعبية فإن ذلك لا غضاضة فيه، فربما تكون بداية للسير في الطريق الصحيح، وليس شرطا أن يكون طريق المخالفة أو المناكفة لأجل المخالفة والمناكفة والمعارضة، إنما طريق إنصاف الحقيقة وعدم خذلانها أو التعتيم عليها أو تزييفها أو قتلها.

وإذا كان عمرو، وكل عمرو، وإذا كانت لميس، وكل لميس، قد قاما من البداية بفك الارتباط بالسلطة، أي الوقوف منها ومن الجمهور على مسافة واحدة متساوية، وليس بالضرورة معاداتها، ثم يمارسان، وغيرهما من نخب السلطة، دور القاضي العادل من جهة تقييم أفكارها وسياساتها وخططها وأعمالها بشكل محايد وموضوعي وأمين، فإن الأوضاع العامة ربما لم تكن تصل في ملفات عديدة إلى ما وصلت إليه سياسيا واقتصاديا واجتماعيا كما هو حاصل الآن.

المصدر : الجزيرة مباشر