المسألة الكردية ومعضلة الدستور التركي الجديد

يستعد البرلمان التركي لبدء مرحلة جديدة من الاجتماعات والمشاورات التي يجريها رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش مع الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان، بهدف التوصل إلى توافق حول البنود المقترح أن يحويها الدستور الجديد للبلاد الذي يجري العمل حاليا لإعداده.
لا يخالف أحد بتركيا في أن البلاد بحاجة فعلية إلى دستور جديد يتوافق مع المستجدات والتطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تمر بها البلاد، وما تواجهه من تحديات وصعوبات تعرقل مسيرتها نحو المزيد من التقدم والنمو والديمقراطية، وصولا إلى تحقيق الأمن والاستقرار من خلال معالجته المنتظرة لأكثر القضايا الخلافية التي تعانيها تركيا منذ عقود.
اقرأ أيضا
list of 4 items- list 1 of 4ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحرب في السودان.. وأحدها قد يصبح واقعًا
- list 2 of 4ألغت العدد بأكمله.. مجلة هارفارد تتراجع عن نشر دراسة عن تدمير التعليم في فلسطين (فيديو)
- list 3 of 4أمجد فريد: السماح بتمدد الدعم السريع خطيئة مشتركة بين الجيش والسياسيين في السودان (فيديو)
- list 4 of 4الحزن الجميل.. مرآة غرناطة وسؤال الوعي (فيديو)
وفي مقدمتها مسألة القومية، وتحديدا القومية الكردية، التي تمثل صداعا مستمرا للحكومة، إلى جانب قضية تحصين الحجاب، وتحديد النظام السياسي الذي يناسب الشعب التركي للتوافق بشأنه وإقراره.
ورغم عدم البدء -فعليا- في تشكيل اللجان البرلمانية التي سيتم تكليفها بصياغة مواد الدستور المقترحة، وفق نسب تمثيلها البرلماني، فإن الأحزاب التركية بدأت في الإفصاح علنا عن مواقفها من الدعوة التي أطلقها الرئيس أردوغان لإعداد دستور جديد للبلاد تتناسب بنوده مع عقد تركيا الجديد.
شكوك أحزاب المعارضة
وقد شكك المعارضون في وجود رغبة جدية لدى الائتلاف الحاكم لإحداث إصلاحات قانونية ودستورية حقيقية، ورأوا أن الدعوة إلى إعداد دستور جديد للبلاد سببها ما أفرزته الانتخابات المحلية من نتائج وضعت الحكومة في موقف لا تحسد عليه مع احتمالات تعرضها لخسارة جديدة إذا ما أُجريت انتخابات برلمانية مبكرة تحت ضغط المعارضة.
ومن هذا المنطلق ترجح المعارضة أن حزب العدالة والتنمية -تحديدا- يسعى لوضع المناقشات الدستورية على جدول أعمال الدولة الرئيسي، لإلهاء المواطنين بقضايا دستورية، ومناقشات قانونية، لصرف انتباههم عن الأزمة الاقتصادية الطاحنة من ناحية، ولمنح نفسه الوقت الكافي للخروج من ائتلافه مع حزب الحركة القومية، الذي يضغط عليه سياسيًّا، ويجبره على اتخاذ قرارات لا تتوافق وتطلعات قاعدته الجماهيرية.
أوزغور أوزيل رئيس حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة التركية أعلن عدم ثقته في الفائدة المرجوة من وراء إعداد دستور جديد ما دام الدستور الحالي لا يتم الالتزام ببنوده، ولا تنفذ قرارات المحكمة الدستورية، بل يتم استهداف فصيل سياسي معين، وملاحقته قضائيا.
كما علق كمال كيليجدار أوغلو الرئيس السابق للشعب الجمهوري على المناقشات الدائرة حول الدستور الجديد بقوله “إن حكومة لا تحترم الدستور الموجود لن تستطيع صياغة نصوص أكثر ديمقراطية”، معربا عن خشيته من أن يكون المشروع الجديد “مدخلا لتعزيز النزعة السلطوية في البلاد” بحسب تعبيره.
أما حزب الجيد فعلق موافقته على المشاركة في إعداد دستور جديد بإعلان الحزب الحاكم تخليه عن النظام الرئاسي، والعودة إلى النظام البرلماني، ومنح أعضائه صلاحيات أكثر مما كان عليه الحال سابقا.
دعم الأكراد لمبادرة أردوغان
الحزب الوحيد الذي أعلن انفتاحه على مبادرة أردوغان هو حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب الذي يمثل الأكراد على الساحة السياسية، بل إنه أعلن إنشاء لجان خاصة لوضع تصوره بشأن الدستور الجديد، وإجراء مناقشات قانونية مع مختلف أطياف المجتمع بشأنه، مطالبا بمنح الحكومة فرصة حقيقية لوضع دستور مدني ديمقراطي يضم جميع أطياف مكونات الشعب.
رؤية الأكراد عموما لما يجب أن يكون عليه الدستور الجديد تنطلق من رغبتهم في إعادة العمل بدستور 1921، أو -على الأقل- استلهام مواده التي تعترف بالتنوع العرقي والإثني للمجتمع التركي، ولا تحصره في قومية واحدة هي القومية التركية، وتقر مبدأ الحكم الذاتي للتجمعات الإقليمية داخل الدولة.
وتنص المادة الأولى منه على أن “السيادة للأمة دون قيد أو شرط، وتعتمد طريقة الإدارة على مبدأ أن الناس يديرون مصايرهم شخصيا وفعليا” بمعنى أن الأمة مكونة من جميع أفراد المجتمع المقيمين به، والحائزين على جنسيته، وليس الأتراك منهم فقط.
أما المادة الثالثة منه فتنص على أن “دولة تركيا يحكمها مجلس الأمة الكبير، وتحمل حكومته لقب حكومة مجلس الأمة الكبير”، ويرى قانونيون أن هذه المادة تعترف بأن المجتمع كله -دون أي قيد عرقي- هو صاحب الحق في تحديد مصاير الحياة العامة وليس الدولة.
وفي المادة الحادية عشرة نص ذلك الدستور على أن “يتمتع المجتمع الإقليمي بالشخصية المعنوية والاستقلال الذاتي، باستثناء ما يختص بالسياسة الخارجية والداخلية، والقضاء الديني، والشؤون العسكرية، والعلاقات الاقتصادية الدولية، والتطورات العامة للحكومة، والأمور التي تهم أكثر من محافظة، أما المؤسسات فإن المدارس والتعليم، والصرف الصحي، والاقتصاد، والزراعة هي شؤون المجتمع الإقليمي”.
وهي المادة التي يرى الأكراد أنها تقر بمنح الحكم الذاتي -بكل ما يحويه هذا اللفظ من معنى- للمناطق ذات الكثافة القومية أو الثقافية الواحدة، ويطالبون بالانفتاح عليها، خاصة أن أتاتورك بنفسه هو الذي أقرها ووافق عليها.
يذكر أن دستور 1921 أقرته الجمعية الوطنية التركية حينما كان مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية رئيسا لها، وكان يحوي 23 مادة، ويعد أقصر دستور تم إعداده في البلاد، نظرا للظروف التي أُعد فيها.
إذ كانت الدولة آنذاك تخوض حرب الاستقلال، ويبدو أن هذا الدستور وما به من نصوص كان بمكانة مكافأة وقتية من أتاتورك للأكراد على تعاونهم مع الدولة، وقتالهم إلى جانبها في حربها ضد كل من قوات الحلفاء والأرمن واليونانيين، إذ إن العمل به لم يستمر سوى ثلاث سنوات فقط، فمع حلول عام 1924 وبعد انتهاء حرب التحرير تم إلغاؤه وإقرار دستور آخر يلبي احتياجات المجتمع الجديدة، وقد تم إلغاء كافة المواد التي تعطي القوميات الأخرى المكونة للمجتمع التركي الحق في الحكم الذاتي، أو التحدث باللغة الأم، وفرضت اللغة التركية على جميع العرقيات، وأصبحت الجمهورية التركية وريثة الإمبراطورية العثمانية دولة قومية تركية بنص الدستور، واختصرت جميع القوميات الأخرى داخلها.
حظر الحديث عن دستور 1921
ونظرا لما تحويه مواد دستور 1921 من إقرار الحق في الحكم الذاتي للمناطق الواقعة ضمن جغرافية الدولة التركية، وما يعنيه هذا الحق من إدارة شؤون التربية والتعليم، واللغة، والاحتفالات الاجتماعية والثقافية، وإدارة موارد الإقليم، فرضت النخب السياسية التي تعاقبت على حكم البلاد منذ عام 1924 حظرا تاما على الحديث عنه، في حين ترى النخب الكردية أن مواد هذا الدستور هي الوحيدة القادرة على إيجاد حلول منطقية لإنهاء المسألة الكردية في تركيا.
معوقات على الطريق
المطالب الكردية وإن كانت تتوافق جزئيا مع سعي أردوغان إلى إعادة تعريف المواطنة للتفريق بين الوطن والانتماء العرقي، الذي يعد أحد الأسباب المهمة في الخلاف التركي الكردي، إلى جانب الاعتراف باللغة الكردية لغة ثانية للدولة؛ فإن عوامل عدة قد تقف حجر عثرة في طريق تحقيق رغبة الرئيس أردوغان في إعداد دستور جديد للبلاد يختم به مسيرته السياسية، وتبدأ بموجبه تركيا مئويتها الثانية وهي تنعم باستقرار سياسي يؤمن لها التخلص من جميع أنواع الاستقطاب، والإقصاء، والعنف، والإرهاب، والقلق الدائم من احتماليات الفوضى.
فهناك صعوبة حقيقية في إمكانية تلبية بقية المطالب الكردية الخاصة بالحكم الذاتي، خاصة ما يتعلق منها بالانفصال إداريا عن الدولة، وإطلاق لفظ “كردستان” على المناطق ذات الكثافة الكردية، إضافة إلى مطالب المعارضة المتعلقة بالعودة إلى النظام البرلماني، ورفض مسألة التحصين.
